15-11-2006, 02:56 AM
|
رقم المشاركة : 6
|
معلومات
العضو |
|
|
إحصائية
العضو |
|
|
|
مشاركة: آه يابا
اقتباس:
|
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مامون احمد مصطفى
آه يابا
آه يابا، آه وألف آه.
أنت لم تجرب ولو مرة واحدة أن تأخذ بيديك قليلا من التراب الساكن ارض حيفا، لتقربه من انفك، لم تجرب أبدا أن تدلك يديك بتراب حيفا حين تفرغ من تقشير البرتقال والليمون، ثم تقفز بعض خطوات نحو البحر، لتغسل يديك بملوحة البحر ورائحته، لم تجرب، لذلك أنا اعرف انه عصي عليك أن تدرك كيف تأتلف المشاعر وتتشكل لتندمج بأغوار النفس والإحساس والذهن، كيف تتكاتف العاطفة مع الأرض، مع السماء، مع التراب، مع البحر، مع المدى، مع الأفاق المفتوحة على ما لانهاية، مع صوت المؤذن وهو يقتحم الأثير والأذان، حيفا يا ولدي، حكاية أخرى، لا تشبه الحكايات، قصة أخرى، لا تشبه القصص، رواية أخرى، لا تشبه الروايات، قصيدة أخرى، لا تشبه القصائد، حيفا أنشودة لا تنشد إلا بصوت بحرها وأرضها وسمائها، حيفا أنشودة الأناشيد، وقصيدة القصائد، حيفا يا ولدي هي حيفا.
لم يكن ليخطر ببالنا أبدا، يوما ما، بأننا سوف ننتزع من حضنها، ولم نكن نتوقع يوما ما، أن تنتزع حيفا من أحضاننا، لأنها أمنا المطلقة الأمومة، ولأنها وليدتنا المتجددة الطفولة، لكننا انتزعنا منها قسرا وقهرا، وتركت حيفا عارية، بلا ستر، تركت عذراء الكون عارية لمجموعة من الأوغاد، فسالت دماء بكارتها، سالت نحو البحر، نحو الأرض، ودوت صرخاتها في أعالي الكون، فهزت الآفاق والآماد، هزت الجبال والأشجار، هزت البحار والمحيطات، لكنها يا ولدي، لم تهز نخوة العروبة أو حمية الإسلام.
تركت وحيدة، عارية، تتناوشها الرياح والعواصف، تضربها الزوابع والأعاصير، يستبيح حرمتها وعذريتها من لا يعرف للأخلاق أي قيمة، ومن لا يعترف للإله بألوهيته وعدالته، تركت وهي تصرخ طالبة النجدة، لكنها لا زالت منذ تلك اللحظات تصرخ، وحمية الدين، ونخوة العرب، تتحاشى سماع الصرخات المتأوهة، بل وشارك جل العرب والمسلمين في تمزيق بكارتها وفاء لأولئك الأغراب.
كنت وأمك نفيق كل صباح، نتعطر بروائح الزهر والياسمين، نعانق الآذان، نتلفع بهيبته، نصلي الصبح، نقطر إيمانا وخشوعا، نسبح، نرفع أيدينا متوسلين بالدعاء رحمة الله ومغفرته، نصنع الشاي، ونخرج لتناول الإفطار بين أغصان الشجر، نراقب البحر والموج، ننظر إلى المراكب والبواخر القادمة لترى سحر حيفا، لتتنسم عطر البحر والأرض، كنا نعيش في الجنة.
آآآآآآآآآآه يابا آآآآآآآآآآآآآآه
أتعرف ما معنى الآه؟
اليوم نحن خارج حيفا، نصحو على اللاشيء، على اللامكان، على اللازمان، نصحو لنجد أنفسنا في العراء، بلا سقف، بلا جدران، دون بحر، دون الياسمينة والمتسلقة، نصحو لا نعرف ماذا نفعل، نصلي وندعو، لكن لا نعرف كيف أو أين نقضي حاجتنا، لا نعرف كيف أو أين سننام في الأيام القادمة، كل شيء تغير، كل شيء، كانت الصدمة اكبر كثيرا من قدرتنا على التصديق والاستيعاب، كانت النكبة تخصنا نحن، نحن من شردنا وهجرنا عن أرضنا، عن ماضينا، عن ذكرياتنا، عن جذورنا، عن بحرنا، عن أصول أجداد الأجداد، كانت الكارثة، كارثتنا نحن فقط، لم يكن العالم يفهم حين كنا نرسل آهاتنا وزفراتنا المكلومة إلى أفاق الكون، قالوا:- "ستعودون يوما إلى حيفا". كنت اعرف، كما عرف كل أهل حيفا، بأنهم يتحلون بالأعذار لتسكين حر شوقنا ولهفتنا، كانوا يشاركون في هزيمتنا، في تغريبنا، في تعذيبنا، كنا نسمع الجنود وهم يبكون لحظة تسلمهم أوامر الانسحاب لإخلاء الأرض أمام الغرباء، كنا نسألهم:- " ما الذي يبكيكم" كانوا يملكون جوابا واحد، بعدة لهجات:- " ماكو أوامر ". حتى أوامر المقاومة انتزعت منهم، تماما كما انتزعت حيفا من أحداقنا، وكما انتزعنا نحن من أحداقها. دموعهم كانت تحرقنا، تزهق امالنا وأحلامنا، العودة يا ولدي كانت تحتاج إلى رجال، إلى رجال، إلى رجال، وليس إلى جيوش لا تحمل سوى مدافع حشواتها من قماش يثير دخانا، دخانا فقط، العودة يا ولدي كانت تحتاج إلى أناس يعرفون الله، يؤمنون بسيرة محمد وأعماله، إلى رجال يعرفون معنى الألوهية، ليعرفوا معنى حيفا، معنى الشهادة من اجل حيفا، عروس الكون، ودرة العالم.
حيفا سقطت، حيفا ضاعت، ثم يافا، ثم تل الربيع، ثم أم الرشراش، وهكذا، ضاعت فلسطين، أصبحنا بلا وطن، بلا ارض، بلا جذور، وزعنا لاجئين على ارض العرب، وعلى ارض الوطن، لا نملك من امرنا أي شيء على الإطلاق، ينظر الناس إلينا بتقزز وتعال، نحن أهل البحر، وسادة الأفاق، كنا ننتظر المراكب والجواري لنرحب بالقادمين، نستقبلهم ونمنحهم صدر البيت، تحولنا إلى مخلوقات يتحاشى الناس الاقتراب منها أو التعامل معها.
أتعرف يا ولدي معنى المثل القائل:- "من خرج من داره، بنقل مقداره ". نعم يا ولدي، حين خرجنا من حيفا لنوزع على الأرض، فقدنا قيمتنا وفقدنا مقدارنا، الكل طلب منا أن نقابل كرم قبوله لنا بأرضه بإعلان الولاء التام له، وهذا الولاء، كان يعني التخلي عن هويتنا، عن أحلامنا، عن حتمية عودتنا، وحين رفضنا، جزرنا وذبحنا، وهجرنا من ميناء إلى ميناء، نحمل هويتنا وكينونتنا، نحمل أحلامنا ورؤانا، نحمل الام ماضينا وصيرورة ثباتنا. كنا فوق الجراح، فوق العذابات، لا نثق بمن ضيع الأرض والعرض، لا نثق بالعروش المستعارة والألقاب الكاذبة، شققنا وبأيدينا حجب الظلمات، ومزقنا بإرادتنا قطع الليل، قلنا:- وبكل ما نملك من قوة، فلسطين حقنا الإلهي والتاريخي والشرعي، فلسطين يبوس وكنعان، فلسطين نبينا إبراهيم ويوسف ويعقوب ومحمد وزكريا وموس وعيس – عليهم الصلاة والسلام – فلسطين ملكنا، ملك العرب، ملك المسلمين، ملك صلاح الدين وعمر بن الخطاب، ملك نور الدين زنكي وسيف الدولة الحمداني واحمد باشا الجزار، ملك شيخها احمد ياسين ويحيى عياش وعبد العزيز الرنتيسي، ملك الجيش العراقي الذي خرج وهو يبكي وينظر إلى فلسطين نظرته الاخيره.
أصبحنا يا ولدي سلعة، يتاجر بها الملوك والزعماء، كم يساوي حقنا بالعودة، سؤال يحاول العالم تثبيت إجابته رغما عنا، سؤال تشارك عروش العرب والمسلمين بتمريره قسرا وجبرا. لكن الذي لا يعرفه الجميع، أننا لسنا للبيع، لسنا للمساومة، وشجرة الياسمين والمتسلقة اللتان تركتهما خلفي حين انتزعت من حيفا، هما اكبر من كل العروش والمقامات السامية التي يتباهون بها أمام العالم، وان ذرة تراب واحدة من حيفا هي أسمى وأعلى قيمة ووزنا منهم ومن عروشهم ومن جيوشهم الصامتة، فلسطين يا ولدي وصية الله والرسل والكتب والسماوية، لتكن أنت والأجيال القادمة حراس هذه الوصية، كونوا حراسا على مستوى الشرف الذي منحكم إياه الله، وارفضوا بكل ما تملكون من قوة وإباء وشموخ مستمد من وصية الخالق أن تكونوا عبيدا إلا لله، وشقوا بإيمانكم حجب طاعة من لا يطيع الخالق، واصرخوا صباح مساء، ليس هناك من يملك الحق بالتفاوض على الحق الإلهي للعرب والمسلمين في فلسطين. اصرخوا بأعلى أصواتكم ولا تخشوا شيئا، فالعمر واحد، والرب واحد.
أما أنا فاني أحملك أمانة نقل رفاتي من أي مكان في العالم إلى حيفا، أمانة تحملها لأولادك إن لم يسعفك الزمن في تحقيقها، حملها للأجيال القادمة، جيلا خلف جيل، وضعوا رفاتي بجانب البحر، واغرسوا فوق رفاتي شجرة ياسمين ومتسلقة، واكتبوا فوق شاهد قبري...
حيفا يا عروس البحر ودرة الكون
ها نحن قد عدنا إليك
مأمون احمد مصطفى
فلسطين- مخيم طول كرم
النرويج -8-4-2006
|
صرخة آه تهز الوجدان وتملأ الكيان غضب
ما أجمل تراب الوطن وما أروع رائحته ، سنرجع يوماً إلى حينا ؟
مؤلم ما قرأته هنا ولكن الحقيقة أكثر إيلام ، نتأمل أن يكون غدنا مشرقاً بنور جديد يحمل تباشير وطن ، كل الناس لهم وطن يعيشون فيه ونحن لنا وطن يعيش فينا ، عبارة هزتني عندما قرأتها بلسان من شردته الأيام وابعدته عن الوطن ولكنني أشعر أنه لا بد وطننا يعيش فينا حتى لو كنا نعيش فيه ألسنا من تراب ؟
أخي مأمون
يطول بنا الوقوف عند الآه والتنهدات ولا نملك إلا البكاء والحسرات فهل ما زال في مآقينا دموع
|
|
|
|