تتمة البحث الذي قدمته في مؤتمر الأدب المقاوم :
صورة الوطن اختلفت ... التراب ارتفع إلى مقام النشيد ، واللغة توضأت بالدم ، وصار القلم كما السيف قادرا على الفعل ، قادرا على التجرؤ على المخرز وقاموس التبعية والانكسار المستبد !
السؤال الذي يطرح نفسه : أيهما يؤثر في الآخر : الشعر أم المقاومة ؟
أيهما اصدق وأبقى ، وهل تساوت قامة الشعر مع قامات الشهداء ، هل استطاعت المحبرة أن تكون كما الجرح مفتوحة على العطاء ، وهل كان الحبر قادرا على تقمص الدم؟!...
أظن الجرح كان اكثر بلاغة من المحبرة .. والدم اكثر توهجا من الحبر ، كان المقاوم اكثر رسوخا في الزمن من الشاعر ... مع أن النتاج الشعري الذي جاء انعكاسا للمقاومة وانتصارها كان كبيرا وبليغا ، لكنه لم يكن ولا أظنه يكون متدفقا وحيويا كفعل المقاومة في محيطها البشري واللغوي في آن .
التأثير الأقوى كان للمقاومة ، الشعر صدى.. مجرد صدى يرتفع ويخفت بحسب شدة انتماء الشاعر إلى زمنه ، والى المكان ودولة الحرية المنتظرة !..
انتصار المقاومة وهزيمة العدو الإسرائيلي على ارض لبنان ، انعكس إيجابا على حركات مقاومة أخرى في فلسطين المحتلة ، أضاف الى صمود أهلها العجائبي والى توهج انتفاضتها الشعور بالدعم ولو المعنوي , وانعكس كذلك إيجابا على كل مكان لا يزال يعيش القهر وخسارة الحرية .
تجربة هامة في عصر كله يركض إلى حظيرة البيت الأبيض ،تجربة تعلم مقولة "لا" في زمن النعم المطلقة ، أثرت في كل ما حولها إنسانيا وعسكريا ، وبالتالي شعريا وعلى كافة صعد الإبداع الأخرى .
هذه التجربة أخافت إسرائيل ، وبالتالي كل من يقف وراء إسرائيل داعما ومساندا ، لهذا كان القرار 1559 قرارا باغتيال قصيدة المقاومة ، وتكريس أدب وقصيدة النشاز في العالم العربي !..
المقاومة اليوم في خطر حقيقي ، خطر خارجي وداخلي ، لان بقاءها يعني فشل كل المخططات المرسومة للمنطقة هذه ... وإلغاءها يعني أن الحذاء الأميركي سيمر بيسر وسلام على كافة ارض العرب ولن يلاقي سوى أبوابا مفتوحة ومشرعة ورقابا محنية !..
لهذا، المقاومة اليوم برأيي أحوج ما تكون إلى أن يحتضنها عشاقها ، عشاق الحرية .. أن تحتضنها اللغة ، كما السياسة ، كما الحركات الشعبية .. كما المنظمات والأحزاب التي تؤكد وطنية انتمائها إلى بلد يحاصره الخارج والداخل على حد سواء .!!
أتحدث هنا عن دور الشعر في المرحلة المقبلة ،... عن دور الشاعر اللبناني والعربي في تشكيل جدار صدَ يمنع الهجمة على كتاب المقاومة العظيم ... التي تسعى لاعادتنا كلنا إما إلى الصمت أو إلى أن نكون أبواقا للقوة الغاشمة التي تتلطى تحت شعار دمقرطة العالم على معزوفة طبلة خداعة اسمها السلام .. تنعت كل فعل حي وحقيقي وأصيل في مواجهة ظلامها بالإرهاب !
دور الشاعر أن يغمس قلمه في محبرة السطوع المقاوم .. في أن يكون أحد جنود الصراع كي يحفظ مستقبل القصيدة من التلوث ومستقبل أبناء بلاده من السقوط في البئر !..
القلم سلاح فعال كما البندقية ، كما الكاتيوشا ، والشاعر الشاعر بإمكانه أن يكون مقاتلا ومقاوما .. وان يجعل من قصيدته وسيلة للدفاع عن كرامة وطنه والحفاظ على مقاومة هذا الوطن . كي يحقق حلم القصيدة بطائر الحرية يحلق في فضاءات الواقع ، لا في فضاء التخيل فقط ؟!...
لدينا العالم كله منبر لقصيدة المقاومة والالتزام بالحرية .. لدينا الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب ، لدينا عالم الإنترنت ، وعالم النشر .والبحوث الجامعية ورسائل الدكتوراه ومناهج التعليم . لدينا المقدرة على أن نترجم بوحنا إلى كل اللغات الحية ، لنقول للآخر إننا أصحاب حق وإننا لسنا بإرهابيين .
ثمة عالم بأكمله يمارس علينا شهادة الزور ...
وأي قصيدة أو لوحة أو رواية أو منحوتة قادرة على إضافة عود ثقاب في وجه عتمة البيت الأبيض ..
لدينا المستقبل كله.. وكم سيئ أن نترك للأجيال القادمة إرثا من الانحناء .. ومن القصائد المشوهة التي حين كان عليها أن تقول الحقيقة قصَرت وخانت أهلها !
علموا أبناءكم المقاومة لقنوهم مفرداتها شعرا ولغة وسلوكا اجتماعيا ,
انتصار المقاومة في لبنان غير وجه العالم , فكيف لا يغير وجه الشعر , ومع ذلك ثمة شعراء كثيرون لا يزالون يدفنون رؤوسهم في رمال التجاهل كما تفعل النعام !.
قصيدة المقاومة مصباح زيته الدم الشهيد ومداه الضوئي العالم , فاغرفوا من الزيت المقدس كي يدرك العالم كله أننا نستحق الحياة .
يا هذا العالم يا غابة ... يا أعمى يا شاهد للزور...
يا ناصر قناص دموي القلب على طهر العصفور...
بعيون صغاري المرتابة، ساشق دساتير الدنيا
بدماء النور ..
وسينهض من مهد مسيحي...
ومن صبر الأقصى والمعراج ..
من قانا تحضن حاضرنا...
شعب منصور ..
يا هذا العالم يا غابة جسدي يغتال الدبابة
قلبي قنبلة ومدادي طلقات تغتال سحابة
ودوي المدفع أولادي والموت حياة
كسروا ناقوس الأعياد اغتالوا الصلوات ..
اغتصبوا أحلامي وبلادي ..
شيبا وشباب
من يمنع أن ارفع صوتي
عاش الإرهاب . تموز 2005/ بيروت[/size]