باستعراض ظروف القرن العشرين التي ازدهر فيها الفن التشكيلي المعاصر سنجد أن عوامل (كالتكنولوجيا والإعلام والسياحة والحروب) مهدت لعوامل أخرى ، مثلا بعد أن كان المجد هو الذي يحفظ المأثور ويكرره ، أصبح المجد اليوم هو الذي يبدع ويبتكر . وقد أضاف الباحثون معاني كثيرة للإبداع في القرن العشرين ، أوضحت عديدا من معالم كنا نجهلها فيما قبل . كما أن تتبع الفنانين واعترافاتهم بنبوغ أفكارهم ، وتسجيل ذلك ونشره ، زاد من حصيلة الفنان الناشئ ، وأعطاه الفرصة أن يضع نفسه في بداية الطريق السليم ، مما ساعد على سرعة ظهور المبدعين وكثرتهم في أنحاء العالم المتحضر .
وبنمو الإبداع ازدهر النقد الفني ، وخرج عن المنهج الذي كان متبعا إبان عصر النهضة ، فقبل القرن العشرين كان الإغريق بمثالياتهم الفنية هم مصدر الحكم على الأعمال الفنية التي تنتج . والأعمال التي لم تكن تحقق النسب ، والأبعاد ، والتفاصيل ، التي تتفق مع المثالية الإغريقية ، كانت ترفض على أنها عقيمة . ولكن بنمو مفهوم الإبداع ظهرت مداخل للنقد الفني تتفق مع الاعتراف بفرديات الفنانين ، وطرزهم ، وشخصياتهم ، وسار النقد في هذا السبيل أشواطا حتى أنه اشتهر في الفن التشكيلي المعاصر أسماء نقاد عالميين كان لهم تأثيرهم على الحركة الفنية ، نذكر منهم في إنجلترا : (هربرت ريد) و (إريك نيوتن) و (روجر فراي) و (كنيث كلارك) و (ر. هـ . ولنسكي) كما ظهرت في فرنسا أسماء مثل : (أندريا مالرو) و (كريستيان زرفوز) و (إلي فور) و (إيميل زولا) و (أندريا بريتون) . وفي إيطاليا : (بندتو كروتشي) و (ليونللو فنتوري) وفي أمريكا : (ألبرت بارنز) و (توماس منرو) و(روبرت مذرويل) و (جون ديوي) وفي روسيا (ليوتولستوي) وليس هذا مجال إحصاء هؤلاء النقاد والكتاب في الفنون التشكيلية ، والجماليات ، وفلسفتها . لكن يبدو أن هناك فيض من الثقافة الفنية والجمالية يسرها كثير من الكتاب باللغات الأجنبية المعاصرة .
ونتيجة للثورات والحروب التي حدثت في القرن العشرين وما قبله ، والاتجاه إلى تحطيم أصنام الأفكار المتزمتة القديمة والتعصبات المزمنة ،والجمود في مناهج الفن وإنتاجه ، بدأ المفكرون والفنانون يبرزون مثاليات جديدة ببساطة الحياة وعدم تعقيدها ، والوصول إلى الحقيقة الفنية مباشرة وبوجدان خالص . وبذلك تكشف القرن العشرون : فنون الأطفال ، والفنون البدائية ، والزنجية ، والفنون التحضيرية (الأركيك) للحضارات القديمة ، والفنون الشعبية ، وكل هذه لها مداخل واتجاهات تختلف في مجال الفن التشكيلي عما كان يعتقده القرن التاسع عشر وما قبله من قرون حتى عصر النهضة الإيطالي .
(من كتاب : الفن في القرن العشرين)
( تأليف : د . محمود البسيوني )