رحلة بئيسة
نزلت كضربة مقص فكرة زيارة إحدى المآثر التاريخية بمدينة الرباط ..شالا التي تدغدغ لهفة السياح، وتغازل عيونهم ، لِما في حوصلتها من عِبَر يطرب لها العالم، إذ هي مرآة حقيقية لشعوب في عهود غابرة ،إن لم نقل حلقات ذهب في حزام التاريخ …قادتني قدماي إلى محطة الحافلات بمدينة الدار البيضاء ،التي في شهورها الأولى كانت ترفل في ثوب العز.. فوجئت بساحة يمزقها اختلاط الحابل بالنابل: غرغرة ، بكاء.. .جري ،دخان.. ذرعت جنباتها إلى الحافلة المعنية ،ما كدت أخطو نحو الداخل حتى أمسكتْ بتلابيبي مخالبُها الحديدية الصدئة … نزلت وأخذت أمعن النظر في هذه الهرمة الحولاء :قشرة زمن الدينصور، تخرج فحيحا مُتعَبا يدل على أن الدهر سلبها جبروتها . ركبتها ثانية على مضض ،فالصناديق المنشورة لا تستوعب الكم الهائل من البشر، و حظي قادني إلى هذه المنكوبة …أخذت أحملق في مفاتن جسدها الداخلية . سقف موشك على السقوط ، نوافذ مبتورة الأذرع، ذباب يهمس في الآذان … ومقاعد تتفاوت في درجات الأعطاب و لم تنفلت من رسومات وتعابير مشاغبة تنفيسا لرغبات مضغوطة ،أو كدمات لجراح خلفها عراك الزمن ، في نفوس حُرمَت من فضاء مناسب لتفريخ شحناتها الزائدة ،وتصفية ما بالأدمغة من حشو عالق …. جلست أرقب الحافلة في خطوات الرضاعة الأولى … حاول السائق إدارة المحرك ،لم يشتغل .. أعاد المحاولة ثانيا وثالثا ،ثم نادى المساعد، فرد بسرعة سأفعل .سأفعل ،كلنا لم ندر ما تعنيه "سأفعل "هذه. تقدم بمشيته السلحفاتية ،و كرش برميل تتدلى أمامه،حاملا قضيبا يتعدى مترا ،رفع الغطاء ،وأدخله وأخذ يحرك ..الركاب يمدغون الأسئلة …همهمات ..أعناق تشرئب..علامات تعجب …اشتغل المحرك أخيرا ،ولهات المساعد يتصاعد ،تابعتِ الحافلة سيرها وسط الهرج والمرج لتغادر المدينة …أحسست باختناق كاد يزهق الروح ..تضاعفت مسافات العرض البطيء ينزل ركاب ويركب آخرون …يكتظ الوعاء ،يصعب الاستيعاب..تبدأعملية التدافع مذيلة بتراشق كلمات لا دغة، يتعالى بكاء الأطفال ،تجحظ العيون ،تتوتر الأعصاب ،تجف الحناجر ،يتصبب العرق …والسائق يواصل القيادة براحة في أبهى صورها ..يتجاذب أطراف الحديث بدماغ جد معتدل،والتراكل والترافس خلف شاشته…في منتصف الطريق أوقفنا ر جال الدرك ،فتنفسنا الصعداء باعتبار العقدة ستنفك عند هذه النقطة …تطل من النافذة ما يشبه لفافة السجائر..تهوي كورقة التوت …يلتقطها صاحبنا عفوا صاحبهم من بين قدميه.. يفرج شفتيه ثم يلوح بالمسير…
بتاريخ أكتوبر 2003