عرض مشاركة واحدة
غير مقروء 16-09-2026, 04:47 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
زياد هواش
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو







زياد هواش متصل الآن


افتراضي رد: الانتخابات النصفية الأمريكية... 2026

الانتخابات النصفية الأمريكية... 2026
( 3 )

كيف يتحوّل الغضب إلى قوة سياسية ؟

في الجزء الثالث من هذه السلسلة التي تحاول فهم التحولات الأميركية، تنتقل المقالة من تفسير “الغضب” إلى تفسير كيف يتحوّل الغضب إلى قوة سياسية. من العمل الميداني والنقابات والولايات وصولاً الى الفوز الكاسح…

في 23 كانون الثاني/ يناير 2026، أُغلقت مدينتا مينيابوليس وسانت بول في ولاية مينيسوتا: الحرارة تحت الصفر، بين 50 و75 ألف شخص في الشارع، مئات المتاجر مقفلة، أكثر من مئة رجل دين موقوفون خلال عصيان مدنيّ. والسبب: أكبر عمليّة مداهمة فدراليّة للهجرة تُنفَّذ في منطقة حضريّة واحدة في تاريخ البلاد، بحوالى ثلاثة آلاف عنصر من دائرة الهجرة والجمارك وألف من حرس الحدود.

استمرّ التحرّك اليوميّ ستّة أسابيع. وبحلول أواخر شباط/ فبراير، كانت الحكومة الفدراليّة تخفّض عديدها في مينيسوتا إلى أربعمئة عنصر. هذا ليس احتجاجاً، فالاحتجاج يخرج وينصرف، إنه تنظيم.

المسألة ليست الغضب
كان الغضب موجوداً عام 2011 أيضاً. “احتلّوا وول ستريت” ملأت الساحات، ورفعت الشعار الأدقّ في وصف اللحظة، ثم أُخليت من الحديقة وانتهت خلال أشهر. الفارق بين تمرّد ينجح وتمرّد ينطفئ ليس في حرارة الغضب. إنه في البنية التي تستقبله. ما حدث بين 2017 و2026 في الولايات المتّحدة هو بناء هذه البنية. عمل بطيء، محليّ، مملّ، لا يُنتج عناوين. ولهذا لم يره أحد. وهو يتألّف من ستّ طبقات.

الطبقة الأولى: خطّ إنتاج المرشّحين
تأسّست منظّمة “ران فور سامثنغ” (Run for Something) عام 2017، غداة تنصيب دونالد ترامب الأوّل. فكرتها بسيطة إلى حدّ السذاجة الظاهريّة: أن تُقنع شبّاناً بالترشّح لمناصب لا يعرف أحد أنها موجودة. مجلس بلديّ، مجلس مدرسة، مقعد في برلمان ولاية، مسؤول انتخابات في مقاطعة.

الأرقام بعد تسع سنوات:

أكثر من 1,600 مرشّح فازوا بمناصب فعليّة.

ربع مليون شخص في قاعدة بيانات من أبدوا استعداداً للترشّح.

نحو ثمانين ألف تسجيل جديد خلال 12 شهراً.

أكثر من خمسين مرشحاً فازوا في دورة تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 وحدها، من بينها 43 مقعداً انتُزع من الجمهوريّين.

56 في المئة من الفائزين نساء، و58 في المئة من غير البيض.

خمسة من خرّيجيها في الكونغرس اليوم.

المقعد في مجلس مدرسة لا يعني شيئاً بحدّ ذاته. لكن من يفوز به يتعلّم كيف يُدار سجلّ ناخبين، وكيف تُبنى قائمة متطوّعين، وكيف يُواجَه خصم بميزانيّة أكبر. وبعد ثماني سنوات يترشّح لمجلس النوّاب. هذا هو الفارق البنيويّ عن 2011 كلّه، في جملة واحدة: هؤلاء ترشّحوا، لم يعتصموا.

الطبقة الثانية: ماكينة الانتخابات التمهيديّة
تأسّست “جاستس ديموكراتس” (Justice Democrats) في 23 كانون الثاني/يناير 2017، على يد مجموعة من معاوني حملة بيرني ساندرز الرئاسيّة الأولى. مهمّتها المعلنة: تحدّي نوّاب ديمقراطيّين حاليّين في انتخاباتهم التمهيديّة، ورفض تمويل لجان الشركات وجماعات الضغط.

سجلّها في السنة الأولى يستحقّ أن يُقرأ بعناية، لأنه يشرح طبيعة هذا النوع من العمل: في دورة 2018، جنّدت المنظّمة 12 متحدّياً وتبنّت 66 مرشّحاً آخر. فاز واحد منهم فقط بمقعد في الكونغرس: ألكسندريا أوكاسيو كورتيز. واحد من اثني عشر. وكان كافياً. من ذلك المقعد وُلدت مجموعة “السكواد” مع رشيدة طليب وإلهان عمر وأيانا بريسلي، ووُلد معها إثبات أن الأمر ممكن. وهذا الإثبات هو رأس المال الحقيقيّ في السياسة، لا المال.

بعد تسع سنوات بالتمام، في 23 كانون الثاني/ يناير 2026، كانت مينيابوليس تُقفل أبوابها. وفي الشهور التالية، سقط أربعة نوّاب ديمقراطيّين حاليّين أمام متحدّين من يسارهم: شري ثانيدار في ميشيغن أمام دوناڤان مكيني، وأدريانو إسبايات ودان غولدمان في نيويورك، وديانا ديغيت في كولورادو بعد ثلاثين عاماً في الكونغرس. من واحد إلى أربعة، في تسع سنوات. هذا هو الإيقاع الحقيقيّ لهذا النوع من التحوّل، لا الإيقاع الذي توحي به العناوين.

الطبقة الثالثة: العضويّة
تضاعفت عضويّة منظّمة “الاشتراكيّون الديمقراطيّون في أميركا” مرّتين خلال أقلّ من عامين:

50,713 عضواً في تشرين الأول/ أكتوبر 2024، حين أطلق زهران ممداني حملته.

92,912 في كانون الأول/ ديسمبر 2025.

أكثر من 120 ألفاً في الرابع من تموز/ يوليو 2026.

بهذا الرقم صارت أكبر تنظيم اشتراكيّ في تاريخ الولايات المتّحدة، متجاوزةً الحزب الاشتراكيّ بقيادة يوجين دِبس في ذروته عام 1912.

يجب الانتباه إلى ما تعنيه هذه الأرقام وما لا تعنيه. مئة وعشرون ألف عضو في بلد يضمّ 340 مليون نسمة رقم هامشيّ. لكنّ العضويّة الحزبيّة في الولايات المتّحدة ليست عضويّة أيديولوجيّة بقدر ما هي عضويّة تشغيليّة: كلّ عضو هو متطوّع محتمل في حملة، وطارق باب، ومنظّم حيّ.

القيمة ليست في الرقم. إنها في ما يستطيع الرقم أن يفعله يوم الاقتراع.

الطبقة الرابعة: العمل الميدانيّ
هنا يظهر ما يستطيع أن يفعله التنظيم السياسي. في حملة ممداني لعمدة نيويورك، تطوّع أكثر من مئة ألف شخص. طرقوا أكثر من 3.1 مليون باب. أجروا 4.6 مليون اتّصال هاتفيّ. وأرسلوا 2.7 مليون رسالة نصيّة. هذه أرقام حملة رئاسيّة، وليست أرقاماً في سباق بلديّ. وقد جاءت النتيجة على قدرها: 2,218,647 صوتاً في انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، بارتفاع 84 في المئة عن 2021، وأعلى إقبال في انتخابات بلديّة نيويوركيّة منذ 1969.

لكن هنا أيضاً تظهر أوّل نقطة ضعف حقيقيّة، ويجب قولها. في إحدى فترات جمع التبرّعات، جاء 53.5 في المئة من أموال الحملة من خارج ولاية نيويورك. أي أن أكثر من نصف المال جاء ممّن لا يستطيعون التصويت له. هذا يجعل الحملة قابلة للتكرار في مدن أخرى. ويجعلها في الوقت نفسه عرضة لاتّهام سيُستخدم ضدّها مراراً: إنها ظاهرة إعلاميّة وطنيّة أكثر ممّا هي حركة محليّة.

الطبقة الخامسة: النقابات كخزّان
تأييد النقابات والتنظيم النقابي في الولايات المتّحدة عند 68 في المئة، وهو الخامس على التوالي قرب السبعين. وبين الفئة العمريّة 18–34، ترتفع النسبة إلى 72 في المئة. وثمّة حركة فعليّة تحت هذه الأرقام: 535 فرعاً لـ”ستاربكس” صار مُنظَّماً نقابيّاً بحلول مطلع 2025. وفي مصنع “ڤولكسڤاغن” في تشاتانوغا بولاية تينيسي، صوّت خمسة آلاف عامل لصالح التنظيم النقابيّ عام 2024 بنسبة 73 في المئة، في قلب الجنوب الأميركيّ المعادي تقليديّاً للنقابات.

لكنّ الصورة تحتاج إلى الرقم المقابل، وإلّا صارت دعاية: نسبة التنظيم النقابيّ في القطاع الخاصّ لا تزال 5.9 في المئة. ورفعت “ستاربكس ووركرز يونايتد” أكثر من ألف شكوى ضد ممارسات عمل غير عادلة، ولا تزال العقود الجماعيّة متعثّرة بعد سنوات. التأييد الشعبي لم يُترجم إلى قوّة بعد. التنظيم النقابيّ يُقاس بالعقود الموقّعة، لا باستطلاعات الرأي. وما بُني حتى الآن خزّان تعبئة، لا سلطة تفاوض. الشركات الكبرى تصرف أموالاً ضخمة لمحاربة التنظيم النقابي.

الطبقة السادسة: الولايات كساحة
آخر الطبقات هي الأحدث، وربّما الأهمّ. في الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، أقرّ ناخبو كاليفورنيا “بروبوزيشن 50” بنسبة 64.4 في المئة، فأعادوا رسم دوائرهم الانتخابيّة لصالح الديمقراطيّين حتى 2030، ردّاً على إعادة رسم مماثلة في تكساس نقلت خمسة مقاعد إلى الجمهوريّين. وفي مينيسوتا، فعل ائتلاف من النقابات والكنائس والجاليات المهاجرة ما لم تفعله ولاية بكاملها: أجبر السلطة الفدراليّة على التراجع.

النموذجان متعاكسان تماماً. الأوّل مؤسّساتيّ، نازل من حاكم الولاية وبرلمانها إلى الصندوق. الثاني قاعديّ، صاعد من الحيّ إلى الشارع إلى مكتب المدّعي العامّ. والحزب الديمقراطيّ لا يملك اليوم رواية واحدة تجمعهما. وهذه مشكلة الحزب لا مشكلة التنظيم القاعدي.

ما الذي انكسر في المقابل؟
بقيت طبقة أخيرة، وهي ليست بناءً بل انهيار في الجهة المقابلة. “إيباك” ضخّت أكثر من مئة مليون دولار في دورة 2026. لكنّها امتنعت هذه المرّة عن التبنّي العلنيّ لمرشّحيها، وانتقلت إلى الإنفاق عبر لجان دعم مؤقّتة ولجان واجهة، لأن اسمها صار عبئاً على من تدعمه. وصار مرشّحون ديمقراطيّون يستخدمون تدخّلها ضدّهم مادّةً لجمع التبرّعات. هذا تكيّف، لا انسحاب. مئة مليون دولار تبقى مئة مليون دولار. لكنّ ما انكسر فعلاً هو الردع. لعقود، كان التلويح بالإنفاق كافياً لضبط سلوك المرشّح قبل أن يبدأ. اليوم صار المال قابلاً للخسارة. وهذا وحده يعيد حسابات مئات المرشّحين في البلاد.

وأخيراً
عشر سنوات من العمل الذي لا يُرى: استمارات ترشّح لمجالس مدارس، وقوائم متطوّعين، وتدريبات على طرق الأبواب، وشبكات إنذار في الأحياء، وعضويّات بعشرين دولاراً في الشهر. في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، ظهرت نتيجة هذا كلّه دفعة واحدة في نيويورك. وفي آب/ أغسطس 2026، ظهرت في ميشيغن. البنية موجودة إذاً. والسؤال الذي يتبقّى ليس عن وجودها، بل عن كفايتها. لأن حركة “حزب الشاي” بنت بنية مشابهة، ونجحت في ابتلاع حزبها، ثمّ اكتشفت أنها لا تعرف ماذا تفعل به.

..

https://daraj.media/%d9%85%d9%86-%d9...5Jwmw9U7-uP5aA







التوقيع

https://www.facebook.com/ziad.hawash...ibextid=ZbWKwL
‏"لن تنتصر الضحية على الجلاد إذا لم تتفوق أخلاقيا عليه"
- إدوارد سعيد.

 
رد مع اقتباس