اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سلام الحربي
لا أدري في أيِّ منعطفٍ من منافي
الروح عَلِقَ طيفك بثوب أيامي
ولا أيُّ ناسخٍ خفيٍّ دسَّ حروف اسمك
في طروس القلب
حتى غدوت أُلفةً تسبقني
إلى نفسي.
كانت أيامي قبلك رقوقًا بيضاء
تتوالد الساعات فيها من
رحم الساعات
حتى حسبت العمر
مخطوطةً
صامتةً تتشابه سطورها
فلا شغف يوقظ
حواشيها
ولا قصائد
تعيد للحرف فتنة البدايات.
ثم مررت...
لا كاسمٍ عابرٍ أسقطه الناسخ
من هامش الحكاية
بل كوشمٍ حُفر في جدار الروح
واستعصى على المحو.
وكان يكفيني أن يعبر اسمك
خاطري
حتى تهبَّ في داخلي نسائم
عليلة
كنسائم الزهراء محمّلةً
بعبق الود
يخيط أنفاسي بعضها إلى بعض
ويتركني معلّقةً
بين نشوة الحضور
وخجل البدايات.
وصرت أراك في مرايا الأشياء
وفي زخارف
النوافذ الموشّاة
وفي انحناءات الأقواس
وفي فسيفساء الطرقات
كأن فنانًا مرَّ على المدينة
وترك ملامحك سرًّا في تفاصيلها.
حتى غدوت في
مذكّراتي
الهامش الذي تمدّد حتى ابتلع النص
والحاشية
التي تمرّدت فصارت أصل الحكاية
ثم ما لبثتُ أن جعلتُ لك
في رياض قلبي
ما لم أجعله لعابرٍ قبلك
وفتحتُ لك أبواب الود
وأودعتُ كفّك مفاتيح
حصون الروح
وما استطاع الهوى قبلك
أن يدنو من أسوار الشعور
كنتُ أحسبك أمينًا على
ممالك الوجد
فإذا بك أول من دلَّ الغياب
على ثغورها.
وحسبتك تعرف حرمة العهد
فإذا بعهدي معك أولَ
وشيجةٍ قطعتها أهواء الطريق.
ـــ
لا أدري متى تبدّلتَ
ولا متى خرجتَ من قصائدي
لتعود إليَّ وفي صوتك
رائحة المنافي.
لكنني رأيت ما لم أفطن له من قبل.
كأن الرجل الذي نقشتُه
في روحي أخذ
يطمس ملامحه بيديه.
وكأنك ضجرت من هدوء حدائقي
فاستبدلت رياحينها
بمنادمة الكؤوس في حانات الغياب.
وتركتني أجمع من الأفنية
ما تناثر من عهودنا
لم أسألك أيُّ غوايةٍ أغرتك
ولا أيُّ ساقيةٍ أخرى
أمالت كأس قلبك عني.
فالكبرياء
الذي ربّيته طويلًا
كان واقفًا عند باب السؤال
يمنع لساني أن يستجدي
ممن غادره الجواب.
غير أن قلبي كان
أقلَّ أنفةً مني
كان كلما أوصدتُ بابًا عليك
تسلّل من شقوقه
ليبحث عنك، ثم يعود
مثخنًا بخيبات الغياب.
فأضمّده وأكتم عنه أخبارك
وأعيد ترتيب خراباته
كما تعيد مدينة منكوبة
رفع أبوابها
بعد ليلةٍ عبرتها الخيول.
وكنتَ تعود...
لا فاتحًا ولا معتذرًا
بل كمن يعرف أن له في المدينة
دارًا لم يُطفأ سراجها بعد.
فأفتح لك؟
كان الحب يقول: افتحي.
وكانت خيلائي تضع يدها على المفاتيح.
أحببتك
لكنني لم أكن أرضًا مباحةً
لكل مواسم رحيلك
ولم يكن قلبي
خانًا تنزل فيه
متى أضناك الطريق
ثم تحمل متاعك
إذا لاح لك سفر.
--
سلام
أسرار منسية
|
سلام !!
أي ذنبٍ تقترفين بحقِّ هذا الحزن ؟!!
وأي سحرٍ سكبْتِ في هذه البكائية حتّى جعلتِ الفقدَ يبدو كأنَّه مملكَةٌ من الدّمع، والرّخام ؟!!
قرأتُ حروفكِ بيتاً بيتاً، ونفساً نفساً، فلم أجد فيها كلاماً يُقرأ، بل وجدْتُ جراحاً تُعزف، وكبرياءً يرتدي ثوبَ زليخة، ويمشي بين الخيول المنكوبة !!.. كيف لامرأةٍ أن تجعلَ الخيانةَ تُشبهَ قصيدةً أندلسيةً يرتعد لها العرش، وتجعلَ الغدر يمرُّ كنسيمِ الزّهراء، ثم يتركُ الحصونَ رماداً ؟!!
لقد استفززْتِ في داخلي نزاراً كان نائماً تحت أنقاض الكبرياء.. نزاحمُ النّزف بالنزارية، لنردَّ على خيلائكِ بلغةٍ لا ترحمُ المنهزمين، ولا تعتذرُ للمنتصرين :
من حكيم الخراب.. إلى أميرة الحصون المهدومة !!
( 1 )
لم أكن ناسخاً خفياً يا سيدتي،
بل كنتُ الزّلزال !!
لم أدسس اسمي في طروسكِ
بل هجمت على رقوقكِ البيضاء
كما هجمت خيول المغول على مكتبات بغداد !!
كتبت عليكِ كالقدر،
فلا تتبكي على هامش ابتلع النّص
أنا لم أبتلع النّص فحسب
أنا ألغيت الملف كله،
وأعدت صياغة التّاريخ من بعدي !!
( 2 )
تقولين : "كنتِ أمينةً على ممالك الوجد"
يا لسذاجة الحدائق حين تثق بالرّياح !!
هل يطالب العاصف بالأمانة ؟!!
وهل يعاتب الحريق لأنه لم يستأذن الزّهرة قبل أن يأكلها ؟!!
أنا لم أدل الغياب على ثغورك
أنا الغياب حين يرتدي معطفي، ويمشي في شوارعكِ !!
أنا المنافي التي طالما حلمتِ أن تتوجي ملكة على جليدها !!
( 3 )
تتكلمين عن "المنادمة في حانات الغياب"
وعن "كأسي المائلة عنكِ"
آه يا امرأةً لا تفهم طبيعة البركان !!
إن الرّجل الّذي نقشتينه في روحكِ
لم يطمس ملامحه ضجراً من هدوئكِ
بل طمسها لأنه خاف أن يحترق في شدوكِ !!
كان يلزمني خمرٌ أرخي به مفاصل كبريائي
كي لا أصرخ باسمكِ وسط المدينة !!
كنت أهرب منكِ.. إليكِ،
وأسكر كي أنساكِ، فأراكِ في قاع المصروفات، والكؤوس !!
( 4 )
ما أقساكِ وأنتٍ ترسمين نفسكِ "مدينة منكوبة"
تعيد رفع أبوابها بعد ليلة الخيول !!
وما أجملكِ، وأنتِ تضعين يدكِ على المفاتيح
تقاتلين الحبّ بالخيلاء !!
تقولين : "لم أكن خانا".
نعم !! لم تكوني خانا
كنتِ المعبد الّذي كفرت به جهاراً
كي أثبت للآلهة أني لا أخشى سوى غضبكِ !!
( 5 )
اسمعيني جيداً من وراء بابكِ المغلق :
إن الخيل الّتي خربت دياركِ كانت خيولي !!
والرّباح الّتي اقتلعت رياحينكِ كانت أنفاسي !!
والسّراج الّذي لم يطفأ في داركِ
لم يكن سراج أملكِ، بل كان ناري الّتي لا تموت !!
اطرديني، أوقدي الكبرياء حطباً على أبوابكِ
ضعي يدكِ الصّغيرة على المفاتيح، وامنعيني
فإنكِ كلما أوصدتِ باباً
عرفت أنكِ تخافين أن ترتمي بين يدي ثانية !!
( 6 )
أنا لا أكتب كي أعتذر،
فالرّجال في مذهبي لا يعتذرون عن الصّواعق !!
لكني أقولها لكِ، وبصوت يهز المنافي :
عودي إلى مذكراتكِ،
وامحي الشّعر، وامحي النّص، وامحي الهامش !!
حاولي أن تكتبي سطراً واحداً لا يشهد بأني كنت هنا
ستجدين أن القلم الّذي في يدكِ
ليس إلا إصبعي !!