العالم ليس سوى صيرورة من ركام
انبثاقٌ قلقٌ في رحم العدم،
والتّاريخ عبثٌ مستدير يكرر مأساته بأسماء مستعارة
يأكل البشر بعضهم في محرقة الغايات، والنّوازع
تتآكل المدارات، وتسقط السّيرورات في قاع الهامش،
وأنا أقف في برزخ هذا الإعصار الكوني
مجرداً من وهم الأيديولوجيا، معافى من خرافة التّفاصيل
لا أرى حريق العالم، بل أرى تجلّي الوجود في حريقكِ،
فالحبّ ليس عاطفة عابرة، بل هو اختزال للكون في لحظة إشراق،
وانعتاق من زمن الفناء الفيزيائي إلى أزلية المعنى،
فلتذهب الجهات الأربع إلى عدميتها المحتومة،
ولتتلاش المظاهر السّائلة الّتي حسبها العوام بقاء
ما الجحيم إلا سقوط الإنسان في وحل الآلية،
وأن نحيا في كون مادي بارد تجرد من نبل الجوهر، والمعنى
مستنقع يعلف فيه البشر بعضهم بعضاً كبهائم مأزومة
لذا أخلع عن قدمي غبار مدينتهم الفاسدة، وألجأ إلى كينونتكِ
أنتِ لست ملاذاً عاطفياً لترميم الانكسار
أنتِ النّظام البديل للفوضى الكونية
الجنّة الأنطولوجية الّتي تعيد للمادة روعة جوهرها،
وللصيرورة المضطربة سكونها النّبيل، والأخير
قضى أفلاطون نحبه، وهو يشيد مُثُله في هواء التّجريد،
جاهلاً أن الجمال الأسمى لا يسكن الأبراج العاجية،
بل يتجسد في الكلمة حين تصير روحاً، وفي الرّوح حين تصبح قصيدة،
ومضى مجنون ليلى في تيهه الظّاهري
لأنه لم يدرك أن المعشوق ليس ذاتاً نبكي غيابها،
بل هو الحقيقة المطلقة الكامنة وراء مجازات الخراب
لقد عبر العشّاق ردهات التّاريخ، ومضوا كأشباح عابرة
تهاوت جدران فيرونا، وانطفأت لوعة روميو، وجولييت في حفرة التّراب،
وتشظى غوته في شغف "فالتر" دون أن يدرك المبتغى،
واستحال عشق شاه جيهان صرحاً بارداً من رخام "تاج محل"
كلهم حاولوا ابتكار ناصية للخلود،
لكن قطار الزّمن سحقهم، فتحولوا إلى محض حكايات يطويها النّسيان !!
كل الفلاسفة ماتوا بعلة السّؤال، وعجز الإجابة،
وكل العشّاق تناهوا في جدلية الغياب، والاغتراب،
وحدك تبقين كالفكرة الكلّية الثّابتة في فلسفة الوجود
أنتِ الجوهر الّذي لا يطاله العَرَض، والدّيمومة الّتي تهزأ بالفناء
لأنكِ البداية الّتي لا تشيخ، والنّهاية الّتي لا تزول
أنتِ النّعيم الحق، وما دونكِ محض سراب.