#هندسة النفس: أقنعة الرفقة وجحود القربى
*قصة قصيرة | بقلم: نور الدين بليغ*
* الفصل الأول: ظلال الرباط وعتبة التحول
في خريف 1983، كانت شوارع الرباط تعج بحركة لم يألفها من قبل. قادته خطاه إلى مركز تكوين الأساتذة، حاملاً في حقيبته أحلاماً غضة، وخلف ظهره حبل تواصل انقطع مع رفقاء الصبا. العاصمة صاخبة، والوجوه فيها أشتات يغشاها الذهول والترقب.
وسط ذلك الزحام الموحش، استرعى انتباهه شاب يبدو عليه انكسار يشبه حاله، فظنه أخاً تُشدّ به العضد في غربة البدايات. لم يبخل عليه بشيء؛ كان يقتسم معه رغيف الخبز، ويدفع عنه ثمن فنجان القهوة في مقهى الزاوية دون أن ينتظر إشارة، بدافع مروءة فطرية لا مَنّة فيها.
لكن المؤشرات الأولى نبتت كأشواك صغيرة في طريق الرفقة. طيلة أعوام كاملة، لم تمتد يد الصاحب جيباً، ولم يسبق له أن بادر بدفع سنتيم واحد، سواء في سفر خاطف أو جلسة عابرة... وذات مساء بارد، لاحظ البطل سحابة بؤس ترتسم على ثياب صاحبه, فاقتاده إلى السوق واشترى له كسوة كاملة ليداري عوزه العابر. شكر الصاحبُ الهدية بابتسامة باهتة هزيلة، لم تدُم طويلاً.
ولم يقف الأمر عند حدود الشح المادي؛ فذات سفر، أودعه البطل حقيبة ثيابه التي يدّخرها لأيام المدينة الأنيقة. وحين عاد بعد أسابيع، وجد الصاحب يرتدي أفضل ما فيها بلا إذن، وقد بليت أطرافها وتغيرت ألوانها.
أعاد الصاحبُ الحقيبة مستخفاً، ودون كلمة اعتذار واحدة. غض البطل طرفه، ممرراً الحادثة في خانة "زلة الجوار"، ولم يدرك حينها الحكمة التي صاغتها الأيام لاحقاً: *من هان عليه خرق الأمانة في الصغير، هان عليه إنكارها في الكبير*.
* الفصل الثاني: يد المروءة وسيكولوجية المدين
تخرّجا، وحمل كل منهما تعيينه في مدينة، وظل التواصل خيطاً رفيعاً تغذيه الذكريات. في إحدى العطل، التقيا في مقهى بالرباط. كان الصاحب واجماً، يقلب عينيه في الأرض، ينفث دخان سيجارته بعصبية.
"ما بك يا فلان؟" سأله البطل مستفسراً.
تنهد الآخر بمرارة: "الديون خنقتني.. كتب بالتقسيط، وفوائد تأخير تراكمت، واليوم هددني الدائنون بالمحكمة. بيتي وأسرتي على كف عفريت".
لم يستمهله البطل، ولم يطلب منه كتابة صك أو إقرار بالدين. قصد أقرب وكالة بنكية، وسحب المبلغ كاملاً مع فوائد التأخير، ووضعه في يده قائلاً: "نحن لبعضنا في الشدائد".
دارت الأيام دورتها الغريبة، وجُمعت الأقدار بينهما نسباً؛ إذ تزوج البطل من أخت زوجة صاحبه ليصيرا عديلين. وفي منعطف مالي حرج، احتاج البطل إلى نفس المبلغ الذي أقرضه إياه بالأمس.
لكن حين فاتحه بالأمر، تحولت ملامح العديل إلى الجفاف، ولبس قناع التهرب. غاب عن المجالس، وإذا التقى بالبطل صدفة، زاغ ببصره كأن في عينيه رمد. لقد تعزّ على النفس الضعيفة أن ترى من شهد انكسارها، وصار وجود البطل في نظره إدانة صامتة لعجزه القديم.
ولم يقف الأمر عند التهرب الماكر، بل تجاوزه إلى الإنكار الجريء. في اجتماع عائلي ضم الأصهار، وقف العديل ينفض يديه قائلاً ببرود: "إنه يكذب! لم يقرضني مليماً واحداً في حياتي!". وحين ضيّق عليه الحاضرون الخناق بالأسئلة، حوّر العطاء النبيل إلى صفقة تجارية مشوهة: "ما أنفقه علي أيام الدراسة كان ثمن ضيافتي له، بل هو مكافأة لي لأني كنت السبب في زواجه اليوم!". وتناسى في لحظة جحود أن القلوب والأرزاق بيد الله وحده.
---
* الفصل الثالث: حرب السمعة والاعتراف الصامت
تجنباً لخصومة تفسد حبل المصاهرة، صاغ البطل رسالة خطية عتابية، تذكره بالمعروف وتطلب رد المال أو بعضه تيسيراً للأمر. تسلمها العديل، وبذات البرود المستفز قال: "كل ما كتبته هنا لا أساس له من الصحة".
هنا، أدرك البطل أن الكلام مع هذه النفس لغو لا طائل منه. سلّم أمره للقاضي الأعلى، وقطع التواصل سنين طويلة. صار يراه في المناسبات العائلية الإلزامية كأنه طيف عابر، يتظاهر العديل فيها بالشموخ كأنه المنتصر، بينما كان البطل يبتسم في داخله، واثقاً أن جدار صدقه مع أصهاره أمتن من أن تهدمه وشاية.
ومع ذلك، كان الكمد يأكل قلب العديل. كلما جلس في مجمع وأثنى الحاضرون على شهامة البطل أو كرمه، لمز في الكلام وحاول تبخيس المعروف. كان شحيح العاطفة، إذا اضطر للتهنئة بنعمة نطقها ممتعضاً كأنما ينتزعها من لحمه، يرى نفسه مركز الكون وعلى الجميع الاعتراف به.
وامتد الجحود إلى الإنسانية في أضعف لحظاتها. مرض البطل مرضاً شديداً، وأجرى عمليتين جراحيتين... علم العديل بالأمر، لكنه لم يطرق بابه، ولم يكلف نفسه عناء اتصال يخفف به وطأة المرض. وبعد تعافي البطل بشهور، التقيا، فألقى اعتذاراً بارداً ممجوجاً، أدرك البطل فوراً أنه تمهيد لمصلحة قادمة أو غطاء لحسد مكتوم.
مضت أربعون سنة كاملة.. خط فيها الشيب مفرقهما، وحفرت السنون مجاريها على الوجوه. وفي يوم كان البطل يحزم حقائبه للرحيل إلى مدينة أخرى، فاجأه العديل بزيارة غير متوقعة. وقف أمامه، تلعثم قليلاً، ثم قال بصوت خفيض: "كم تحتاج لأعينك على أعباء السفر؟"
أصيب البطل بذهول صامت. كيف لمن أنكر حقي وحارب سمعتي عقوداً ينطق اليوم بعرض المساعدة؟
رد بهدوء وثقة: "ما تيسر".
مد العديل يده بمبلغ زهيد. كان قليلاً في عدده، لكنه كان في ميزان الحقيقة عظيماً؛ إذ بدا كأنه صك اعتراف صامت بذنب الأربعين سنة، ودمغة ندم كُتبت على عجل. وما أكد هذا اليقين إلا غضب زوجة العديل العارم التي رأت في تلك الالتفاتة هدمًا لرواية الإنكار التي ظلت تبنيها معه طوال عقود.
* الفصل الرابع: عزلة الجاحد وصفاء المعدن
جمعتهم الأيام مجدداً في مدينة واحدة بعد التقاعد. وترفعاً عن الأحقاد، عاد البطل يعامله بصفاء النية القديم، متشاركاً معه أخبار العائلة. لكن الطبع كان قد تغلغل في العظم؛ فكلما ائتمنه البطل على سر أو مشورة، أذاعه في مجالس الأصهار، طمعاً في النيل من مكانته، وتعويضاً لنقص مزمن يشعر به أمام تفوق البطل.
كان البطل شعلة نشاط؛ يكتب الشعر، ويصوغ القصص القصيرة، ويقضي أماسيه في كتابتها و نشرها في بعض الصحف و المنتديات و وسائل التواصل الاجتماعي. وفي كل مجلس يُشاد فيه بتميز البطل وثقافته، كان العديل يتدخل بملامح كاحلة ساخرة: "وماذا نفعل بالشعر والقصص؟ مجرد كلام لا يغني ولا يسمن من جوع!".
حتى حين واكب البطل العصر وأتقن التعامل مع الوسائط الرقمية الجديدة وبدأ ينشر نفعاً للناس، كان العديل يدعي معرفة أكبر، مدعياً التفوق في كل محفل. لكن شهادات الزملاء والأصهار كانت دائماً تنحاز للبطل، فيرتد كيد العديل في نحره كمدًا وخيبة.
عندها، قرر البطل أن يغير حلمه حزماً. لم يعد يبتسم للمزاته، بل صار يواجهه بصرامة وثقة أمام نفسه وأمام العائلة، واضعاً النقاط على الحروف بلا مواربة. فانكشفت عورة العديل النفسية أمام الجميع، وبان زيف ادعاءاته، وانفض من حوله الأقربون بعد أن ملّوا سوداويته وجحوده.
ومع تزايد نبذه، انسحب صامتاً يجر خيبته وعزلته، لتسدل القطيعة ستارها الأخير على هذه العلاقة كما بدأت: انطلقت في زمن الشباب بـ"حقيبة وثوب مستباح"، وانتهت في خريف العمر بـ"عزلة وجحود متوقع".
---
* الخاتمة
لم يندم البطل يوماً على مروءة بذلها، أو يد بيضاء مدها؛ فالعطاء مرآة صاحبه، والنبل لا يُندم عليه وإن جحده الجاحدون، فالأفعال تقع أولاً في عين الله.
لكن ندمه المالح والوحيد، كان على تلك اللحظات العابرة التي انكفأ فيها عن الأوفياء الشرفاء، أولئك الذين لم تَبْلهُم السنون، وبقي حبل مودتهم ممتداً، ناصعاً، وضاحاً إلى الأبد.
#نور_الدين_بليغ