تخصيص الوقت: رجح بعض العلماء أن النهي يشتمل على وقت اصفرار الشمس فقط، وما قبل ذلك (حين تكون بيضاء نقية) يجوز التنفل فيه، كما في حديث النهي: "لا تصلوا بعد العصر إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة"
وذهب جماعة من أهل العلم، وهو مروي عن جمع من السلف إلى مشروعية التنفل بعد العصر، ما دامت الشمس مرتفعة لم تمل إلى الغروب، ومما احتجوا به حديث علي رضي الله عنه.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى:
" وأما الوقتان المتسعان، وهما: بعد الفجر، وبعد العصر، فاختلف العلماء: فمنهم من قال: لا بأس بالصلاة فيهما، وهذا مروي عن جماعة من الصحابة:
منهم: ابن عمر، وقد خرج البخاري قوله في الباب الاتي، ومنهم: السيدة عائشة ... ومنهم: الصحابي الجليل بلال … وممن رخص في الصلاة بعد العصر والشمس مرتفعة: علي بن أبي طالب، والزبير، وتميم الداري، وأبو أيوب، وأبو موسى، وزيد بن خالد الجهني، وابن الزبير، والنعمان بن بشير، وأم سلمة – رضي الله عنهم.
ومن التابعين: الأسود، ومسروق، وشريح، وعمرو بن ميمون، وعبد الرحمن بن الأسود، وعبيدة، والأحنف بن قيس، وطاوس.
وحكاه ابن عبد البر، عن عطاء، وابن جريج، وعمرو بن دينار. … " انتهى. "فتح الباري" (5 / 47).
فأصحاب هذا القول يذهبون إلى أن حديث علي رضي الله عنه وما شابهه، يقيّد الأحاديث الواردة بإطلاق النهي عن الصلاة بعد العصر، فيكون المنهي عنه التنفل بعد العصر إذا مالت الشمس إلى الغروب.
وقد بوّب ابن خزيمة رحمه الله تعالى، على حديث علي رضي الله عنه، بقوله:
" بَابُ ذِكْرِ الْخَبَرِ الْمُفَسِّرِ لِبَعْضِ اللَّفْظَةِ الْمُجْمَلَةِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا، وَالدَّلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّمَا نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ غَيْرَ مُرْتَفِعَةٍ، فَدَانَتْ لِلْغُرُوبِ " انتهى. "صحيح ابن خزيمة" (2/ 184).
وكذا بوّب عليه أيضا ابن حبان رحمه الله تعالى، بقوله:
" ذِكْرُ خَبَرٍ ثَالِثٍ يُصَرِّحُ بِأَنَّ الزَّجْرَ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ، أُرِيدَ بِهِ بَعْضُ ذَلِكَ (الْبَعْدِ)؛ لَا الْكَلُّ" انتهى. "الإحسان" (4 / 429).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
" وحكى أبو الفتح اليعمريّ عن جماعة من السّلف أنّهم قالوا: إنّ النّهي عن الصّلاة بعد الصّبح وبعد العصر، إنّما هو إعلام بأنّهما لا يتطوّع بعدهما، ولم يقصد الوقت بالنّهي كما قصد به وقت الطّلوع ووقت الغروب، ويؤيّد ذلك ما رواه أبو داود، والنّسائيّ بإسناد حسن عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تصلّوا بعد الصّبح ولا بعد العصر، إلّا أن تكون الشّمس نقيّة )، وفي رواية: ( مرتفعة ).
فدلّ على أنّ المراد بالبعديّة ليس على عمومه، وإنّما المراد: وقت الطّلوع، ووقت الغروب، وما قاربهما واللّه أعلم " انتهى. "فتح الباري" (2/61).