منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - *إلى أين المصير* قصة قصيرة
عرض مشاركة واحدة
قديم 23-11-2025, 02:09 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
أحمد فؤاد صوفي
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو







أحمد فؤاد صوفي متصل الآن


افتراضي *إلى أين المصير* قصة قصيرة

مقدمة وتوضيح:
نقابل في حياتنا أصنافاً متعددة من هجران الأب أو الأم عندما يتقدمان في العمر، فالإبن المتزوج يصبح تحت سيطرة زوجته وحقوقها التي لا تنتهي، والإبنة المتزوجة تمتلك أكثر من حجة لتبتعد عن أهلها، وتعيش بما يناسبها مع زوجها، من وحي ذلك جاءت هذه القصة.
---------------------------------------------------------
قصة

*إلى أين المصير*
*الفصل الأول*
* أبُو آدَمَ والبَيْتُ الكَبِير*
تجاوزَ السَبعِين، يقبعُ في زاويةِ المسْجِد، يتنَاولُ مُصحَفاً أو كِتاباً، يقضِي يومَه بينَ المسْجدِ ودارِ العجزةِ القَريب، التي يذهَبُ إليهَا مَاشِياً مُرتَكِزاً على عُكَّازِه، وفي نَفْسِ الميعادِ كلُّ يوم، يعودُ أَصْحَابَهُ ويُخفِّفُ عنهم، وفي المسَاءِ وقبلَ أنْ يخلُدَ إلى النَّوم، كانَ يفكِّرُ بأولادِه وأحْفَادِهِ ويُسَائِلُ نَفْسَهُ، هلْ كانَ تَصَرُّفُهُ صَحِيحَاً ...! أم أنَّهُ كَانَ مُخْطِئاً، هَلْ أنَّ انْفِرادَهُ وابتِعَادَهُ لايَجُوز.
لقد عاشَ في البيتِ الكَبير، الذي بنَاهُ بِجُهْدِهِ وعَرَقِهِ منذُ مايزيدُ على خَمسينَ عَاماً، وأفردَ فيه لِكُلٍّ مِنْ أولادِهِ الأربعةِ جَنَاحَاً مُسْتَقِلَّاً، ثم أفردَ جَنَاحَاً خَاصَّاً يَطُلُّ على صَحْنِ الدَّارِ للضُيوفِ أو للأَهل، وملأَ الدَّارَ بالشُجَيْراتِ والوُرودِ والرَياحينْ.
وكانتْ أمُّ آدمَ، زَوْجَتُهُ ورَفِيقَةُ دَرْبِه، تُسَاعِدُهُ دَوْمَاً بِكُلِّ شُؤُونِه، بِهُدُوئِهَا وذَكَائِهَا الوَقَّاد، تُنْجِزُ لَهُ آمَالَهُ، وكَانَتْ بالنِسبَةِ لَهُ الإنْسَانَةُ الكامِلَة، ولازَمَهُ هَذَا الشُّعُورُ لأربعينَ سنة هوَ عُمْرُ زَوَاجِه وسَعَادَتِه.
اِشْتَكَتْ أُمُّ آدمَ مَرَضَاً وآلامَاً في رَأْسِهَا، حَصَلَ الأَمْرُ بِشَكْلٍ فُجَائِيّ، اِتَّجَهُوا بِدُونِ تَأْخِيرٍ إلى المسْتَشْفَى، وحُجِزَتْ هُنَاكَ مُبَاشَرَةً، وطلبُوا لها عَمَلَ تَحَالِيلٍ شَامِلَة، اِسْتَغْرَقَ الحُصُولُ على نَتَائِجِهَا أَكْثَرَ من خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً، ولم تَكُنْ العَائِلَةُ مُطْمَئِنَّةً أبَدَاً، فالأَلَمُ يَزْدَادُ يَوْمَاً بَعْدَ يَوْم، والأُمُّ لا تَسْتَطِيعُ العَوْدَةَ إلى الدَّار، شَلَلٌ تَامٌّ أَصَابَ العَائِلةَ بِكُلِّ أَفْرَادِهَا، وحَسَبَ مَا يَرَوْنَه أَمَامَهُمْ، فَلَمْ يَتَوَقَّعُوا إِلَّا الأَسْوَأ، اِسْتَغْرَقَ الأَمْرُ أَرْبَعَةَ أَشْهُر لا تَزِيْد، رَحَلَتِ الْأُمُّ الرَؤُومُ بِهُدُوء ، فَالمرَضُ لم يُمْهِلْهَا ، بِهُدُوءٍ عَاشَتْ وبِهُدُوءٍ رَحَلَتْ ، وبِرَحِيلِهَا تركَتْ فَرَاغَاً لا يُمْكِنُ تَعْوِيضَهُ أبَدَاً.
مَضَتِ الْأَيَّامُ ثقيلةً كئِيبة ، مَلِيئَةً بِالْذِكْرَيَات، بِكِلِّ رُكْنٍ وعلى كُلِّ جِدَار، في كُلِّ رَفٍّ وكُلِّ زَاوِيَةٍ من زَوايَا البَيْت ، وشَعَرَ أبُو آدَمَ أنَّه قَدْ كَبُرَ عَشْرَ سَنَواتٍ فَجْأَة، نَقُصَ وَزْنُه، وتَغَيَّرَتْ سُحْنَتُه، فقدْ كَانَتْ زَوجَتُهُ رفيقةً مُخلِصَةً وركْنَاً أسَاسِيَّاً في حَيَاتِه.
وخافَ عليه أولادُه، وأصرَّ آدَمُ، ابنهُ البِكْرُ أنْ يَتْرُكَ أَبُوهُ بيتَ الذِّكْرَيَاتِ ويَعِيشَ معه ومع عَائِلَتِه، حَتَّى يَكُونَ بِاسْتطَاعَتِهِ أنْ يَعْتَنِيَ به ويَرْعَى شُؤونَه، ومع أنَّ أبَا آدَمَ لمْ تَكُنْ لَدَيْهِ رغبةٌ أنْ يَتركَ بيتَه، فقدْ وجدَ حَقَّاً أنَّ اقتراحَ ابْنِهِ هُوَ اقْتِرَاحٌ مُنَاسِب، وخُصُوصَاً أنَّ لَدَى ابْنِهِ غُرْفَةٌ إِضَافِيةٌ مُنْعزِلَةٌ بإمكَانِهِ أن يَسْتَخْدِمَهَا، ومَعَ تَكْرَارِ الْإِلْحَاحِ أَعْلَنَ مُوافَقَتَهُ على عَرْضِ الابنِ الأَكْبَر ، فَتَرَكَ مَنْزِلَ العَائِلَة آخِذاً معه أَغْرَاضَهُ البَسِيطَة، وأَغْلَقَ البَابَ خَلْفَه، واسْتَقَرَّ في بَيْتِ ابْنِهِ، لَا يُضَايِقُ أَحَدَاً ولَا يُضَايِقُهُ أَحَد، يُقِيمُ صَلَاتَهُ ويُمَارِسُ قِراءَاتِه.
كانَ مَوْقِعُ بَيْتِ الْعَائِلَةِ الْكَبِير، عِنْدَ بِنَائِهِ مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَة، مُنْعَزِلاً بَعْضَ الشَّيْء، كَمَا كَانَتْ مَسَاحَةُ أَرْضِهِ تَتَجَاوَزُ الدُونُمَ الْكَامِل، ومع تَقَدُّمِ وامْتِدَادِ العُمْرَانِ فقد أَصْبَحَ البَيْتُ الآنَ في قَلْبِ المدِينَة الحَدِيثَة، في مِنْطَقَةٍ تِجَارِيَّةٍ كَثِيفَةِ الْبُنْيَان، تُحِيطُ بِهِ عِمَاراتٌ ومُجَمَّعَاتٌ وأَسْوَاقٌ تِجَارِيَّةٌ فَخْمَة ، وكَبيتٍ سَكَنِيّ، كانَ هذا البَيْت، هُوَ البَيْتُ الوَحِيدُ الصَامِدُ عَلَى مَرِّ الزَمَان، بِدُونِ تَغْييرٍ طِوَالَ مُدَّةٍ قَارَبَتْ السِتِّينَ عَامَاً، فَارْتَفَعَ سِعْرُهُ اِرْتِفَاعَاً خَيَالِياً، ووَصَلَ إلى رَقَمٍ يَجْعَلُ بالإِمْكَانِ تَحْويلَ أوْلَادِ أبي آدمَ إلى أرْبَعَةِ مِلْيُونِيرات، ومعْ أَنَّ الأولادَ يَعِيشُونَ في بَحْبُوحَةٍ منَ الْعَيش، وَلَا يَنْقَصُهُمْ شَيْء، فإنَّ حُلُمَ الثَّراءِ دَاعبَ مُخَيِّلَتِهِمْ مُبَاشَرَةً حِينَ عَرَفُوا القِيمَةَ الحَقيقيَّةَ للبَيْتِ الْكَبِير، وخَفَقَتْ قُلُوبُهُمْ بِشِدَّة كَمَنْ وجدَ كَنْزاً، ولمْ تَخْرُجْ أحَادِيثَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ عنِ الْإِمْكَانِيَّةِ الْكَبِيرةِ لِتَحْسينِ وَضْعِهِمْ الاجْتِماعِي، وانْتِقَالهمْ خِلَالَ غَمْضَةِ عَيْن من حَيَاتِهِمُ العَادِيَّة إِلى حَيَاةِ الْقُصُور، ولمْ يَتَطَرَّقُوا خِلَالَ أحَادِيثهِمُ المتَكَرِّرة إلى ذِكْرَيَاتِ وَالِدِهِمْ وأنَّ هَذَا الْبَيتَ مَازالَ بَيْتُه، مليئٌ بذِكْرَيَاتِه، والذي عَاشَ فيهِ عُمُرَه، كَانَتْ تَتَنَازَعُهُمْ فِكرَةَ أنَّ وَالِدَهُمْ قَدْ أَخَذَ حَظَّهُ من الدُّنْيَا، وهُمُ الآنَ غيرَ مُقَصِّرينَ في حَقِّهِ أَبَدَاً، وهُوَ كذلكَ لا يَنْقُصُهُ شَيء، فَالْتَنَازُلُ عنِ الْبَيْتْ وبيعِهِ هُوَ شَيْءٌ مِنْ حَقِّهِمْ، وكَانَتِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا تَدُورُ في غِيَابِ الوالد، وأظهرَ الجميعُ الطَّمَع، وبِأَنَّهُمْ يَتَكَلَّمُونَ عَنْ شَيْءٍ هو في الأصْلِ لهمْ، وبِبَسَاطَةٍ بَرَّروا لأنفُسِهِمْ ولِبَعْضِهِمُ البَعْض، كُلَّ مَا كَانُوا يُفَكِّرُونَ فيه.
*الفصل الثاني*
*حُلُمُ الثَّراءِ يَتَحَقَّق*
وبدأَ آدمُ الحديثَ معَ أبيهِ يَشْرَحُ لهُ الموضوعَ لأخذِ رأيِه، ولكِنَّهُ فوجىءَ بسرعةِ موافقةِ والدِهِ على المَشْرُوعِ كُلِّه:"لا مَانِعَ لَدَيّ، سَيَكُونُ بإِمْكَانِكُمُ الْعَيْشَ بِمُسْتَوى أَفْضَل، وبإِذْنِ اللهِ لَنْ يَنْقَصُكُمْ شَيءْ". ولم تمضِ سِوى أشْهرٌ قليلةٌ حتَّى كانَ البيعُ قد تَمّ، والثروةُ الكبيرةُ قدْ تمَّ توزيعُهَا على الأَوْلادِ الأرْبَعَة، وصَارُوا فِعْلاً مِنَ الأَثْرِيَاءْ.
تَغَلْغَلَ الشُّعُورُ بِالثَرَاءِ في قُلوبِ الأولادِ وعَائِلاتِهِمْ، وبدأتْ زَوجَةُ الابنِ الأكْبَرِ، تَكِيدُ لزَوْجِهَا، وتَزَيَّنَتْ لهُ وألَحَّتْ عَلَيْه، "لقدْ مَكَثَ وَالدُكَ عِنْدَنَا قُرَابَةَ الْسَنتَينِ معززاً مُكَرَّماً، وقد تقدَّمَ به العُمرُ وزادَتْ اِحْتِيَاجَاتُه، وقدْ قُمْنَا نَحْنُ بِنَصِيبِنَا، وجَاءَ الدَّوْرُ على إِخْوَتِكَ لِيَقُومُوا بِدَوْرِهِم"، ولَكِنَّ الابنَ الذِي تَعَوَّدَ أنْ يُطِيعَ زَوْجَتَهُ فِيمَا تَطْلُبُهُ، لمْ يَجِدْ في نَفْسِهِ الجُرْأةَ أنْ يَتَنَاوَلَ مِثْلَ هَذَا المـَوْضُوعَ مَعَ وَالِدِهِ، أوْ حتَّى مَعَ إِخْوَتِه، ولما يَئِسَتْ زَوْجَتُهُ، وعلمِتْ أنَّ زَوْجَهَا لنْ يقومَ بفتْحِ الموْضُوع، فقَرَّرَتْ في نَفْسَهَا شَيْئاً سَتفْعَلُه، واتَّخَذَتْ لِنَفْسِهَا سَبِيلاً آخَر، فَهِيَ سَتُظْهِرُ الوُدَّ لِوَالِدِ زَوْجِهَا عِنْدَمَا يَكُونُ زوجُهَا في البَيْت، وأمَّا حينَ يغيبُ زوجُهَا فإنها سَتُحِيلُ حياةَ العَجُوزِ إلى غَمٍّ وهَمّ، وبدأتْ في اليَوْمِ التَّالي برفعِ كلَّ أنواعِ الطَّعامِ الذِي كانَ يتنَاوَلُهُ العَجُوزُ كلَّ صبَاح، ومَكَثَتْ في غُرفَتِهَا حتَّى الظهِيرَة، وعندَمَا خرجتْ من غُرفتِهَا تَسَاءَلَتْ بِخُبْثٍ أمَامَ العَجُوز،
*لماذا لم تتناول فطورك!
*لا بأس يا بنيتي، اليوم لست جائعاً.
وشعرَ أبو آدمَ بالخُطَّةِ كُلِّهَا، ولمْ يرغَبْ أنْ يُبَيِّنَ لِوَلَدِهِ أنَّهُ مُتَضَايِقٌ أوْ مَهْمُوم، فَالمهِمُّ عندَهُ راحةَ أولادِهِ ولوْ عَلَى حِسابِ نَفْسِهِ، وكانَ يُعَاتِبُ ابْنَهُ بنَظَرَاتِه فَقَطْ، عَسَى أنْ يَتَنَبَّهَ لِمَا يَحْصَل فيَتَصَرَّف، ولكنَّ الابنَ تركَ الخطَّةَ تسِيرُ في نَهْجِهَا، وكانَ رَدُّ فِعْلِهِ في أحْسَنِ الأوْقَاتِ أنِ يغادرَ الصَّالَةَ إلى الدَّاخِل، فلا يَجِدُ العَجُوزُ بُدَّاً منْ أنْ يَنْسَحِبَ أيْضاً إلى غُرفتِهِ ليترُكَ الصَّالةَ للزَوْجَةِ المتَحَكِّمَة. وبعدَ مُرُورِ أُسْبُوعَيْنَ لَا أكثَر، وبَعْدَمَا عانى الوَالِدُ المسْكِينُ مِنْ زَوْجَةِ اِبْنِهِ، ومِنْ عَدَمِ اكتراثِ وعَدَمِ تَدَخُّلِ ابنـِه، فقدْ قَرَّرَ قَرَاراً فُجَائِياً أنْ يغادرَ إلى بيتِ ابْنِهِ الأَصْغَر، الذِي كانَ يُحِبُّهُ جِدّاً، والذِي اقْتَرَحَ علَيْه سَابِقاً أنْ يُقِيمَ عِنْدَهُ، وَصَلَ الأَبُ إلى بَيْتِ ابْنِهِ الأصْغَر، فاسْتَقْبَلَهُ الجَمِيعُ بالبَشَاشَةِ والتَرحِيب، ولكنَّ تلكَ الفَرحَةُ انْقَلَبَتْ إلى عُبُوسٍ ونُفُور، حَالَمَا أخْبرَهُمْ بِسَبَبِ حُضُورِه، وأَنَّهُ ليْسَ للزِيَارَة وإنما لِلْإقَامَة. ولمْ يَتَمَالَكُ العَجُوزُ نَفْسَهُ من البُكَاء، ولمْ يَتَحَمَّلْ الوضعَ أنْ يكونَ في بيتِ ابْنِه، ويكونُ غيرَ مَرْغُوبٍ فيه، ولمنْ في سِنِّهِ ومَا مَرَّ بِهِ منْ أحدَاث، فهَذَا الشُّعورُ هوَ شُعُورٌ قاتِلٌ لا يُمْكِنُ لهُ أنْ يَتَحَمَّلَهُ ، وكانَ أنْ مَرَّتْ عِدَّةُ شهورٌ منذُ انْتِقَالِهِ لبيتِ ابْنِهِ الأصْغَر، حتَّى قَرَّرَ العَجوزُ أنْ يَنْتَقِلَ لبيتِ ابْنَتِهِ التي كانَ يحِبُّهَا كَثِيراً، ويُدَلِّلُهَا كَثِيراً، منذُ أنْ كانَتْ طفلةً صغيرةً، ويَتَذَكَّرُ كمْ أكْرَمَ زَوْجَهَا حينَ تَزَوَجَّت، فكانَ مُطْمِئِناً في خِطْوَتِهِ التي قَرَّرَهَا، بلْ كانَ مُتَأكِدَّاً أنها الخُطْوَةَ الصَحِيحَة، التي كانَ عليهِ أنْ يَلْجَأَ إليْهَا مُنْذُ البِدَايَة، وفي بِدَايَةِ انْتِقَالِهِ كانَ الوضْعُ مُرِيحاً، ولكنْ بعدَ حِين، لا يزيدُ عنْ أشْهُرٍ قَلِيلَة، كشَّرَ الصِّهْرِ عَنْ أنْيَابِه، وصارَ يَتَحَيَّنُ الفُرَصَ لابْتِدَاعِ الخِلَافِ معَ زَوْجَتِه ومعَ الأولاد، أمامَ العَجُوز، وفي يَوْمٍ وبالصُّدْفَة، سَمِعَ العَجُوزُ حَدِيثاً هَاتِفِيَّاً بينَ ابْنَتِهِ وشَقِيقَتِهَا، تَشْكُو لها أنَّ زواجهَا سَيَنْهَارُ بسبَبِ وُجُودِ أبيهَا عِنْدَهَا في البيت، وفهمَ أيضاً أنَّ ابنَتَهُ الصغيرة مُتَخَوِّفَةٌ أيْضاً منْ أنْ ينتقلَ والدُهَا للإقَامَةِ عِنْدَهَا، وأنَّ زَوْجَهَا حَذَّرَهَا وقالَ لها إنَّ الأولادَ الذكورَ هُمْ الأَوْلَى بوالدِهِمْ واحتِيَاجَاتِهِ وليسَ بَنَاتُه، وهوَ لا يَقْبَلُ أنْ يقيمَ والدُهَا في البيتِ عِنْدَهُم، وذلكَ بالطَّبْعِ ليسَ مِنْ مَسْؤولِيَّتِه، وقدْ نَسِيَ هذَا الصِهْرُ أنَّ كُلَّ العِزِّ الذِي يَحْيَا بهِ الآنَ، هُوَ نتيجةً لموافقَةِ العَجُوزِ على بيعِ بيتِه، وتوزيعِ ثمنِهِ على أَوْلَادِه.
أُسْقِطَ في يَدِ العَجُوز، المفْجُوعُ في حَيَاتِه، ولم يدرِ ماذَا يفعلُ أو مَاذَا بإمْكَانِهِ أنْ يَفْعَل، وهوَ الضَّعيفُ الذي لا مَدْخُولُ لهُ ولا بيت، ولكنْ وبعدَ مُرورِ وَقْتٍ قَصِير، فقد اتخذَ قراراً جَريئاً وخَطيراً، وقرَّرَ أنْ يَسِيرَ قِدَماً في تَنْفِيذِه، بدونَ أنْ يُبَلِّغَ أحَداً من ْأولادِهِ أوْ منْ مَعَارفِه.
*الفَصْلُ الثَالِث*
*الهُروب*
في مِنطقَةٍ على حُدُودِ العَاصِمِة، يقبعُ مسجدٌ جميلٌ بسيطٌ، يُعتَبرُ مركزاً للحيِّ الجديدِ هُناك، وكانَ إمامُ المسجدِ صَديقاً قديماً للعَجُوز، وفي مثل سِنِّه، فقَصَدَهُ وطَلَبَ أنْ يَمْكُثَ في واحِدَةٍ منْ غُرَفِ المسْجِد، يهْتَمُّ بمَا يلزَمُ ويرعَى رُوَّادَهُ، وشَرَحَ لهُ بعيونٍ دامعةٍ مَا حَلَّ بهِ في السَنَواتِ الأخيرةِ بعدَ وفاةِ زوْجَتِه، ورحَّبَ بهِ صديقُه القَدِيمُ أيَّمَا تَرْحِيب "إنَّه بيتُ الله، والخيرُ منَ المحْسِنينَ عَمِيم، وبإِذْنِ الله لنْ تَحتاجَ هُنَا إلى شَيءٍ أبداً".
وفي بيتِ ابنتِهِ ، تحيَّنَ العجوزُ فرصةَ الصَّباحِ التالي، وغادرَ بهدوءٍ تاركاً وراءَهُ قُصاصَةَ وَرَقٍ مكتوبٌ عليْهَا:
"لا تَنْشغِلُوا عَلَيَّ .. سَأكونُ بخير .. والدُكُم".
تحسَّنَتْ حالُ العَجُوز، تعرَّفَ على رُوَّادِ المسْجِد وخَصُوصَاً مَنْ هُمْ منْ جيلِهِ وتحَسَّنَتْ نَفْسِيَّتُه، وصارتْ لهُ داخلَ المسجدِ لقاءاتٌ مُثمِرة، وعرفَ بعدَ ذَلكَ أنَّ هُنَالِكَ دارٌ للعَجَزَةِ، قريبةٌ مِنَ المسْجِد، فَصَارَ يُدَاومُ على زِيَارَتِهَا بِشَكْلٍ رُوتِيني في نَفْسِ السَّاعَة، حَتَّى صارَ وُجُودُهُ مَألوفاً بَينهُمْ وصَارَ الكُلُّ ينتظِرُه، يُتابعُ حوائِجَهُمْ ويقضِي مُتَطَلَّبَاتِهِم. وتدورُ الأيَّامُ وتمضِي سَريعَةً، ثلاثُ سَنَواتٍ كاملةٍ على هذِهِ الحَال، عملَ في النَّهَارِ بَيْنَ المسْجِدِ ودَارِ العَجَزَة، وذِكْرَيَاتٍ لا تَنْتَهِي في الليْل، أمَّا الأولادُ في قُصُورِهِمْ، فَكَانَ الوَضْعُ مُختلِفاً عِنْدَهُم ، وصحيحٌ أنَّ كلَّ واحدٍ منَ الأولادِ كانَ مُتأفِفَّاً أنْ يقيمَ والدُهُ عِنْدَه، ولكنَّهُمْ لمْ يعمَلُوا لما حَصَلَ حِسَاباً، فقدْ أصَابَتْهُمْ مُغَادَرَةُ والدِهِمْ بهَذَا الشَّكْلِ بِصَدْمَةٍ غَرِيبة، وتَفَلَّتَتْ السَّعَادَةُ منْ بينِ أيْدِيهِمْ، ومَا بَقِيَتْ قيمةٌ أمَامَهُمْ للجَاهِ والثروَةِ، وزادَ الجَفَاءُ بَيْنَهُم، وكلُّ واحدٍ يلومُ الآخرَ على مَا حَصَل، واخْتَلفَتْ كلُّ زوجةٌ معَ زوْجِهَا، وأنْشَبَتْ الخِلَافَاتُ والكراهيةُ أظَافِرَهَا، وشَيْئاً فَشَيْئاً تَحَوَّلَ تَفْكِيرُهُمْ كُلُّهُمْ إلى إِصْرارٍ شَديدٍ أنْ يجِدُوا أَبَاهَمْ ويَظْفروا به، عَسى أنْ يعودُوا إلى سَابِقِ عَهْدِهِمْ منَ الألفَةِ والمحبَّة، وأرادَ كلٌّ منهُمْ أنْ يكونَ السَبَّاقُ إلى إيجادِهِ وإحْضَارِهِ للإقامَةِ عِنْدَه، وبَدَأتْ الرِحْلَةُ المحمُومَة، رِحْلَةُ البَحْثِ عن العَجُوز، بَدَأوا بالأهْلِ والأقْرِبَاءِ في مَدِينَتِهِمْ ومَا جَاوَرَهَا، لمْ يتركُوا أحداً يَعْرِفونَهُ أوْ يَظُنُّوا أنَّ والدَهُمْ كانَ على عَلَاقَةٍ مَا مَعَهُ إلَّا سَأَلُوه، ولمْ يَتركُوا جَاراً أو قَرِيباً أوْ مُوَظَّفَاً قَديماً إلَّا زَارُوه، ولكنْ بدونِ أيةِ فائِدَة، فَالْعَجُوزُ قَدِ اخْتَفَى مِنْ كُلِّ أنْحَاءِ المدِينَة، ولمْ يجِدُوا لهُ أثر. في أحدِ أيَّامِ الجُمَع ، كانَ آدمُ الإبنُ البِكْرُ وقتَ الصَّلاة، يسْتَمِعُ إلى خُطْبَةِ الجُمُعَة ، وفَجْأةً تَذَكَّرَ الشَيْخَ رَمضانَ صَديقَ والِدِهِ مُنْذُ زَمَنٍ بعيد، وكانَ والِدُهُ يَصْحَبْهُ مَعَهُ إلى الصَّلَاة عندَمَا كانَ صَغيراً، ولكِنَّهُ لا يَعرِفُ عن الشَّيخِ رَمَضَانْ أيَّ شيْء، يَعْرِفُ فَقَط اِسْمَهُ الأوَّل، ولا يَدْرِي كيفَ بالإمكانِ أنْ يَجِدَه، فَأمْعَنَ في الَتفْكِير والتَخْطِيط، وسَهرَ الليَالي، ووصلَ أخيراً إلى حَلّ، وَجَدَهُ مَعقُولاً، وبإمْكَانِه أنْ يقومَ بِهِ دونَ تَأجِيل.
في الصَّبَاحِ التَّالِي، تَوَجَّهَ إلى الإدَارَةِ العَامَّةِ للمَسَاجِد، وشَرَحَ الموقفَ للمَسْؤُولِ هُنَاك، الذي تَفَهَّمَ الموْضُوع، وعَمِلَ البَحْثَ اللازمَ واستخرجَ منَ السجِلَّاتِ أسْمَاءً لعَدَدٍ منَ الشيوخِ كلِّهِمْ بإسْمِ رَمَضَان، وحتَّى يُقَلِّلُوا العَدَدَ فقدْ عَمَدُوا إلى البَحْثِ في العُمرِ المنَاسِب، وتَوَصَّلُوا بذلكَ إلى أرْبَعَةِ شُيُوخٍ في أرْبَعَةِ مَسَاجِد، في مَنَاطِق مختلفةٍ منَ المدِينَة، وخَرَجَ آدمُ سَعِيداً يحملُ في يَدِهِ قُصَاصَةَ وَرَقٍ، التي يَحْسَبُهَا كَنْزاً حَقيقِيَّاً، وشَعَرَ في داخِلِهِ أنَّه على الطَّرِيقِ الصَّحِيح.
وصارَ يُحَدِّثُ نفْسَه ، قدْ يكونُ أبي غَاضِباً عَلَيّ فَمَاذَا أفْعَل ! الأفضَلُ أن أصْطَحِبَ ابْنِي مَعِي، هُوَ أوَّلُ حَفِيدٍ لَه، وقدْ سَمَّيْتُهُ على اِسْمِه، وكانَ عُمرُهُ لا يُجَاوِزُ الرَّابِعَةَ حينَ غَادَرَ الوَالِد، والآنَ هُوَ في السَّابِعَة، لا شَكَّ أنَّ قَلْبَ أبي سَيَحِنُّ ويفرحُ لوْ كانَ ابنِي مَعِي.
*الفَصْلُ الرَّابِعُ والأخِير*
*نِهَايَةُ الأَحْزَان*
في صباحِ اليوْمِ التَّالِي، تَوَجَّهَ أدمُ إلى مدرسَةِ ولدِه، واستأذنَ النَّاظِرَ أنْ يَأخُذَ وَلَدَهُ لِعذرٍ عَائِلِيٍّ اضْطِرَارِيّ، ثمَّ بَدَأَ رحلتَهُ منَ المساجِدِ الأقربِ فالأبْعَد، ولمْ تُفْلِحْ مُحاولاتُهُ في أيٍّ منَ المسَاجِدِ الثَلاث، ولمْ يبقَ أمَامَهُ سِوَى المسْجِدُ الواقعُ في أَطْرافِ المدِينَة، ذهب آدمُ إلى البيتِ وجَهَّزَ نفسَهُ، ودَعَا ربَّهُ أن يوفقَهُ في مَسْعَاه، وَصَلَ معَ ابنِهِ إلى المسْجِدِ المتواري خلفَ حُدودِ المدِينَة، ولكنَّهُ لمْ يجدْ أحَداً بِدَاخِلِهِ، كانَ هُنَالِكَ بعضُ العَجَائِزِ يتداولُونَ القرآن، فانتَظَرَ مُرغَمَاً داخلَ سَيَّارَته، حتى لمحَ منْ بعيدٍ شَخْصَاً يمْشِي ببطءٍ ويقتربُ منَ المسْجِد، وقَدَّرَ مِنْ شَكْلِ مَلابِسِهِ أنَّهُ قدْ يَكُونُ المؤَذِّنُ، الذِي يَحْضُرُ مُبَكِّراً لرَفْعِ الأذان، فهَرْوَلَ إليهِ يَسْأَلُهُ عنْ وَالِدِهِ: "إنني آدم، إبن أبي آدم، وقد علمت أن والدي قد يكون عندكم، نحن نبحث عنه منذ ثلاث سنين، أرجوك أن تساعدني". وجم المؤذن واحتار كيف يتصرف، وهو يعلم أن العجوز منقطع عن أولاده، ولا يكلمهم، ولكنه يتسقط أخبارهم من بعيد بشكل مستمر، وابن العجوز شديد الشبه بأبيه وشديد اللهفة عليه، وأحس بأن لهفته هي لهفة حقيقية، صادرة عن القلب، فرحب به وبإبنه، ودعاهما إلى الدخول، وطمأنهما أن الوالد بخير، وأن موعد عودته من زيارة أصدقائه في دار العجزة القريبة صار وشيكاً ، ولم يتحمل آدم أن ينتظر أباه داخل المسجد، بل آثر أن ينتظره في الخارج، وماهي إلا دقائق حتى بدا من بعيد شبح يقترب، شبح يتوكأ على عصاه، وعرف آدم أباه من مشيته.
أما العجوز فقد لمح من بعيد سيارة فارهة متوقفة أمام المسجد، يقف بجانبها رجل وطفل، وقفز قلبه، وأحس بروحه أنهما جزء منه، فأسرع الخطى قدر ما تسمح به صحته، وتأكد سريعاً من ظنه، إنهما أحباؤه ولده الأكبر وحفيده، الذي كبر وأصبح في السابعة. لا ندري كيف كان اللقاء، الطفل يصرخ منادياً جده، والابن يبكي فرحاً وخجلاً، والعجوز بدوره يبكي، فقد طال الهجر وزاد الشوق، عواطف تترى أحاطت بهم، فلا تسمع إلا وجيب القلب المشتاق وفرحته الغامرة، ودلف الجميع إلى الداخل، الأدمع في العيون، والعجوز يضم حفيده ولا يتركه أبداً. *والدي، أريد أن أبشر أخوتي، ويمكنك أن تختار أي واحد منا لتكون عنده، لقد قصرنا في حقك، وباختفائك انقضت سعادتنا، أرجوك والدي أن تسامحنا وتعفو عنا، ليس لنا إلاك.
*يمكنكم ياولدي أن تحضروا ساعة تريدون، سأكون دوماً في انتظاركم.
*اليوم ياوالدي، اليوم، سنحضر جميعنا. وأسرع آدم إلى سيارته ، ينهب بها الأرض نهباً واتصل بشقيقه وشقيقاته وزوجته وأصهرته، فرح الجميع وتفاءلوا وتركوا ما في أيديهم، وقاموا يجهزون أنفسهم، خلية نحل تعمل في كل بيت، فالحدث عظيم وقد انتظروه سنوات ثلاث. وما أن قارب وقت العشاء ، حتى كانت أربع سيارات فارهة امتلأت بالكبار والصغار قد توقفت أمام باب المسجد فوجدوا العجوز بانتظارهم ففرحوا وتيقنوا أنه قد سامحهم على كل ما جرى .
ولم يغالب الوالد المسكين عواطفه، فكان الدمع يهمي من عينيه مدراراً، وكان الجميع يبكون بسعادة حقيقية انتظروها زمناً طويلاً، حقاً لقد كانت المشاعر فياضة لا يمكن كبحها.
وبعد مرور بعض الوقت، وبعد قيام العجوز بواجب الضيافة في غرفته الصغيرة داخل المسجد، وبعد أن أعاد تعارفه بأحفاده واحداً واحداً، وملأ عيونه بمرأى أولاده وبناته، قام آدم الابن الأكبر وجلس قرب والده
*والدي، أرجوك أن تعود وتقيم عندي في منزلي، غرفتك جاهزة، إنني الأكبر، وأنا أولى بك من أخوتي، وانبرى الابن الأصغر معترضاً
*والدي أرجوك أن تبقى عندي، بيتي كله تحت أمرك، أرجوك أن تعود معي الآن، وأسرعت الشقيقتان مع زوجيهما
*يا عماه، نحن قصرنا في حقك كثيراً، ونرجوك ألا تغضب علينا، أمنيتنا أن تكون عندنا، معززاً مكرّما، أرجوك يا عماه، لا يستغني الأولاد عنك، انهم يحبونك جداً، أرجوك عد معنا.
خرج العجوز من شروده ومفاجأته برؤية الأولاد والأحفاد، وبنظرة واثقة وعزيمة أكيدة، طالع الجمع الغفير،
*أيها الأحبة، إني أريد لكم كل الخير، وأنا راضٍ عنكم جميعاً، ولن أغضب من أحدكم أبداً، لقد منحتني الظروف التي مررت بها فرصة ومكافأة لي، لأكتشف طريقي، إنني هنا في هذا المسجد مسؤول عن أشياء كثيرة، وكذلك فأنا أزور أصدقائي في دار العجزة القريبة كل يوم، وأساعدهم وأتابع متطلباتهم، وأقرأ لهم القرآن، ولن أتخلى بأي شكل من الأشكال عن كل ذلك، وعما منحني الله إياه من نعمة، لأعود لغرفة في بيت أحدكم، هذا لا يمكن أن يحصل، بل سأبقى هنا، لا شك في ذلك، فهنا سعادتي.
وبقيَ العجوزُ في المسْجِد، يديرُ شؤونَه، ويرعَى أصدقاءَهُ في دارِ العجزَةِ، وعَلِمَ أنَّ هذَا الطريقَ هُوَ طَريقٌ مَرْسُومٌ لَهُ مِنَ الله، وَهُوَ لنْ يخونَ ثِقةَ رَبِّهِ أبَداً.






 
رد مع اقتباس