كنت أمه وليست ابنته
نعم صحيح أن البنات كلهن أمهات أبائهن وأخوانهن ..
لكن أبي الحبيب لربما كان أحوج من الجميع لأم ..
فهو نشأ يتيما أو بالأصح لغويا
عجيا ( فاقدا لأمه ) وعانى من ظلم زوجة الأب وتحريضاتها
حتى هرب من بيت أبيه وعاش مشردا ..
المشكلة أن أمي كانت أيضا بظروف مشابهة فلم تستطع أن تكون أما له ، بل كانت ابنته ومدللته ..
منذ أن كنت طفلة وأنا أسمع قصص والدي وما عاناه ، كانت تحكيه لنا جدتي ( أم أمي )
فكنت منذ صغري أحاول أن أكون الخادمة تحت رجليه ..
كنت همسه ونفسه ، كنت رغم عمري الصغير أتفانى أن أجعله سعيدا ومرتاحا ، فكنت أمه حقا
وكنت ابنته المفضلة
نأكل معا ، نشرب معا
حتى أني مع مسايرتي له
كانت عاداتي الغذائية رجالية بحتة ..
كنت أرغم نفسي أن أحب ما يحب كي أشاركه دون تذمر
حتى عادته في الاستيقاظ وقت السحر كنت أستيقظ معه في بادئ الأمر ، ثم اعتاد فكان يوقظني .. هكذا كان أبي وكنت أمه ..
أبي كان طفلا بريء الظن ، لا يحسن فن التأويل والتخمين وحمل الكلام على غير وجه ، وكأننا جميعا ورثنا ذلك مع الجينات ..
قلبه الموجوع والمكسور من اليتم والتشرد جعله مرهفا بريئا
وهكذا كل أشقائي مع أنهم ما نشأوا نشأته ، لكنهم ورثوه طبعا وطباعا مع الجينات ربما ..
هذه مقدمة كي لا تظلموا أبي الحبيب في هذه القصة ..
في أيامه الأخيرة ، رقد شهرين في المشفى .. في قسم كلهم رجال حتى الممرضين ليلا ، حيث لن تبقى هناك ولا ممرضة ، كلهم ممرضين ، لذا كان لزاما أن يكون المرافق رجلا ..
لكن والدي رغم كل محاولات أشقائي كان يرفض ويتمسك أن أكون معه وأنه لا يريد سواي ..
يقولون له : ممنوع يا أبي
القسم رجال
يرد : وراحيل رجلة ..😅
المهم كنت وبطريقة ما
التمست استثناء من إدارة المشفى ، و أكرمني الله ووفقني أن أكون معه مرافقة في أيامه الأخيرة ..
كان في الغرفة مع الوالد عدد من المرضى لكل قصة
من جحود أبناء ، وعدم وجود مرافقين ، أو تكليف أبنائه لعامل من العمال أن يرافقوا والدهم ، وأيضا كان هناك صور من البر ( لكنها قليلة بالمقارنة )
سأختصر الكلام على العم عبد الحميد ..
جاء رث الثياب لحيته وحاجبه وشاربه طويل غطى وجهه
لا يتكلم ، لا يتحرك ، فقط ساهم العينين شاخصمها ، تبحث عيناه في فراغ السقف عن مهرب ، حتى رقبته لم تكن تحمل رأسه ، كان منظره مؤلما ..
أتى به عامل باكستاني ..
كان لا يستطيع أن يأكل فيده ترتعش ، ضعيفة واهنة
فكنت أشفق عليه ، أذهب وأطعمه ، لم يزره أحد
لكن بعد أسبوع جاءت أخته غير الشقيقة ( وهي دكتورة جامعية متقاعدة )
قالت كنت في انجلترا
حيث حياتنا بين هنا وهناك
وهذا أخي دكتور جامعي ( تقصد العم عبد الحميد ) يحمل شهادة الدكتوراه من أرقى جامعة بريطانية ( تخيلوا ؟! ما أضعف الإنسان )
وأنها ما أن سمعت بالخبر جهزت أقرب رحلة ..
ثم جاءت له بحلاقين وحلقوا وجهه ونظفوه
وبعدما جلست معه في زيارات متباعدة ، سبحان الله بدأ يتحسن شيئا فشيئا . لكنها كانت تجلس لساعة أو ساعتين في كل زيارة وتمضي ، فهي لها التزامات ( زوج وأبناء) ثم جاءت له بعامل مرافق حيث أخبرتني أنه لم يتزوج بل كان يحب حياة السفر والحرية ..
لكن العامل لم يطق مرافقة مريض في مشفى ، فلم يكمل ، جاءوا بآخر ولم يكمل ..
فكانت توصيني كثيرا عليه ..
وكنت أهتم به تعاطفا حتى قبل مجيء أخته ..
إلى هنا والأمور عادية ..
تخيلوا 😅😅😅
الوالد ( والدي ذو القلب البريء النقي كطفل ) صار يغار علي
يقول لا ، لا تذهبي وتطعميه هههه وجه آخر لأبي لم أره أبدا
ولم أستطع تفسيره ، لكن له وجهة نظر ، فقد بدأ العم عبد الحميد يتكلم واستعاد شيئا من عافيته ، ولغيرة والدي سبب وجيه ..
لكني علمت بعد ذلك من أختي ام محمد أنه يحثها أن تذهب وتطعمه 😅😅😅
فهناك فترات كنت أذهب للراحة وتنوب عني ام محمد نهارا ، أو أحد أشقائي ليلا ..
فقلت لأشقائي هل تعلمون
أن أبي يمنعني من أن أقترب حتى من مربع العم عبد الحميد بينما سمعت من أم محمد أنه يحثها عليه ، ما تفسيركم ؟
فضحكوا جميعا ..
أضفت والله أني أستغل غفوات والدنا وأذهب على عجل واتصرف بتوتر باد عليَّ وأقرب إليه الطعام ، وكم مرة رأيت في عينيه استفسارا وكأنه فهم ( العم عبد الحميد ) توتري تبرما منه وضجرا ..
مرة طلب مني العم عبد الحميد شايا بصوت واهن ، فأعددت لأبي أولا ، ثم أعددت للعم عبد الحميد
وقلت لوالدي هل تريد شايا ؟
وإذ به يقول : لا لا
اذهبي به لعمك عبد الحميد
قلت : انظر هنا كوبك ، أعددت لك أولا كوبك ، ثم اعددت له كوبا ..
لكني ضحكت يومها كثيرا في نفسي ..
نبقى جميعا كلنا نساء ورجالا
أطفالا مهما بلغنا من علم وتقوى ..
تحكمنا غرائزنا البدائية الفطرية
الغيرة هذه توجِّهُ تصرفات طفل بريء ما فقه من الحياة شيئا ، فكيف بنا نحن الكبار الذين قد نالت الحياة من براءتنا الكثير ،،
كيف ننكرها .. !!
من هذا الموقف خلصت بنتائج كثيرة ..
رحم الله والدي رحمة واسعة
أقسم أنه كان ببراءة طفل
لكنها النفس البشرية
وليرحم الله العم عبد الحميد برحمة واسعة