نداء من جهة الغياب
نثرية لأخي الأستاذ المكرم / محمد آل هاشم
كتبت :
وهذا الظل الذي لا ينتمي إلى الغياب بوصفه فقدا
ولا إلى الحضور بوصفه إقرار وصل ..
يظل يمشي في المسافة الموازية بين الاثنين ككيان منفصل بنظام
يبدأ من أنا الكاتبة ويستمر ما استمرت الكتابة المتصفة من حيث الأصل بالديمومة ..
نعم نركض.
فهذه الذات الكاتبة تمتاز بالترحال
عن نفسها
عن واقعها
حتى عن ألمها
برغم ذلك يبقى إرثه من الآلام تسير فوق أضلعه
التي تفتأ تهتز ما أن تسري فيها رعدة فتخرج أثقالها ومكنون ذاتها ..
الذات الكاتبة طوافة في الفضاء الفسيح ، في سهوب الليل كالحادي إذ ينفث في الناي
تفيض من الأثقاب مواجعه
لا يسقط في قلب الشعر
إلا وعي مثقل
لا تحصد مناجل البيان
إلا روحا أينعتها شمس التجارب الوهاجة
صيفا بعد صيف
وجدا بعد وجد
( قصيدة لم تكتب بعد ، وعد مؤجل في ذاكرة الغياب ، زمن لم يأت بعد ، طفولة لم تكتمل )
مفردات تلازم الكاتب وتكاد تتسلل من وعيه أو لاوعيه في أغلب نصوصه ..
لأن بعضنا يكتب ليمحو
والآخر يكتب ليكتمل
والكاتب هنا دائما يسعى للكمال فهو كأنه يلوذ إلى وطن يراه تارة في وجه حرف حانٍ يحتويه
أو في وجه محبوبة من نسج هذه الحروف الوارفات بحنوها ودفئها كي ينتشله من ظل غياب مديد جعله يلملم من طرقاته وجوها وملامح ،
أيضا ليكمل المعاني الحائرات في نفسه ، وليكتمل بها رقعة الحرف
( جسد المكتوب )
وهو إذ يحفر فيها بروحه المحترقة ينتقل من الذات الكاتبة إلى جسد المكتوب
بفعل مرهف الذاتية
الذات الكاتبة هنا يشكل الحضور
، والمكتوب غياب الذات في لحظة اندماجها بالحرف لبلوغ المعنى وهذا الظل هو الفرجة الخلالية ( البصيرة ) التي يَرى الكاتب منها مالا يُرَى وينقلنا معه إلى وطن ابتغاه وملامح جمعها من كل الوجوه التي عبرته حتى توارت ظلالهم في غياب قد لا يشبه الفقد بقدر ما هو نداء كلما دلف هذه الفرجة بين ذاته المحترقة و جسد المكتوب ..