ابتلعت السحب الشمس كما تبتلع يد قاسية شمعة وحيدة. كان المساء ينهار بسرعة غريبة، تاركًا وراءه بردًا ورطوبة ووحشة لا تفسير لها. في نادي مركز الشرطة، جلس الضابط وحيدًا، يرفع كوب قهوة إلى شفتيه ثم يضعه من دون أن يشرب. شاشة الهاتف في يده تلمع بلا معنى، والأخبار تنساب أمام عينيه مثل غبار يتطاير مع الريح.
عند الباب، اندفع شاب. عيناه واسعتان كعيني حيوان جريح، ووجهه شاحب حتى بدا وكأنه خرج لتوّه من بئر معتمة. ركض نحو الاستقبال وهو يلهث: قال إن جماعة من الشباب حاولوا سرقته.
رفع الضابط رأسه ببطء، نهض، وخطا نحوه. اقترب بما يشبه الحذر، ثم سأل بصوت خفيض، كأن السؤال موجه إلى قلب الرجل لا إلى أذنه:
ـ "قل لي… ماذا فقدت؟"
تردد الشاب لحظة، ارتجفت شفتاه، ثم همس:
ـ "لا شيء… لم أفقد شيئًا. لم يكن عندي شيء أصلًا."
هنا، مرّت في صدر الضابط رعشة غريبة، كما لو أن شيئًا خفيًا انكسر داخله. لم يعد يرى أمامه متشكيًا، بل جسدًا هشًا يطلب دفئًا في ليل لا يرحم. كان صوته وهو يسأل أشبه بالاعتراف:
ـ "هل تناولت عشاءك؟"
هز الشاب رأسه نافيًا.
خرج الاثنان إلى الشارع. كانت الريح باردة، والمصابيح المعلقة على الرصيف تذوب في ضباب كثيف. جلسا إلى طاولة خشبية في مطعم بسيط. أُحضر للشاب طبق عشاء وكوب شاي. راح يأكل ببطء، ببطءٍ يثير الألم، وكأن كل لقمة تُنتزع من قلبه لا من الطبق. الضابط ظل يراقبه في صمت، يداه على الطاولة، عيناه غائرتان في شيء لا يُسمّى.
بعد لحظة قال له:
ـ "والآن… هل تريد أن تقدّم شكوى؟"
توقف الشاب عن المضغ، خفض رأسه، وتمتم بصوت خافت، بالكاد مسموع:
ـ "لا."
عرف الضابط بعد ذلك أنه جاء من بعيد، يبحث عن عمل، وأن الليل ابتلعه قبل أن يجد مأوى. استوقف له سيارة أجرة، دفع ثمنها، ثم فتح له الباب بحركة بطيئة، شبه أبوية. جلس الشاب في الخلف، وعيناه معلقتان لآخر لحظة بوجه الضابط، كأنه كان يخشى أن يغيب الضوء مرة أخرى.
مضت السيارة في الطريق المظلم، وأضواؤها الحمراء تتلاشى شيئًا فشيئًا، حتى ابتلعتها العتمة. بقي الضابط واقفًا، يحدّق في الفراغ، وفي داخله إحساس ثقيل: لم يكن متأكدًا إن كان ذلك الغريب أخاه الضائع… أم هو نفسه في زمن آخر.
رفع بصره إلى السماء، كانت السحب ما تزال متراصة، سوداء، كأنها تشي بأن الليل لا ينتهي.