الموضوع: فن التكرار..
عرض مشاركة واحدة
غير مقروء 21-09-2025, 03:54 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
عبد الرحيم الجزائري
أقلامي
 
إحصائية العضو







عبد الرحيم الجزائري غير متصل


افتراضي رد: فن التكرار..

في صباح آخر، بدا المشهد كما هو: الأسد على صخرته، والبقية مصطفّون في صفوف مطيعة، يرددون واجباتهم اليومية كأنها أذكار عبودية قديمة. غير أن مكان الجديان صار فارغًا، كفراغ سرّ لا يُسأل عنه. لم يتجرأ أحد على ذكرهم، وكأنهم لم يكونوا يومًا.

الذئب، وقد اعتاد مذاق اللحم الطري، صار أكثر هدوءًا، وأكثر دهاءً. ابتسم للأسد باحترام زائف، ثم قال بصوت متهدج يشبه صوت من يُلقي تقريرًا رسميًا:
"مولاي، الحمار لم يعد يطيع. يتأفف من الحمل، ويتذمّر من الماء. وربما يفكر في العصيان."

تجهم الأسد قليلًا، وهزّ رأسه بحكمة مصطنعة:
"لا مكان لمن يعصي. أبعده عن القطيع."

انطلق الذئب، وعاد مساءً يمسح فمه كمن عاد من مهمة عسكرية ناجحة. قال للأسد بنبرة باردة:
"الحمار… صار بعيدًا. لن يقلقك بعد اليوم."

في اليوم التالي، وقف الذئب بين الصفوف، وألقى بشكوى جديدة:
"الخنزير، يا مولاي، صار يعبث في الحقول، لا يحرث كما ينبغي. وكأنه يفسد أكثر مما يصلح."

كرّر الأسد الجملة نفسها، بصوت متعب:
"الأوامر لا تُناقش. أبعده."

ومرة أخرى، غاب الخنزير كما غاب الحمار.

هكذا مضى الأمر: الأرنب "يختبئ"، الكلب "يشك في ولائه"، البقر والماعز "لم يعودا منتجين كما في السابق". والذئب في كل مرة يعود من مهمته بابتسامة شاحبة، يردد عبارته المعتادة:
"لقد أبعدتهم… بعيدًا."

مع مرور الأيام، خلت الساحة من الأصوات، ولم يبقَ إلا الذئب والأسد. جلس الأسد على صخرته، يحدّق في الفراغ، كأن شيئًا يثقل صدره.

اقترب الذئب بخطوات بطيئة، ثم جلس أمامه وقال بهدوء مريب:
"مولاي، لم يبقَ أحد… غيرك."

لم يردّ الأسد، لكنه شعر لأول مرة برعشة غامضة. كأن كلمة "بعيدًا" التي طالما صدّقها، صارت الآن تقترب منه.







 
رد مع اقتباس