الموضوع: بائسون .......
عرض مشاركة واحدة
غير مقروء 27-08-2025, 01:59 PM   رقم المشاركة : 13
معلومات العضو
عباس العكري
أقلامي
 
إحصائية العضو







عباس العكري غير متصل


افتراضي رد: بائسون .......

[justify] بائسون: ومضة الوجود بين الصمت واللمعان

يبدو أن القصة القصيرة جدًا، بما تحمله من تكثيف لغوي وحمولة رمزية، تسعى إلى فتح النصوص على قراءات لا نهائية، إذ لا تنحصر وظيفتها في الحكاية، بل تتجاوزها لتصبح ومضة وجودية تستفز القارئ إلى التفكير في ما وراء اللغة. وومضة "بائسون" للقاص الفلسطيني عبدالكريم قاسم واحدة من تلك النصوص التي تتخذ من الصمت والموت مفاتيحها الرمزية، لتصوغ صورة شعرية مأساوية تختصر حال الإنسان في زمن فقد اليقين.

نجد أنفسنا أمام نصٍّ مشبع بطاقة رمزية، يُثير أسئلة أكثر مما يمنح إجابات. هل الصمت هنا حماية أم خنق؟ هل اللسان أداة حياة أم سيف موت؟ وهل يمكن للمعنى أن يُختصر في ومضة لا تتجاوز بضع كلمات، لكنها تحمل في داخلها زلزلة كاملة للذات والواقع؟

"بائسون" ما يسميه جيرار جينيت بـ"عتبة النص" التي تحدد أفق التلقي. الكلمة الواحدة تكفي كي تُدخلنا مباشرة إلى عالمٍ مظلم، حيث لا أمل يُرتجى، بل جماعة كاملة موسومة باليأس، فيتحول القارئ إلى شريك في بناء دلالة جماعية لا فردية. هذا الاقتصاد في التسمية يعكس إرادة واعية من الكاتب لتكثيف التجربة الإنسانية، وحصرها في كلمة واحدة تؤدي وظيفة الإشارة، لا الوصف.

في السرد، لا نجد حبكة تقليدية أو أحداثًا متعاقبة، بل صورة فجائية تُقارب ما وصفته ناتالي ساروت بـ"الحركات الداخلية"، حيث يصبح السرد مجرد اهتزاز لغوي، وليس بالضرورة فعلاً أو حدثًا خارجيًا (جرجورة، 1995). النص إذن يضعنا أمام مشهد بلاغي أكثر منه حكاية، فيجعل اللغة مسرحًا داخليًا يتصارع فيه الصمت والكلام، الحياة والموت.

أما الشخصيات فهي غائبة كأفراد، وحاضرة كجماعة. "بائسون" ليس اسمًا لشخص، بل توصيف جمعي يذكّرنا بأبطال غسان كنفاني في رجال في الشمس، حيث الثلاثة كانوا صورة لشعب بكامله (إدارة نبض العرب، 2025). هذا الإلغاء المتعمد للفردية يحوّل النص إلى خطاب جماعي، صرخة لذوات مقموعة لا تستطيع أن تتكلم إلا لتلمع في فمها شظايا موت.

الأحداث، في ظاهرها، شبه معدومة. لكن في جوهرها، هناك لحظة انكشاف: حين يُزال الغمد، يسطع الموت. الحدث هنا إذن ليس "واقعة" بل "تحول دلالي"، كما وصف تزفيتان تودوروف بنية "الفانتاستيك"، حيث التحول يكمن في الانتقال من المألوف إلى الصادم.

غياب الزمان والمكان بدوره يضفي على النص بعدًا كونيًا، ليصبح قابلاً للإسقاط على أي سياق. وهو ما يشبه ما أشار إليه إيتالو كالفينو حين اعتبر أن الخفة في الأدب هي موقف جمالي يتيح للنصوص الانفلات من قيود الثقل والارتباط بزمن محدد، لتصبح صالحة لكل العصور (كالفينو، 1999).

اللغة في النص تقوم على الانزياح والاستعارة: "حضن اللسان"، "الصمت غمد"، "الموت يلمع". هذه صور غير مألوفة، لكنها تحقق ما وصفه جان كوهن بـ"الشعرية" القائمة على كسر النمط المألوف. فالصمت لا يُرتدى عادة، ولا اللسان له حضن، ولا الموت يلمع، لكن النص يحوّل هذه المفارقات إلى إشارات مكثفة للانكسار الوجودي.

الحبكة التقليدية غائبة، لكن القفلة تقوم مقامها: الموت يسطع فجأة كخاتمة صادمة، أشبه بما نظّر له إدغار ألن بو حين قال إن القصة القصيرة تنبني على "أثر الانفعال" لا على المنطق السببي. النص يحقق هذا بجدارة، إذ يترك القارئ أمام صدمة لغوية ودلالية في آن.

الرموز التي يزرعها النص واضحة: الغمد رمز الكبت، اللسان رمز النطق، الموت رمز النهاية المأساوية التي تترتب على محاولة الكلام. إنها استعارة سياسية عن واقع قمعي، لكنها أيضًا استعارة وجودية عن خوف الإنسان من الكلام، من الإفصاح، من الانكشاف.

أما التلقي، فهو ما يمنح النص حياته الثانية. وفق وولفغانغ إيزر، القارئ هو من يملأ الفراغات ويستكمل ما لم يقله النص (عمراني، د.ت؛ وديجي، د.ت). "بائسون" لا يكتمل إلا حين يتأمله القارئ بوصفه مرآة لذاته أو لمجتمعه، فيصبح نصًا مفتوحًا على تأويلات لا نهائية.

من الناحية المجازية، يقوم النص على ثلاث استعارات محورية: الصمت ثوب يُرتدى، واللسان له حضن يحتضن الموت، والموت يلمع كأنّه سيف. هذه الصور الثلاثة تُقيم علاقة متوترة بين عالم الجسد وعالم المعنى؛ فالصمت يتحوّل إلى غمد يحمي صاحبه، في حين يصبح الكلام كشفًا عن الموت الكامن. إن الصمت هنا ليس حيادًا، بل سلاحًا دفاعيًا، واللغة ليست أداة للتواصل، بل فضاءً للخطر.


من جهة الحقول المعجمية، يتجاور في النص حقلان أساسيان: حقل الموت (موت، غمد، حضن) وحقل اللغة (لسان، صمت). هذا التداخل يشي بجدلية قديمة في الفكر الإنساني، حيث يُنظر إلى الكلام بوصفه سلطة، وقد يتحوّل إلى سبب للهلاك. إن "اللسان" الذي يفترض أن يكون وسيلة حياة وتواصل، ينقلب هنا إلى "حضن للموت". بهذا تنبني المفارقة المركزية للنص: الحياة مرهونة بالصمت، والكلام استدعاء للفناء.

من منظور وجودي، النص يضع الكائن الإنساني في مواجهة قدره العاري: الصمت والكلام كلاهما يفضي إلى العدم. فـارتداء الصمت كغمد يشي بأن الإنسان يعيش في قوقعة وجودية، يلوذ بالصمت خوفاً من الفناء. لكنه حين يقرر أن يخلع هذا الرداء ويتكلم، لا يجد سوى الموت الذي "يلمع" في حضن لسانه. هنا يتجلى الاغتراب الأعمق: حتى اللغة، التي يفترض أن تكون وسيلة للتحرر، تتحول إلى فخ يقود إلى الفناء. إننا أمام عبثية كامو وسارتر حيث الحرية مقرونة بالهلاك، وحيث الكائن "البائس" يكتشف أن وجوده نفسه محاصر بين خياريْن: أن يسكت فيظل بلا معنى، أو أن يتكلم فيموت.

غير أن هذه العبثية الوجودية تكتسب بعداً سياسياً حين نستحضر السياق الجمعي الذي يصدر عنه القاص الفلسطيني. فالبائس هنا ليس فرداً مجرداً، بل هو جماعة تُكره على الصمت. الغمد الذي يرتدونه هو الاستعارة عن القمع، عن الرقابة، عن ذلك الصمت المفروض بالقوة. فإذا ما نُزع هذا الغمد وانطلق اللسان بالحقيقة، انكشف "الموت" كحقيقة سياسية واقعية: السجن، الاغتيال، الإعدام المعنوي أو الجسدي. النص بذلك يختزل معادلة الشعوب المقهورة: صمتٌ يساوي البقاء المذل، وكلامٌ يساوي الموت الباهر.

ولعل لامعة الموت في النص هي أهم تفصيلة: الموت ليس مظلماً بل يلمع، أي أنه يملك جاذبية خاصة، وربما بطولة ضمنية. وكأن الكاتب يقول: الكلام، رغم أنه يقود إلى الفناء، إلا أنه يضيء لحظة الحقيقة. إنها تلك المفارقة التي عرفها كثير من المثقفين العرب: أن الموت بالكلمة أكثر إشراقاً من حياة مديدة في صمت.

تتضح براعة النص في تحوله من لحظة وصفية إلى بنية جدلية كاملة. فالصمت لا يُقدَّم باعتباره مجرد امتناع، بل باعتباره سلاحاً ("غمد") يُرتدى ليحمي صاحبه. لكن المفارقة أن هذا الغمد يخفي سيفاً آخر، هو الحقيقة القاتلة. فإذا خرجت الحقيقة من غمد الصمت، فإنها تنقلب إلى برق من الموت. هنا يصبح النص صدى لجدلية الصمت/القول، حيث كل خيار ينطوي على ثمن وجودي وسياسي في آن واحد.

تكشف ومضة عبدالكريم قاسم "بائسون" عن قدرة القصة القصيرة جداً على تكثيف أسئلة كبرى في نص بالغ الإيجاز. فهي من جهة نص وجودي يعكس عبثية البحث عن المعنى في عالمٍ مسدود، ومن جهة أخرى نص سياسي يفضح معادلة القمع حيث الصمت يساوي حياة بلا كرامة، والكلام يساوي موتاً لامعاً. إن النص بهذا المعنى شهادة مزدوجة: شهادة على بؤس الفرد في وجوده الخاص، وعلى بؤس الجماعة في سياقها السياسي. وفي الحالتين، يظل البائس عالقاً بين غمد الصمت وبريق الموت، في مشهد يلخص مأساة الإنسان في زمننا الراهن.

يمكن القول إن "بائسون" نص يشتغل على تخليق ميتافيزيقا الصمت، حيث يغدو الصمت درعًا، والكلام خيانة، واللسان فخًا يحتضن الموت. إنه نص قصير لكنه يعيد إنتاج مأزق الإنسان المعاصر: الخوف من البوح في عالم يربط بين الكلام والموت. وبذلك يصبح النص شهادة شعرية على مأساة اللغة نفسها، لا مجرد قصة قصيرة جدًا.


في نهاية المطاف، يبدو النص كأنه حقل قراءات متداخلة: وجودية ترى في الموت واللسان عبثية الوجود، سياسية تلمح إلى قمع الجماعة، سيميائية تفكك رموز الغمد واللسان، سياقية تسقط النص على واقع القهر المعاصر، نحوية تبيّن أن الجملة مشحونة بالفعل المضارع المستمر (يرتدي، يلمع)، وإحصائية تكشف أن الأسماء تهيمن بنسبة أعلى من الأفعال، بما يعكس ثقل الحالة الوجودية على دينامية الحركة.

هكذا تتحول ومضة قاسم إلى أكثر من نص: إنها مختبر نقدي، صورة بلاغية متوترة، وحكاية مكتومة تُقرأ من زوايا متعددة، لكنها في كل مرة تعود لتطرح السؤال ذاته: ماذا لو نزعنا الصمت؟ هل ينكشف الكلام حقًا، أم ينفجر الموت في قلب اللغة؟

قائمة المراجع
جرجورة، ن. (1995، 20 أكتوبر). حوار: ناتالي ساروت ابنة الخامسة والتسعين في حديث عن كتابها الجديد. جريدة السفير
إدارة نبض العرب. (2025، 7 أبريل). تحليل رواية رجال في الشمس لغسان كنفاني. نبض العرب
كالفينو، إ. (1999). ست وصايا للألفية القادمة: محاضرات في الإبداع (م. الأسعد، مترجم). المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.
(الأصل نُشر عام 1985). https://takweenkw.com/blog/2631/single
عمراني، م. (د.ت). القراءة والتأويل بين أمبرتو إيكو وفولفغانغ إيزر. موقع الأجبري
وديجي، ر. (د.ت). القراءة والتأويل عند أمبرتو إيكو. مجلة الإصلاح

[/justify]






التوقيع


ع ع ع عباس علي العكري

 
رد مع اقتباس