منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - ثلاجة الموت ( قصة قصيرة)
عرض مشاركة واحدة
قديم 12-08-2025, 05:07 AM   رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
عباس العكري
أقلامي
 
إحصائية العضو







عباس العكري غير متصل


افتراضي رد: ثلاجة الموت ( قصة قصيرة)

"ثلاجة الموت: انحطاط الغريزة وانكشاف قناع الإنسان"

رائد قاسم كاتب سعودي، عُرف بتوغله في مناطق سردية صادمة ومثيرة للجدل، حيث يستكشف الجوانب المظلمة للنفس البشرية، ويختبر حدود القارئ الأخلاقية والنفسية. يميل في أعماله إلى التوتر الحاد، والحوار المقتضب، والحبكات التي تمزج بين الرعب النفسي والصدمة الحسية.


تدور القصة حول مأمور ثلاجة موتى مهووس بجثث النساء، يستغل عمله لارتكاب جرائم اغتصاب على الأجساد الهامدة، مبررًا ذلك بفساد منطقه الأخلاقي وانعدام إحساسه بالذنب. يتوهم السيطرة الكاملة على الموت، حتى يلتقي امرأة تشبه تمامًا إحدى ضحاياه، فتتحول المواجهة إلى صراع يكشف الحقيقة: إنها شقيقة القتيلة، جاءت للإيقاع به وتوثيق جرائمه. ينتهي الأمر باقتحام الشرطة، ومقتله، ووضع جثته في ذات الثلاجة التي دنسها.


إلى أي مدى يمكن للإنسان أن يبرّر نزواته الشاذة بمنطق زائف ليحمي نفسه من مواجهة جريمته؟ وهل يمكن للموت أن يكون حجابًا يرفع كل محرم، أم أن الجسد الميت يظل محتفظًا بقداسة لا يجرؤ الضمير السليم على انتهاكها؟ في "ثلاجة الموت" لا نواجه فقط انحرافًا جنسيًا، بل انهيارًا كاملًا لمنظومة القيم، حيث تتحول المشرحة من مكان للسكينة إلى مسرح لشهوة منحطة.


القصة تُبنى على تقنية الاعتراف المموّه، إذ يبدأ السارد-البطل بتبرير أفعاله الشاذة بلغة جدلية، محاولًا خلق "منطق داخلي" يشرعن انتهاكه لجثث الموتى. هذا التبرير المستمر يخلق حالة من النفور لدى القارئ، لكنه في الوقت ذاته يحفزه على متابعة السرد لاكتشاف النهاية.

من الناحية البنائية، يزاوج النص بين السرد الداخلي المونولوجي والتصعيد الدرامي للأحداث، حيث تتصاعد المواجهة من رغبة خامدة إلى تهديد مباشر بالقتل، في إيقاع مشدود يتخلله انكشاف مفاجئ للهوية الحقيقية للمرأة.

أما على مستوى الرمز، فإن "ثلاجة الموت" هنا ليست مجرد أداة تبريد، بل استعارة باردة عن تجميد الأخلاق، وعن حالة الانفصال التام بين الفعل الإجرامي وأي إحساس بالذنب. دخول البطلة المزدوجة (الحيّة التي تحمل ملامح الميتة) يكسر هذا التجميد، ويعيد إلى المشهد حرارة المواجهة الأخلاقية.

القصة كذلك تلعب على ثنائية الحياة والموت في بعد حسي فجّ: الجسد الحي/الجسد الميت، الروح/الفراغ، الإثارة/القرف، وهي ثنائية لا تترك القارئ محايدًا، بل تجبره على مواجهة أسئلة محرّمة عن حدود الجسد وحرمة الموتى.

لغة القاص تميل إلى المباشرة الفاضحة، بلا تورية، وهو خيار فني يخدم هدف الصدمة المقصودة، لكنّه في الوقت ذاته يعرض النص لخطر الانزلاق إلى الإباحة اللفظية. غير أن النهاية توازن هذا الخطر بإعادة الجاني إلى موقع الجثة، في انقلاب شعري للعدالة.


"ثلاجة الموت" نص يختبر أعصاب القارئ ووعيه الأخلاقي، عبر دفعه إلى حافة الاشمئزاز والتساؤل معًا. إنه نص عن الغريزة حين تنفلت من أي رادع، وعن القانون الأخلاقي حين يستيقظ متأخرًا، ولكن بثمن دموي. بهذا، ينجح رائد قاسم في تحويل المشرحة إلى فضاء روائي ساخن، تتكثف فيه البرودة المادية والحرارة النفسية حتى الانفجار.






التوقيع


ع ع ع عباس علي العكري

 
رد مع اقتباس