ضمير يتجسد على هيئة قطة: عنف الذاكرة ومأساة الفقد
هل يمكن للذنب أن يأخذ شكلًا ولونًا، أن يمشي على أربع، وينظر إليك بعيون كائن تعرفه، ويتهمك بلا رحمة؟ وماذا لو لم يعد الفرق واضحًا بين صوت ضميرك وأصوات الكائنات من حولك، هل ستكون الحقيقة في الخارج أم في داخلك؟
رائد قاسم، قاص سعودي، يوظّف في نصوصه الاشتغال النفسي العميق ممزوجًا برمزية كثيفة ومناخ شبه كابوسي، ليصنع نصوصًا يتقاطع فيها الواقع بالهذيان، والحقيقة بالوهم، والوعي بالعطب النفسي. في "القطة البيضاء"، يأخذ القارئ إلى مساحة يهيمن عليها الإحساس بالذنب حتى يغدو مخلوقًا مستقلًا بذاته، يتكلم ويتهم ويطارد.
القصة تتناول حكاية رجل يعاني من تأنيب ضمير شديد بسبب موت قطته "ميمي" التي تركها وحيدة دون طعام أثناء غيابه القسري إثر حادث. عودته المتأخرة جعلته يكتشف موتها مختبئة في خزانة ملابسه، وفقًا لغريزة القطط في اختيار أماكن معزولة للموت. منذ تلك اللحظة، تتجسد قطته في أحلامه، وفي يقظته أحيانًا، لتتهمه بأنه قاتل. طبيبه النفسي يفسّر ذلك كأعراض ذنب حاد، ويقترح علاجًا عمليًا: تبني قطة جديدة ورعايتها. لكن البطل، كلما حاول الاقتراب من قطة، سواء في الشارع أو في متجر الحيوانات أو في الملجأ، يواجه مشهدًا متكررًا: القطط تخاطبه وتتهمه بالقتل، بصوت جماعي كأنه محاكمة علنية. ذروة النص تتصاعد حتى لحظة الانهيار العصبي، ليصل إلى مشهد أخير يتصالح فيه مع قطة بيضاء صغيرة في حديقة المستشفى، يقرر أخذها وبدء حياة جديدة معها.
النص يُبنى على ثلاث طبقات سردية: الواقعي النفسي: حيث الضمير المذنب يفرز هلوسات سمعية وبصرية. الرمزي: القطة البيضاء ليست مجرد حيوان، بل هي صورة مكثفة للبراءة التي أُهدرت، والبياض الملطخ بالبقع السوداء رمز لصفاء الروح الذي تلوث بخطيئة الإهمال. الكابوسي: حيث يتحول المكان (متجر الحيوانات، الملجأ) إلى فضاء محاصَر بالاتهامات، وتغدو الجدران والأقفاص شاهدًا على محاكمة لا يراها إلا البطل.
أسلوب رائد قاسم في هذا النص يوظّف التكرار المقلق للجملة الاتهامية "هل تريد أن تقتلني كما قتلت ميمي؟" ليحاصر القارئ بنفس الإلحاح الذي يحاصر البطل. أيضًا، ثمة تلاعب واضح بالانتقال بين ضمير المتكلم (اعترافات البطل) والسرد الخارجي، مما يعزز شعور الانفصال بين الذات والوعي، وكأن القصة كلها يمكن أن تُقرأ كتجربة داخل عقل مضطرب.
أما النهاية، فليست ختامًا مطمئنًا بقدر ما هي هدنة مؤقتة: تبني القطة البيضاء الجديدة قد يكون بداية شفاء، أو مجرد فصل جديد في دائرة مفرغة من الذنب والتكفير.
النص يترك القارئ أمام سؤال مفتوح:
هل كانت القطة البيضاء الأخيرة كائنًا حقيقيًا أم تجسيدًا آخر لضمير بدأ يتصالح مع نفسه؟ وهل يمكن للإنسان أن يغفر لنفسه حقًا، أم أن الذاكرة تحفظ دائمًا أثر الخطيئة مهما طال الزمن؟