[justify]الحياة كحلم متصل: جدلية الوجود بين ما قبل الموت وما بعده
هل حدث أن التقيت بشخص، تحدثت معه، ضحكت، وربما اختلفت معه، ثم اكتشفت لاحقًا أنه كان قد رحل عن الدنيا قبل أيام؟ كيف نتعامل مع اللحظة التي ينهار فيها الخط الفاصل بين الحياة والموت، بين الحقيقة والوهم؟ وإذا كانت الحياة حلمًا كما يزعم البعض، فهل الموت هو الاستيقاظ، أم هو مجرد انتقال إلى حلم آخر؟
رائد قاسم، قاص سعودي، يُعرف بقدرته على دمج الفلسفة الوجودية مع البنية الحكائية القصيرة، مستعينًا بالدهشة كأداة أساسية لإحداث الصدمة لدى القارئ. نصوصه، ومنها "ذات نهار"، تستحضر أسئلة الماوراء، وتبني جسورًا بين اليومي العابر والمصائر الكبرى للإنسان.
في هذه القصة، يلتقي الراوي بصديقه في نهار خريفي هادئ، ليجد الأخير يرتدي ملابس أنيقة كملابس المسافرين. يصرّ الصديق على أن وجهته ستظل مفاجأة، ويتحدث طوال الطريق عن فلسفته في الحياة: أن الوجود ما هو إلا سفر، وأن الحياة ليست سوى حلم نستيقظ منه عند الموت، وأن ما بعد الموت قد يكون حياة أخرى موازية. الحوار يتشعب ليتناول فكرة المسارات الزمنية المتوازية، حيث يمكن لحدث صغير أن يصنع واقعين مختلفين. لكن المسار السردي يأخذ منعطفه الحاد حين يطلب الصديق النزول في طريق زراعي ويختفي وسط البساتين، ليبحث عنه الراوي عبثًا، وينتهي به المطاف في المقبرة. هناك، يكتشف أن صديقه مدفون منذ يومين، وأنه كان مريضًا بالسرطان منذ فترة، لتصير كل لحظة قضاها معه قبل ساعات لغزًا مستعصيًا على العقل.
البنية السردية هنا تقوم على تصعيد فلسفي متدرج يتشابك فيه الحوار العابر مع التأملات الوجودية العميقة، قبل أن ينكسر الإيقاع بصدمة الكشف النهائي. اختيار النهار الخريفي خلفية للأحداث يعزز ثيمة "الرحيل الهادئ"؛ فالخريف، بطابعه الانتقالي، يمثل الزمن الفاصل بين الامتلاء والغياب، بين الحياة والموت.
رمزية "السفر" في النص تتجاوز معناها المباشر إلى مجاز الرحلة الكبرى للإنسان، حيث الملابس الجديدة ليست سوى أكفان أنيقة، والمفاجأة الموعودة ليست إلا موعدًا مع الفناء. أما فكرة "المسارات الزمنية" فتعمل على خلخلة يقين القارئ بالواقع الخطي، لتفتح أمامه احتمالات أن يكون الموت والحياة حالتين متداخلتين يمكن أن يلتقيا في نقطة واحدة، كما حدث في اللقاء الأخير بين الراوي وصديقه.
الدهشة في القصة ليست مجرد أداة حبكة، بل وسيلة فلسفية لإعادة صياغة مفهوم الحقيقة. فالصديق الذي كان حاضرًا بكل تفاصيله الجسدية واللغوية يصبح، بعد الكشف، علامة على هشاشة الحدود بين الحلم واليقظة. وحين يقول الراوي في النهاية: "إذا كانت الحياة قبل الموت حلمًا فالحياة بعده حلم آخر"، فإنه لا يقدّم إجابة بقدر ما يترك القارئ معلقًا بين الحلمين، منتظرًا "اليقظة الأبدية" التي قد لا تأتي أبدًا.
هكذا، يترك النص أسئلة مفتوحة:
إذا كانت حياتنا حلمًا، فهل موتنا هو استيقاظ أم عبور إلى حلم آخر؟ وهل يمكن أن يكون الموت، لا الحياة، هو الحقيقة الوحيدة التي نملكها؟[/justify]