"أمي: هواجس التقمص وحدود الهوية بين الجسد والروح"
هل يمكن أن تعود الأم من الموت، لا بروحها فقط، بل بجسد آخر يواصل سعيه نحو أبنائها؟ وهل يملك الحب الأمومي قدرة على اختراق الزمن والموت، أم أن الرغبة في التصديق هي ما ينسج أوهام العودة؟ وهل يكفي تطابق الذكريات لتثبيت هوية جديدة، أم أن الجسد سيظل الحاجز الأخير أمام الاعتراف؟
رائد قاسم، قاص سعودي، يتقن بناء قصصه على تداخل الواقعي بالميتافيزيقي، ويعتمد على مفارقات نفسية حادة ليكشف عن مناطق رمادية بين الحقيقة والوهم. نصوصه غالبًا ما تحمل طابعًا فلسفيًا يتأمل أسئلة الحياة والموت، ويستخدم المشهدية الحية والحوارات المكثفة لتوليد التوتر الدرامي.
تحكي القصة عن امرأة تعود إلى بيت قديم قضت فيه حياتها السابقة، مدعية أنها الأم المقتولة قبل أربعين عامًا. تدخل في مواجهة مع الابن "لؤي" وأقاربه، وتبهرهم بمعرفتها لتفاصيل دقيقة من الماضي. تروي كيف قُتلت خنقًا، وتؤكد أنها عادت للحياة بجسد جديد، محتفظة بروحها وذكرياتها. يرفض الابن التصديق، لكن أحداثًا متسارعة تنتهي بمحاولة منه لاعتداء جسدي عليها، فتدافع عن نفسها وتقتله. قبل موته، يلمح أنه قد يلتقيها في عالم آخر، لكنها تعد بمواصلة البحث عنه حتى لو عاد بجسد جديد، في إصرار يدمج الحب الأمومي بالتقمص الروحي.
البنية السردية في القصة تقوم على التدرج من الغموض إلى الصدام، إذ يبدأ النص بمشاهد استكشافية هادئة، ثم يتصاعد التوتر عبر الحوارات التي تتحدى المنطق، وصولًا إلى الذروة العنيفة التي تكسر حدود الروابط الأسرية. الحوارات تلعب دورًا محوريًا في بناء التصديق أو نفيه، حيث تتأرجح الشخصيات بين الشك والانبهار.
رمزيًا، النص يشتبك مع مفهوم التقمص بوصفه وسيلة لهزم الموت وإعادة الروابط المقطوعة، لكنه في الوقت ذاته يطرح سؤالًا عن جدوى العودة إذا كانت النهاية ستعيد المأساة بصيغة جديدة. النافذة التي تذكر البطلة بسرير موتها السابق، وحادثة الخنق المتكررة، كلها إشارات إلى أن القدر يعيد نفسه بأشكال مختلفة. أما الجسد فيبقى عائقًا أمام الاعتراف المطلق بالهوية، وكأن الروح وحدها لا تكفي لإقناع الآخرين.
في النهاية، القصة تترك القارئ أمام مفارقة: هل البطلة أم حقيقية عادت بروحها، أم مجرد امرأة مسكونة بوهم الانتماء؟ وهل الحب، حتى حين يتجاوز حدود الموت، قادر على حماية الروح من تكرار المأساة؟