"الصندوق الذي لم يُفتح: ذاكرة الفقد ولحظة الانكسار الصامت"
-
كيف يمكن لشيء مادي صغير أن يحمل في داخله عُمراً من المعاني؟ وأيّ لحظة قادرة على أن تفتح أبواب الذاكرة المغلقة، لا لتعيدنا إليها فحسب، بل لتكشف لنا أن علاقتنا بها تغيّرت أو تلاشت؟ هل نخشى الذكرى لأنها مؤلمة، أم لأننا نخاف اكتشاف برودنا تجاهها؟ النص يضعنا أمام مواجهة صامتة بين ابن وأثر أمّه، مواجهة تُختبر فيها مشاعر الفقد، وحدود ما يبقى من الحميمية بعد الغياب.
-
القاص خلدون الدالي يكتب بأسلوب يمزج بين التكثيف الشعوري والاقتصاد السردي، حيث تتكئ نصوصه على لحظة كشف داخلية أكثر من اعتمادها على الحبكة التقليدية. شخصياته غالبًا ما تتحرك في فضاءات مألوفة لكنها محمّلة بدلالات وجدانية عميقة، ويمنح الأشياء المادية حضورًا رمزيًا يوازي أو يتجاوز حضور البشر. في "الصندوق الذي لم يُفتح"، يواصل الدالي هذا النهج، إذ يجعل من تفاصيل بسيطة – صندوق خشبي، منديل، مشط – بؤرًا لانبعاث المعنى، مؤكدًا أن السرد عنده ليس نقلًا للأحداث بقدر ما هو كشف طبقات من الذاكرة المخزونة في الصمت.
-
تبدأ القصة بموت الأم وعودة الابن "سليم" إلى البيت القديم، حيث يواجه أشياءها المألوفة: غطاء الصلاة، العباءة السوداء، الساعة القديمة. وجود الصندوق في الزاوية يصبح منذ اللحظة الأولى علامة استفهام، إذ لا يُفتح فورًا رغم سهولة ذلك، في تأجيل سردي يخلق توترًا داخليًا. هذه البنية البسيطة تقوم على محور واحد: الانتقال من حالة الصد إلى الانكشاف. السارد بضمير الغائب يمتلك معرفة داخلية بشخصية البطل، فيكشف احتفاظه بالحزن في "العظام" لا "الملامح"، ويتيح للقارئ التوغل في دواخل سليم دون تدخل مباشر.
-
الزمان يمتد على يومين، يتخلله زمن استرجاعي عبر الرسائل التي كتبتها الأم، ما يضفي عمقًا على الحاضر السردي. المكان محدد بدقة: البيت القديم برائحته وأبوابه المتهالكة، غرفة الأم بما تحويه، وهو فضاء مغلق ومشحون بالذاكرة، يقابله الشارع والجيران كفضاء خارجي خافت. العنوان "الصندوق الذي لم يُفتح" يعمل كعتبة سيميائية ترسم منذ البداية فضول القارئ وتضعه في وضعية انتظار، ليكون فتح الصندوق ذروة الحدث ومحوره الرمزي.
الشخصية المحورية، سليم، ثابتة ظاهريًا لكنها تكشف عن انكسار داخلي متأخر، إذ يظل متماسكًا حتى يقرأ رسالة الأم، فتتسلل الجملة الأخيرة كضربة شعورية مباشرة. بقية الشخصيات هامشية أو وظيفية، مثل الجار الذي يختتم القصة بمجاز "أخذ منه عُمراً"، مانحًا القفلة طابعًا تأويليًا. التقنيات السردية تشمل الإيجاز المكثف، والمفارقة بين عدم البكاء والانكسار الداخلي، واستخدام التفاصيل المادية (المنديل، المشط) كحوامل دلالية للحب المكبوت.
-
وربما يترك النص سؤالًا معلقًا: ماذا لو لم يفتح سليم الصندوق أبدًا؟ هل كان سيظل يحتفظ بصورة ثابتة عن أمه، أم أن الفتح – ولو متأخرًا – كان حتميًا لكسر الجمود الشعوري؟ وهل يمكن أن نحيا حياتنا كلها مع صناديق مغلقة، نعرف أن بداخلها شيئًا يخصنا، لكننا نؤجل فتحها حتى نصبح غرباء عن محتواها؟