عرض مشاركة واحدة
غير مقروء 11-08-2025, 05:22 AM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
عباس العكري
أقلامي
 
إحصائية العضو







عباس العكري غير متصل


افتراضي رد: المائدة ( قصة قصيرة)

المائدة الخالية: انكسار اليقين في سردية «المائدة»"
-

ما الذي يجعل الحقيقة عصيّة على القبض، تتبدل صورها بتبدل الزاوية التي ننظر منها؟ وهل يمكن أن يكون الواقع ذاته مجرد قناع لأوهام مصنوعة، تتشكل لتبقي الإنسان ماضياً في مسيرة قد لا يكون فيها شيء أصيل؟ وأي معنى يتبقى للحياة إذا كان كل ما نحسه ونعرفه محاطاً بالشّك، لا يقدّم نفسه إلا عبر طبقات من التلاعب البصري والذهني؟ أسئلة تستدعيها قصة "المائدة"، حيث تتقاطع الفلسفة المجردة مع التجربة الحسية في بنية حكائية تتأرجح بين الواقع والهلاوس.
-

القصة تبدأ بمونولوج داخلي فلسفي طويل لشخصية السارد، يتأمل فيه العلاقة بين الحقيقة والوهم، بين ما يُرى وما يُعاش، ويطرح افتراضات متطرفة عن إمكانية كون الحياة برمتها زيفاً مُصمَّماً من قوى مجهولة. بعد هذا المدخل الذهني، ينتقل السرد إلى مشهد واقعي ظاهريًا: دخول السارد إلى مطعم جديد بحثًا عن تجربة مختلفة. هناك، يتعرف إلى أربعة رجال يفتحون معه نقاشًا حول نسبية الحقيقة وسيطرة إرادة الآخر على تشكيل واقع الفرد، فيتأثر بكلامهم بعد أن يغادروا ، يبدأ السارد في التساؤل عن حقيقة إحساسه بالطعام، قبل أن يكتشف، عبر كاميرات المراقبة، أن هؤلاء الرجال لم يكونوا موجودين أصلاً، وأنه كان يتحدث إلى فراغ.
-

رائد قاسم يوظف هنا أسلوبًا يمزج بين السرد التأملي والحكائي، مع اعتماد كثيف على الحوار الفلسفي الذي يسبق ويتوازى مع الحدث. النص يتخذ من المطعم، والمائدة تحديدًا، مسرحًا رمزيًا لاختبار حدود الإدراك: بين تذوق الكباب كحقيقة حسية، ورؤيته يتحول في الفم إلى مادة مقززة، ثم صدمة غياب الجلساء الذين شاركوه النقاش. هذه المفارقات تجعل النص يعمل على خطين متوازيين: خط التجربة الشخصية، وخط الوعي المتشظي بين نسخ متعددة من "الحقيقة".
-

القارئ في هذا النص يتحول إلى طرف ثالث في التجربة، يشارك السارد في ارتيابِه، ويُدفع إلى التساؤل عن ثقته بحواسه ومشاهداته. الغموض المقصود في تفسير ما جرى — هل هو وهم مرضي، أو تداخل بين أبعاد، أو خداع حسي — يفتح مجالًا لتأويلات متباينة، من البعد النفسي إلى الميتافيزيقي.
-

تحليليًا، يشكل العنوان "المائدة" عتبة سيميائية دالة على المشاركة، التلاقي، والضيافة، لكنه يُقلب في النص إلى موضع عزلة إدراكية، حيث يجلس البطل وحيدًا أمام أشباح أفكاره. البنية السردية تنطلق من تمهيد تأملي طويل، ثم حدث مركزي (اللقاء بالمجموعة)، فقفلة صادمة تكشف التناقض بين التجربة الذاتية والدليل البصري الخارجي. السارد هنا بضمير المتكلم، مما يعمق الطابع الذاتي للتجربة ويزيد من التباسها، بينما تبئير النص داخلي بالكامل، إذ ينحصر في وعي السارد وإدراكه للحظة. الزمان ممتد شعوريًا من تيارات الفكر الفلسفي إلى لحظات الطعام في المطعم، والمكان محدد لكنه يتحول بدلالته من فضاء اجتماعي إلى فضاء عزلة. الشخصية المحورية هي السارد وحده، بينما الشخصيات الأخرى — سواء وُجدت أم لم توجد — تؤدي وظيفة تحفيز الوعي وإطلاق الحوار الفلسفي. التقنيات السردية تشمل المونولوج الداخلي، الحوار الجدلي، المفارقة الإدراكية، والانتقال المفاجئ من التجريد إلى المحسوس.
-

ماذا لو أن الرجال الأربعة كانوا موجودين فعلًا، لكنهم ينتمون إلى بعد آخر لا تلتقطه الكاميرات؟ ماذا لو أن المائدة نفسها لم تكن إلا إسقاطًا عقليًا لتجسيد صراع السارد مع فكرة الحقيقة؟ وماذا لو كان كل ما حدث في المطعم استمرارًا لخطاب داخلي لم يغادر رأسه قط؟







التوقيع


ع ع ع عباس علي العكري

 
رد مع اقتباس