منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - العائد ( قصة ققصيرة)
عرض مشاركة واحدة
قديم 11-08-2025, 04:56 AM   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
عباس العكري
أقلامي
 
إحصائية العضو







عباس العكري غير متصل


افتراضي رد: العائد ( قصة ققصيرة)

العودة المؤجلة: جدل الرغبة والقدر في سردية «العائد»
-

ما الذي يدفع الكائن البشري إلى التمسك بعالم فارقه بالفعل؟ وهل تكون العودة حلمًا مشبعًا بالأمل، أم وهمًا يتكسر أمام حقيقة أن الموت فصل قاطع لا رجعة فيه إلا في النادر؟ وأي معنى يتشكل حين يلتقي الحنين إلى الأحبة بوعي ميتافيزيقي عن طبيعة ما بعد الموت؟ أسئلة تفرضها قصة " العائد" التي تضعنا في مواجهة مع حدود الرغبة البشرية وقيود القدر.
-

تبدأ القصة بمشهد لقاء بين "وحيد" و"فراس" في عالم ما بعد الموت، حيث يحاول الأول مواساة الثاني الذي يغرق في حزن لفقد زوجته. يقوده في جولة إلى "ليلة العيد" في مدينة نابضة بالحياة، فيكتشف فراس أن كل ما يراه هو نسخة محفوظة من أحداث مضت، وأن عالمهما لا يملك المادة الحية بل انعكاساتها في الذاكرة. يتصاعد التوتر حين يصر فراس على محاولة العودة إلى الدنيا للقاء زوجته، ويخوض مغامرة في "عالم الأحلام" أملاً بالتواصل معها.

اللقاء العاطفي بينهما ينتهي بفشل العودة معًا، ويقع فراس في مأزق داخل منطقة معزولة من هذا العالم، قبل أن يختفي في ظروف غامضة مع ضباب كثيف، ليُكشف لاحقًا أنه عاد إلى الدنيا لأن جسده لم يمت بالكامل، بينما يبقى وحيد مصدومًا من حرمانه من فرصة مماثلة.
-

رائد قاسم يكتب هنا ضمن تقاليد السرد الفانتازي الميتافيزيقي، مستندًا إلى عالم متخيل يدمج بين تفاصيل حسية دقيقة وبنية فلسفية تتساءل عن طبيعة الموت والحياة والذاكرة. أسلوبه يتسم بالتصعيد الحكائي التدريجي، والحوار الذي يكشف طبقات من القوانين الحاكمة للعالم الآخر، مع إدخال لحظات وجدانية تتخللها مفارقات وجودية. النص يمتد على مساحة زمنية متخيلة واسعة لكنه يحافظ على وحدة الحالة الشعورية، ويوازن بين المغامرة الخارجية والصراع الداخلي للشخصيات.
-

القارئ يجد نفسه شريكًا في فهم قوانين هذا العالم، من خلال اكتشافها بالتوازي مع الشخصيات، وتطرح عليه القصة أسئلة لا تمنحه إجابات نهائية، بل تترك له مهمة التفكير في حدود الإمكان، ومعنى العودة، ومكانة الروابط الإنسانية بعد الموت. الغموض المقصود في طبيعة "العالم الآخر" ومسارات الانتقال بين العوالم يتيح تعدد القراءات، سواء بوصف النص استعارة للحنين المستحيل، أو تأملاً في حرية الإرادة أمام الحتمية الكونية.
-

في التحليل البنيوي، يشكّل العنوان " العائد" عتبة سيميائية تجمع بين فعل العودة التي تنزع عن الفعل يقينه الواقعي، ممهّدًا لتناقض النص بين الرغبة والحقيقة. الحبكة خطية مع امتدادات استطرادية تفتح عوالم فرعية (مدينة العيد، عالم الأحلام، المعسكر)، ما يمنح السرد تنويعًا في الإيقاع ويؤخر القفلة. السارد يعتمد ضمير الغائب بوجه عام، مع تبئير خارجي يسمح للقارئ بملاحظة الأحداث من مسافة، رغم اقترابه أحيانًا من وعي الشخصيات عبر حواراتها الداخلية والخارجية.

الزمان متشظٍ بين آني وماضٍ مستعاد وفضاء لا يخضع لقوانين الدوران الزمني الأرضي، والمكان متعدد المستويات، من الحيز الحضري المليء بالحياة إلى فضاءات معسكرية قاسية أو مناطق فراغ حلمية، في تدرج من الألفة إلى الاغتراب.

الشخصيات تتنوع بين مركزية (فراس ووحيد) وثانوية (الحراس، رئيس المعسكر، شخصيات عابرة في الحلم)، وتجمع بين سمات ثابتة ورمزية، حيث يشير فراس إلى الحنين البشري المطلق، ووحيد إلى العقلانية التي لا تنجو من الوهم.

التقنيات السردية تشمل الإطالة الحوارية بوصفها أداة كشف وبناء، والانتقال الفجائي بين العوالم، والاستخدام الرمزي للعناصر الحسية (الضباب، الزينة، الطعام) كجسور بين الذاكرة والواقع المفترض.
-

ماذا لو كان فراس قد اختار البقاء وقَبِل قوانين العالم الآخر؟ ماذا لو أُتيح لوحيد أن يختبر فرصة العودة رغم فساد جسده؟ وماذا لو كان "العائد" ليس سوى صورة متخيلة في وعي من بقوا خلفه؟






التوقيع


ع ع ع عباس علي العكري

 
رد مع اقتباس