وهذا هو كلام الشيخ عبدالقاهر الجرجاني عن المسألة :
وتفسيره أنّك تقول ضرب زيد، فتثبت الضرب فعلاً لزيد وتقول مَرض زيد فتُثبت المَرض وصفاً له، وهكذا سائر ما كان من أفعال الغرائز والطباع، وذلك في الجملة على ما لا يوصف الإنسان بالقدرة عليه، نحو كَرُم وظَرُف وحَسُن وقَبُح وطَال وقَصُر، وقد يُتصوَّر في الشيء الواحد أن تُثبته من الجهتين جميعاً، وذلك في كل فعلٍ دَلَّ على معنًى يفعله الإنسان في نفسه نحو قام وقعد، إذا قلت قام زيد، فقد أثبتَّ القيام فعلاً له من حيث تقول فَعَلَ القيام وأمرتُه بأن يفعل القيام، وأثبتَّه أيضاً وصفاً له من حيث أن تلك الهيئة موجودة فيه، وهو في اكتسابه لها كالشخص المنتصب، والشجرة القائمة على ساقها التي توصف بالقِيام، لا من حيث كانت فاعلةً له، بل من حيث كان وصفاً موجوداً فيها، وإذ قد عرفتَ هذا الأصل،*فهاهنا أصل آخر يدخل في غرضنا وهو أن الأفعال على ضربين:*متعدّ وغير متعدّ،*فالمتعدّي على ضربين:*ضربٌ يتعدَّى إلى شيءٍ هو مفعول به،*كقولك:*ضربتُ زيداً، زيداَ مفعولٌ به، لأنك فعلت به الضرب ولم يفعله بنفسه. وضربٌ يتعدَّى إلى شيءٍ هو مفعول على الإطلاق، وهو في الحقيقة كفَعَلَ وكلِّ ما كان مِثْلَه في كونه عامّاً غيرَ مشتقّ من معنًى خاصّ كصَنَعَ، وعَمِلَ، وأَوْجَدَ، وأَنْشَأَ، ومعنى قولي من معنًى خاصّ أنه ليس كضَرَبَ الذي هو مشتقّ من الضرب أو أَعلَمَ الذي هو مأخوذ
من العلم، وهكذا كل ما له مصدرٌ، ذلك المصدرُ في حُكم جنس من المعاني، فهذا الضَّربُ إذا أُسند إلى شيءٍ كان المنصوبُ له مفعولاً لذلك الشيء على الإطلاق،*كقولك:*فعل زيدٌ القيامَ، فالقيام مفعولٌ في نفسه وليس بمفعول به، ن العلم، وهكذا كل ما له مصدرٌ، ذلك المصدرُ في حُكم جنس من المعاني،فهذا الضَّربُ إذا أُسند إلى شيءٍ كان المنصوبُ له مفعولاً لذلك الشيء على الإطلاق،*كقولك:*فعل زيدٌ القيامَ، فالقيام مفعولٌ في نفسه وليس بمفعول به، وأحقُّ من ذلك أن تقول خَلق اللَّه الأنَاسِيَّ، وأنشأ العالم، وخلق الموتَ والحياة، والمنصوب في هذا كله مفعول مطلق لا تقييد فيه، إذ من المحال أن يكون معنى خلق العالم فَعَلَ الخلق به، كما تقول في ضربت زيداً فعلتُ الضرب بزيد، لأن الخَلْق من خَلَق كالفعل من فَعَلَ، فلو جاز أن يكون المخلوق كالمضروب، لجاز أن يكون المفعول في نفسه كذلك، حتى يكون معنى فَعَلَ القيام فعل شيئاً بالقيام، وذلك من شنيع المُحال، وإذ قد عرفت هذا فاعلم أن الإثبات في جميع هذا الضرب أعني فيما منصوبُه مفعولٌ، وليس مفعولاً به يتعلق بنفس المفعول، فإذا قلت فعل زيدٌ الضرب، كنت أثبتَّ الضرب فعلاً لزيد، وكذلك تُثبت العالم في قولك خلق اللَّه العالم، خَلْقاً للَّه تعالى، ولا يصحُّ في شيء من هذا الباب أن تُثبت المفعول وصفاً ألبتة، وتوهُّم ذلك خطاً عظيم وجهلٌ نعوذُ باللَّه منه، وأما الضرب الآخر وهو الذي منصوبه مفعولٌ به، فإنك تُثبت فيه المعنى الذي اشتُقَّ منه فعَلَ فعلاً للشيء، كإثباتك الضرب لنفسك في قولك ضربتُ زيداً، فلا يُتَصَوَّر أن يلحَق الإثبات مفعولَه، لأنه إذا كان مفعولاً به، ولم يكن فعلاً لك، استحال أن تُثبته فِعْلاً، وإثباتُه وصفاً أبعدُ في الإحالة. فأما قولُنا في نحو ضربتُ زيداً، إنك أثبتَّ زيداً مضروباً، فإنّ ذلك يرجع إلى أنك تُثبت الضربَ واقعاً به منك، فأمّا أن تُثبِت ذاتَ زيد لك،فلا يُتصَوَّر، لأن الإثبات كما مضى لا بدّ له من جهة، ولا جهةَ هاهنا، وهكذا إذا قلت أحْيا اللَّه زيداً، كنت في هذا الكلام مُثبِتاً الحياةَ فِعلاً للَّه تعالى في زيد، فأما ذات زَيد، فلم تُثبتها فعلاً للَّه بهذا الكلام، وإنما يتأتَّى لك ذلك بكلام آخر، نحو أن تقول خلق اللَّه زيداً ووأوجده وما شاكله، مما لا يُشتقّ من معنًى خاصّ كالحياة والموت ونحوهما من المعاني.