تجليات المكـان: الفنون الإريترية أنموذجاً .. مقاربة بين الكـتًـاب و التـلفـزة (2) يلاحظ افـتـقـاد الفضائية الإريترية إلى مـذيع ربط الـفقرات ، حيث يتم النـقـل من فـقـرة إلى أخرى بصورة مباشرة أو بعد فـاصل مموسـق مـع مشاهـد مكانية و إنسانية و توثيق لأحداث نضالية أو أغاني عاطفية و حماسية بكافة اللغات المحلية ، و إن كان يبرز أحياناً مقاطع غنائية بالبجاوية لمـا تملكه من شعر راقي تتناقله الألسن ، النموذج الـذي يـراه الإريتريون إحـدى نغمات الإيقاع ، الذي يحركهم و يتحركون مـعـه كل على حـده جـرس إيـقاعـي منفرد للمفردة ، و تشكيل الجملة من الكلمات ذات المعنى البليغ ، لأنهم شعب رقيق المشاعر ، يتأثر بحركة الحياة و سكونها لما يتميز بـه حساسية مفرطة لمؤثرات المكان مـن عبادات و طقوس ، و تمجيد للماضي في الأناشيد و الأغـاني التي تستخدم لأغـراض دينية أو للتـرفية عـن حياتهم أثـناء السمر ، و المـناسـبات الإجتماعية مما يظهر سعـة المخيلة الإريترية في صـياغة الحدث و الأخـبـار مـن حقائق أو أساطير و حكايات خـرافـية مـن نسج المخيلة الإريترية في الأدب الشفاهي . و ربما تدرج أسطورة ( لعنة المنسع ) ضمن الأدب الشفاهي ، حيث يروي فرديناندو مارتيني قـصـة الأسطورة " أوولتيزاي " أي إبنة الإمبراطور (15). ان أثـر المكان واضح في كافة مضامين السرد الشفاهي من شعر و حكايـة ، و ان كان الغناء يسيطر أكثر على مخيلة الإنسان الإريتري ، و يـبـرز على أرض الواقع بتصويـر فـني لواقع الحياة المعاش بـإيقاع موسيقي مكتسب من اللغات السامية ، حـيث يـنطـبق عليهم الـرأى الوارد في كتاب الساميون و لغاتهم ص : 144) ، حيث يقول ( و ليس ببعيد أن تكون العرب قد جرت منذ الحـقـب السحيقة على قول الشعر بأوزانه السامية القديمة ، التي لم تكن أوزانا بحساب الحركات و السكنات الدقيق الذي في علم العروض ، و إنما كانت نوعا من التقسيم في عناصر الفكرة أو الصورة أو المعنى ، يترتب عليه بالضرورة تقسيم في الألـفـاظ المعـبرة عـن ذلك ، على نـغـم أقـل رتـوبـا و تـكرارا مـن أوزان العروض المعـروفة ، و لعل هذا الشعر العربي القديم قـد أرتطم أول الأمر بالرجز ، الذي كان وزنا مـوسـيقـيا للصياح و التـرجيع و التـهليل الجماعي المنتظم ، في الحروب ، و عند سير القـوافـل ، و استنباط الماء من جوف الأرض و نحو ذلك ، و في الأراقيص و أغاني النساء و عـنـد تـدليل الأطـفال). و هـو مـا نـجـده لـدى الإنـسان الإريتري الـبـاحـث عــن رحلة الصيف و الشتاء (سـاقم) الـرحلة التي يقوم بها بـحثا عـن الـرعي و الماء و الكلأ مـن المنخفضات الى المرتفعات أو العكس و لا يكون معـه الإ تـسلية النـفس بـالغناء (16). و أنعكس ذلك على الفنـون الأدبية الإريترية سواء أدب شفاهي تتـنـاقـله الذاكرة الإريترية مـثل قصائد إدريس ود أمـير الأسطورة الإريترية مع أنه شخصية حقيقة من أبناء منطقة سمهر ، عمـل في مصؤع ، و هاجر للسعودية حيث عمل في جـدة و الـدمـام ، و أرتحـل بعـدهـا للكـويــت . و هـو مـن رواد الشـعـر الـغـزلـي ، و قصته أشبه ما تكون بقصة قيس و ليلى ، حيـث ذاق الغربة و الترحال و تـوفي مغترباً في الستينات من القرن الماضي (17). و كذلك قـصائـد ود جعـيف، و الكثـير مـن المطولات مـن أشعـار الساهـو التي يصاحبها رقصات بالسيوف في الأتراح و الأفراح ، و أخرى مثـل جـباجـيب و التهليل ، و المدائح الـنبويـة (18). و مع التقنية الحديثة ، و تطور الفنون في عالم الموسيقى ، فـإن التراث المحلي يتماوج فـنـياً مـع آلات فـنـية و موسيقية سواءاً كانت صناعة محلية أو مستوردة ، حيـث نـجـد الغـنـاء يموسـق بـالـربـابـة ( كرار / مسانقو )، و الـناى / المزمار ( عـندر / شـامبـقو) ، و استخدام آلات حـديـثـة مثل الجيتار ، و الأرغـون ، سيكسافون (19) ، و الـعــود (خارج النًص) ذو النغمات الشجية . و تمثل الموسيقى جـسـراً بـين الماضي و الحاضر ، بين المكتوب و الـتـلفـزة ، تـمـاشـياً مع تـقـنـيات الـقرن الحادي و الـعـشريـن و إبـداعات الـفـرقة الـفـنية ( الأوكسترا الإريترية ) بزيها العسكري المميز . و الملـفت للنـظـر ملامح هؤلاء الفتية و تـعـابـير الـوجـوه عندما يتم العزف لسمفونيات عالمية ، و سمفونية وطنية من ضمنها النـشـيد الوطني الإريتري لا توصف إلا بـالإنـبهـار . و تـتـألـق الكاميرا في طريق حلزوني بـين أسمرة و مصؤع ، و بخلفية موسيقية لأغنية شجية ( بـابوراي ) ، و حركة القطار و التلفريك (قديماً) و سيارة تويوتا التي نعرفها بمصطلح ( ونـيـت عراوى ) أو فـئـة صـالـون تويوتا ، و تـقـنـية الآلـة بـيـن الـجـبـل و الوادي صعوداً و هبوطاً ، و ألوان الطبيعة الخضراء أرضاً و جمالاً ، مما يعطي إيحـاءاً بـجـيد الحـسـان لــونــاً فـضـيـاً في قـمـم الـجـبـال ، و مشاهد تـفـوق الوصف لأنه ملموس لمـن يعشق السفر عبر الزمن و إرتحالات الماضي مع الإيـحـاء بجماليات المكان و حكايات ألـف ليلة و ليلة و أنفاس النجوم ، التي تعجز الكاميراً عـن نـقـلهـا تـاركاً المخيلة تعيش أصداؤها لحالة نـفـسـية شاعرية بين صفحات الكتاب أو مقطع من قصيدة أحمد عمر شيخ (20) : و عبر أنفاس النجوم يتوغل الليل الرفيق نرتدي ذل الهموم و انحناءات الجراح زوارق للفجر تنشق الغيوم فتتجلى ( سود الصحائف) خلف أردية الصباح ومض يداري شهرزاد و ينطوي الصمت المباح . هـذه الصورة الجمالية للواقع الإريتري قبل التحرير ، أصبحت واقـعـاً مـلمـوسـاً يـتـجـدد كـل عـام مـع إبـــداعـات الكـامـيرا التي تعيد صورة إريتريا في حدقة العين أنذاك ، لأنها الأرض التي تـذوب فـيها اللغات و الثـقـافات و الـفنون تـحـت عنوان واحـد (إريتريا) ، المزيج الفـنـي الذي تشهده من وقـت لأخـر ، حـيـث التوحد بين الإنسان و الـفن و تجليات المكان التي أسقطت أوراق الخـريـف لتكون ساحة الـوفـاء للطيور الإريترية المغردة بأنشودة الوطـن مـع إشـراقـة الربـيع في إبريل 1993م ، حيث يـذوب الجميع بإختلاف ألسنتهم و ألوانهم ضمن أنشودة واحـدة زاهـية بألوان براقـة لـزهـرة مـشرقة مـن تجليات المكان في حدقة الكاميرا و توقيع التلفزة الإريترية . و تشهد إريتريا إحتفالات و إبداعات الفنون الإريترية بأبعادهـا الإجتماعية و النفسية و الفكرية في لوحة فنية رائعة متواصلة إعتباراً من 24 مايو حتى الأول من شهر سبتمبر من كل عام ، حيـث تـلـتـقي فـئـات الشـباب بمختلف الميول و الثقافات و الفنون الإريترية ضمن إيقاع فني يشكل محوراً واحـدة لمجموعة مـن الـدرر و الآلـي و أزهـار الليلك في عـقـد واحـد على جـيد الحـسـنـاء ، حيـث يـجـد المرء في كـل درة رقصة ، و في كـل لـؤلـؤة أسطورة ، و في كل زهـرة حـي و عـشـق للأرض . و هـذه اللوحـة البانورامية تتشكل رؤية جيل جـديد و مستقبل جديد لماضي تراثه ثقافة البر و البحر و فنوان تناثرت هنا و هناك مـن أجـل تراث إريتري مكتسب عبر السنين ، و مرتبط بثقافة الأرض تميزاً مـن أن جذوره عريقة ضاربة في أعماق الأرض و له فروع في دول الجوار من فـنـون الـشرحـة في الـيمن ، و اليولة و تمريحة الناقة في الخليج ، و فنون البحر مـن الكويت إلى بورسعيد ، و البحر الإريتري مزيج حضاري لماضي يبدعه شباب اليوم فـنـاً بنكهة الـبـن السمـراء على طاولة بـيضـاء مـزركـشة بغصن الزيتون و أوراق النعناع ، و بساط أحمر تتراق عليه فناجين القهوة مع إيقاعات شـيـاب سـاوة ، الذين يرسمون صورة الوطن بحركات استعراضية تصاحب أنغاماً مع أغاني وطنية بمختلف اللغات في صورة جماعية متميزة ، و بداخلها نموذج الفرد الإستعراضي الرائع بإيقاعات جسدية و مهارة في التعامل مع العصي ، و أخرى بالسيوف بمرونة و خفة متناهية . و هـذه الرقصات بلغة واحدة ( إريتريا) ماضياً و حاضراً و إستشراف للمستقبل ، صورة نهائية من الكلمة إلى النغم ، إلى الصورة البصرية مثلها مثل كافة إيقاعات و فنون البشر ، نشاهدها يومياً في الفضائيات حتى أننا نشعر أن ما نراه تراثنا ، و تراثنا تراثهم ، هـذه الصورة البصرية في حـدقـة الكاميراً ، يجيدها الإنسان في مكان واحد مـن هـذا الفضاء الإنساني لتكون رسالة محبة مـن ساحة الوفاء إلى الفضاء العالمي في عصر القرية الكونية (23). و هـذا الإنسان بين نـقيضين ، خـلف الـكاميرا ، أو أنـامل تـحـترق مع الكـلمـة ، و في كلا الحـالتـين تـكـون الـنـتـيجة واحدة مع التجليات المكانية و أثـرهـا على المخيلة الإريترية بـين أداء فـاعـل و رؤيـة الإنـسان و ( أغنيات الضوء (24) للشاعر أحمد عمر شيخ : و الحلم يـنـدي عبر أحراش الصبا *** و يـســيل في رحـم الـغـناء غـنـاء إن كان في الـدرب بـقـايـا أحـرف *** يـغـفـو على شـفـة الـزمـان نــداء فـليـورق الـفـجـر المـنـاوي خلسة *** و الـفـلـك يـوغـل ، و الدروب لقـاء ان الفن الإريتري المرسوم على خارطة إريتريا يبرزه التـلفـاز الإريتري بين الحـين و الأخر ، تظهر الصور الفنية و لا يظهر معها أصحابها ، تظل الصورة خالدة في الذاكـرة لتكون سحراً يسلب الألبـاب كلمـا تكررت لكنها لا تـؤدي للمـلل بـل تظـل تنـبض بالمـاضـي عسى و لعـل يعـود ، و ربما هذا الأمـر أدى إلى أن يحلم مارتيني و هو يغادر إريتريا ، حـيـث كـتب أما اليوم فإن شعوراً بالوحشة ، يرافقه شوق للعودة إلى بلدي ، يعصف بي : الوحشة لأنني ساترك افريقيا ... و ستبقى في قلبي رغـبة حارة بالعودة اليهـا حالمـا تتاح لي الفرصة )، ( على ظهر الباخرة فلسطين الراسية في مصؤع المنتظرة لتعود بنا إلى أوروبا تذكرت ، و أنا أنظر إلى خيال الباخرة الأبيض في البحر ، منحدرات الحباب و الأسورتا الرمادية ، و رحت أردد فيما كانت الباخرة تتحرك : وداعاً ايتها الأرض الحرة حـقـاً ، و داعاً أيتها الوحشة العزيزة المقدسة(26). خرج مـارتيني حزيـناً مـن إريتـريـا لأنـه لـم يدرك المعنى الحقيقي من أسطورة المنسع " أوولتيزاي " ، لأن قيمة الـوجـود في إريتريا ينبع من الإنسان المتأثـر بتجليات المكان ، الذي يـرفـض أن يظل حبيسـاً لـواقـع مـغـاير لـواقـعـه التراثي ، و بالتالي يرسم إبداعاته الثقافية في لـوحــة سريالية تبهر العالم المستيقظ على أغنيات تتهاوى على القلوب في قصيدة الليل و الحنين للشاعر أحمد سعد في قصيدته الليل و الحنين و صحـوت .../ أطـرد اللـيل بـعـيدا / و أغـنى راقـصا كالـعـندليـب / قـد لــمحت .. / في خـيالي لـوحة الـفجـرالـقـريـب / وخطـى الـنصـر الـكـبير / تـتهـاوى أغــنـيات في الـقـلـوب (27). و تظل الكلمة عنصراً أبـديـاً للتعبير عـن المشاعر الإنسانية مهما تفوقت و تطورت الألة و تقنية الصورة لأن الكلمة مـن القـلـب إلى القـلـب تنبض بالحياة لا جمود فيها و هذا سر تفوقها ، و سر إبداع من عرف أسرارها فهنيئاً للمبدعين أقلامهم و كلماتهم ، و كأن الله في عونهم في مسيرة تطويع الكلمة للتعبير عن رؤاهم و فكرهم . ** هذه المقاربة بين الكتاب و التلفزة - دراسة عـن الفنون الإريترية ، و ستصدر قريباً في كتاب مطبوع بإذن الله ، لذلك يجد القارئ أرقام بين الأقواس ، حيث أنها دلالات للمصادر و المراجع التي تم الإستناد إليها أو الإقتباس منها.
سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك