الموضوع: أمُّ اللغات..
عرض مشاركة واحدة
غير مقروء 28-05-2024, 06:45 AM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
راحيل الأيسر
المدير العام
 
الصورة الرمزية راحيل الأيسر
 

 

 
إحصائية العضو







راحيل الأيسر غير متصل


افتراضي رد: أمُّ اللغات..

غريب القرآن :

مع نزول القرآن الكريم منجما على رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الرسول أول مفسر لكتاب الله عز وجل ولا غرو فهو المعلم الأول لصحابته رضوان الله عليهم يتلو آيات القرآن الكريم ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويلقنهم تفسيره. واقتدى بهديه كبار الصحابة فكانوا من بعد المعلمين والمفسرين، على أن أبرزهم في هذا الميدان كان عبد الله بن عباس رضي الله عنه وعن أبيه، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي اختصه الرسول بدعائه المشهور:

"اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل"، فكان حبر الأمه وترجمان القرآن، وغدا مرجع الصحابة والتابعين ومفزعهم، وما أكثر ما حمل لنا التاريخ من أخبارهم يسألونه عن مسائل أبهمت عليهم في كتاب الله عز وجل، فيكون جوابه حاضرا ودليله شافعا، وقد اختط لنفسه في هذا منهجا يدل على حذقه وسعة علمه، إذ عول في تفسيره على كلام العرب، وأشعارهم، وكان يقول: "الشعر ديوان العرب فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله اللَّه بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا معرفة ذلك منه".

ويقول أيضا: "إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر فإن الشعر ديوان العرب".

ولا أدل على منهجه هذا من أسئلة نافع بن الأزرق له، وهي الأسئلة التي اشتهرت بمسائل نافع بن الأزرق، ورويت من غير ما طريق وصنف فيها غير ما مصنف، ولعل أجود نشرة خرجت بها مجموعة، تلك التي نهض بها الأخ الصديق الأستاذ الدكتور محمد الدالي -رحمه الله- إذ حقق هذه المسائل من أقدم نسخة محفوظة تعرف لها، وجمع لها مالم يرد في تلك المخطوطه مما تفرق في بطون المصادر والمراجع فبلغت عنده 287 مسألة نورد فيما يلي نماذج منها:

"قال: أخبرني عن قول الله عز

وجل: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ) [الرحمن:35] ما الشواظ؟
قال: اللهب الذي لا دخان له.
قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك من قبل أن ينزل الكتاب على محمد صلى الله عليه وسلم؟
قال: نعم، أما سمعت قول أميه بن خلف، وهو يهجو حسان بن ثابت، وهو يقول:
ألا مَنْ مبلغٌ حسانَ عني .. مغلغلةً تدبُّ إلى عكاظِ


أليسَ أبوك فينا كان قينًا .. لدى القيناتِ فَسْلًا في الحفاظِ

يمانيًّا يظلُّ يشبُّ كِيراً .. وينفخُ دائباً لهبَ الشواظِ

قال: صدقت.
فأخبرني عن قول الله عز وجل: (وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ) [الرحمن:35] ما النحاس؟ قال: هو الدخان الذي لا لهب فيه. قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت بقول النابغة:

يضِيءُ كضوءِ سراجِ السليــ .. ـطِ لم يجعلِ اللهُ فيه نُحَاسا

يعني دخانا. قال: صدقت.


فأخبرني عن قول الله عزي وجل: (أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ) [الإنسان:2] ما الأمشاج؟ قال: هو ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا في الرحم كان مشيجا. قال وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول أبي ذؤيب الهذلي:

كأنَّ النصلَ والفُوقَينِ منها .. خِلافَ الريشِ سِيطَ به مَشيجُ

فجالَتْ فالتمستً به حَشَاها .. فخَرَّ كأنَّـهُ خُوطٌ مَـريجُ

ومن طريف هذا الخبر أن المبرد روى هذه النهاية له في كتابه الفاضل: وتحدث عمر بن شبة قال: بينما ابن عباس فى المسجد الحرام وعنده ناس من الخوارج وابن الأزرق يسائلونه، إذ أقبل عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة فقال: أنشدنا، فأنشده:

أمِنْ آلِ نُعْمٍ أنتَ غادٍ فمُبْكِرُ .. غداةَ غَدٍ أمْ رائحٌ فمُهَجِّرُ



فيضحى وأمّا بالعشيِّ فيخصَرُ

فقال: ما أراك إلا وقد حفظت هذا البيت، قال: نعم! وإن شئت أن أنشدك القصيدة كلها كما [أنشدك] أنشدتك، قال: نعم، فإنى أشاء، فأنشده القصيدة حتى جاء على آخرها، ثم أقبل على عمر فقال: أنشد، فأنشده: تشطُّ غدًا دارُ جيرانِـنا
فقال ابن عباس: وللّدارُ بعدَ غدٍ أبعدُ
فقال: كذا قلت! قال: كذا يكون- إن شاء الله- فاضطرب ابن أبى ربيعة وخجل، فقال له ابن عباس: إنما عنيت أنك أنت قلته، قال: يا عم، فكيف علمت؟
فقال: لا يكون بعد هذا إلا ذا.
إن دلالة هذا الخبر لا تقتصر على الاهتمام بغريب اللغة ونشوء المعجمات، وهو اهتمام قديم دعا إليه كبار الصحابة من قبل، وتبدى ذلك في كثير من أقوالهم، كقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "تعلموا الشعر، فإن فيه محاسن تبتغى، ومساوئ تتقى، وحكمة الحكماء، ويدل على مكارم الأخلاق".

وروي أنه كتب إلى أهل الأمصار: «أن علموا أولادكم الفروسية والعوم، ورووهم الشعر».

بل تتعدى ذلك إلى عدة أمور أهمها:

أولا: مبلغ العناية التي كان ابن عباس يوليها للعربية ولفن من أعظم فنونها وهو الشعر.
ثانيا: عدم تحرجه من إنشاد الشعر واستنشاده في بيت الله الحرام.
ثالثا: رسم منهج لعلمين من علوم العربية، أولهما: علم غريب القرآن، وثانيهما: علم المعجمات.


يقول الأستاذ سعيد الأفغاني : ( بين علوم القرآن وعلوم اللغة العربية ترابط محكم فمهما تتقن من علوم العربية وأنت خاوي الوفاض من علوم القرآن فعلمك بها ناقص )


يتبع ..







التوقيع

لم يبق معيَ من فضيلة العلم ... سوى العلم بأني لست أعلم .
 
رد مع اقتباس