[frame="7 80"]وكما أشرنا من قبل فإن بيكاسو يعدّ النموذج الأوضح للمصوّر الذي يمتلك كلتا المقدرتين: مخيلة خارقة مع مقدرة على الرسم لا تجارى. ولعل هذا يفسر التنوع الهائل في الطروحات التي قدمها بيكاسو في مسيرته الفنية.
قدّم الرسام في الدراسة ( 16 ) مقترحاً في غاية الروعة للمرأة المفجوعة ، بحيث جعلها تتسلق سلـّماً معدنياً بصورة معبرة لدرجة عظيمة. إن من يمعن النظرفي هذا الرسم سيدرك أن هذه الأم لن تتمكن من التسلق وهي على وشك السقوط وهذا ما تأكده حركتها وتعبير وجهها اليائس شكل( 35 ).
[frame="9 80"]شكل ( 35 )[/frame]
لكنه سيقوم بتكرار هذه الدراسة بالشمع الملون شكل ( 36 ) ، وهذه من الدراسات القليلة الملونة. فهل كان في ذهنه حين رسمها صورة الرجل الذي يتسق السلم هرباً من المنيـتور Minotaur في المحفورة المسماة مينتور ماشي شكل ( 8 ) قبل سنوات عديدة.
[frame="9 80"]شـكل ( 36 )[/frame]
في العاشر من أيار أي قبل البدء بالعمل على اللوحة بيوم واحد ، أجرى بيكاسو خمس كروكيات من بينها بورتريه Portrait للثور بالشمع شكل ( 37 ) ، حيث أعطاه وجه آدمي فيه شيء من وجه الرسام نفسه. و هو بدون شك يصنف مع سلسلة رسوم فويلاّر / المنيتور / Minotaur حيث يرسم بيكاسو ـ كما يقول الطرابلسي ـ صورته المثالية عن نفسه متجسداً شكل الثور ، رمزاً للقوة و الفحولة و بين هذين الحدين ـ الثور رمزاً للوحشية و الظلامية
[frame="9 80"]/ الثور رمزاً للجمال و القوة ، تجري عمليات مراجعة و تصحيح و تعديل و تحجيم و توازن إلى أن يستقر الفنان أخيراً على تحديد موقع الثور من اللوحة و بنائها الإجمالي ، و علاقاته بسائر الشخصيات ، حركته ، التفاتته ، اتجاه نظرته ... إلخ ، واستقراره على شخصية الثور / المخلـّص لا يتم إلا بعد أن ينقل جسمه الذي كان يحتل النصف الأيسر إلى الزاوية اليسرى منها فقط. ( انتهى كلام الطرابلسي ) . و هذا لن يتم إلا في المرحلة الرابعة من مراحل العمل باللوحة.و قد جرّب الرسام هذا المقترح قبل أن يعتمد الوجه الذي نراه في الاسكتش رقم ( 15 ) بعد أن أدار وجهه من جديد نحو مركز اللوحة. لكنه سيركـّب هذا البورتريه على جسد الثور في اليوم ذاته الذي وضع فيه التخطيط الأولي للوحة على القماش ليتـبـيّـن ( يجرّب ) النتيجة فيم إذا كان سيعتمده هو أم الشكل الآخر. و بالطبع لم يرق الرسام هذا الشكل لأن طابعه يختلف عن الطابع الاختزالي المميز لشخوص اللوحة شكل ( 38 ). هذا بالإضافة إلى المقترحين ( 39 ) و ( 40 ).
عندما كان يحاول في التخطيطين ( 19 ) و ( 22 ) - حسب د. شاكر عبد الحميد - أن يحدد شخصية الثـور وصل إلى أسلوب للجمال الكلاسيكي كان من الممكن ألا يتم إدراكه في ضوء اللوحة الجدارية ككل. و بناءً على ذلك فإن الثـور الذي كان يحاول الوصول إليه ( ثــور الغيرنيكا ) وجد أن النتيجة التي وصل إليها بشأنه قد جاوزت الهدف ، و من ثم كان لزاماً عليه [/frame]
شكل ( 37 ) شكل ( 38 )
شكل ( 39 ) شكل ( 40 )
أن يقوم بتصحيحها وفقاً لمتطلبات التصور الكلي ( انتهى كلام د.شاكر عبد الحميد ) .و هذا يرجح أنه تم رسمه قبل الشروع باللوحة.
جـ ـ مرحلة العمل بالغيرنيكا:
سنقسم مراحل العمل باللوحة إلى سبع مراحل و ذلك وفقاً للصور الفوتوغرافية السبعة الموجودة بين يدينا بالإضافة إلى صورة اللوحة الأصلية.
المرحـــلة الأولى:
شكل ( 41 )
[frame="9 80"]ذكرنا أن الاسكتش رقـم ( 15 ) كان الأساس الذي نقل عنه الرسام تخطيطه إلى اللوحة الرئيسة. لذا نجده قد رسم الثور بنفس الوضعية الموجودة في هذا الاسكتش ، حيث رأسه ملتفتاً نحو مركز اللوحة. لكنه سرعان ما سيمسحه ليديره نحو جهة اليسار . و هذا الوضع للرأس صار نهائياً حتى اللوحة النهائية. أمـا السبب من وراء ذلك فالرسـّام أعلم. غير أننا نمتلك تفسيراً ربما يكون منطقياً ، و هو ظهور المرأة الثكلى حاملة الطفل بهذا الوضـع ، حيث ظهرت جالسة تمد رجليها كمن لا حول له و لا قـوة تندب ( تعوي ) كذئبة بـيأس و قنوط ، ما دعا الثور للاستجابة لاستغاثتها حيث اقترب وجهه من وجهها. و هكذا نرى أن عملية إنجاز اللوحة هي عملية تسلسل للأحداث يشارك فيها الفنان حيث يـبني و يهدم " . فيما مضى كان الفنان يدرج في رسم لوحاته خطوة خطوة. كان كل يوم يأتي إليها بجديد. و هكذا كانت اللوحة بمثابة مجموع إضافات. أما عندي فاللوحة هي مجموعة اختزالات. إني أرسم صورة ، ثم أهدمها ، على أنها في النهاية لا تفقد شيئاً ، فاللون الذي انتزعته من مكان يظهر في مكان آخر. "
فهو يتصرف في الفن تصرفه مع الأشياء. " فسيّان عندي أن أرسم نافذةً و أن أطل من نافذة.
و إذا لم يرقني منـظر نافذة مفتوحـة في إحدى لوحاتي أغلقتها و أسدلتُ عليها الستار مثلما قد أفعل في غرفتي تماماً " كما أن هذه المرأة أخذت وضعها و شكلها النهائي. " ثـدياها العاريان لا يعلنان أية رغبة في الإثـارة ... و رأسها المنخلع إلى الخلف يطلق عويلاً نفهمه بأية لغة كانت. " و بالتالي أهمل كلٌ من المقترحين اللذين يمثلانها تتسلق السلم.
في الواقع فإن كبر مساحة اللوحة اضطر الفنان لإجراء هذا العدد الكبير من الكروكيات
- و هذه ميزة الجداريات - و كذلك لجوئـه إلى تسجيل مراحل تطورها عن طريق التصوير الفوتوغرافي . و من المؤكد أن عملية التصوير هذه عملية تكنيكية بالدرجة الأولى . و ليس القصد منها التوثيق أو إنارة سير إنجاز اللوحة ، لأن بيكاسو نفسه يقول: " إني أرغب في بلوغ مرحلة لا يصبح فيها بوسع انسان أن يدرك كيف أرسم لوحاتي. فما الغاية من ذلك ؟ لا شيء سوى أني لا أريد أن تعبـّر لوحاتي إلا عمـّا يعتلج في نفسي."
كل هذا مكـّن الفنان من السيطرة على أدواته معتمداً على مجموعة من المحاور الرئيسة للعمل و مجموعة من الأشكال التي تمّ اعتمادها على الورق لتنقل - كما هي - إلى المساحة الكبيرة. من هذه العناصر المرأة حاملة القنديل بحيث يشكل محور هذا القنديل محوراّ رئيسياً ينصـّف اللوحة شاقولياً ، متجاوزاً جسد الفرس و رأسها وصولاً إلى حافة رأس المحارب الممدد. بالإضافة إلى محورين مائلين يشكلان هرماً يمثـل ثقل اللوحة. " إن جسم الجدارية يحتله مثلثٌ كبيرٌ يرتسم بين ذروة عند طرف قنديل الزيت و بين ضلعين ينحدران منه إلى قدم المرأة الهارعة يميناً و يد المقاتل الشهيد يساراً. و هكذا ترتسم بنية اللوحة ببساطة هندسية. مستطيلٌ كبيرٌ يضم مثلثاً و مستطيلين ( مصراعين ) عند كل طرف من أطرافه. " يشير د. فاروق البسيوني إلى أن بيكاسو استفاد في إحكام تكوين اللوحــة من التكوين الهرمي للوحة دولا كروا ( الحريـة تقـود الشعـب ) [/frame]
و من هذه العناصر أيضاً البيت و الثور و الفرس. أما التعديلات و الشخوص التي أضافها في التخطيط الأول فهي:
1ـ في أقصى اليمين ظهرت إمرأة تعج بخطوط متشابكة على شكل ألسنة اللهب بحيث تبدو محترقة. يداها مرفوعتان للأعلى و كذلك رأسها ، و قد امتدت ألسنة اللهب حتى سطح البيت
و النافذة الخلفية . يربط د. بسيوني بين هذا الشكل و هذا الرسم للرســام الفرنسي آنـجـر شكل ( 42 ) ، و تفصيلاً من لوحة دافيــد ( نساء سابيــن ) شكل ( 43 ) في تصوير حركة الاستغـاثـة و امتداد الذراعين لأعلى.
شكل ( 42 )
شكل ( 43 )
2ـ ظهور طائر يتجه للخروج من خاصرة اللوحة اليمنى ، و لن يرتاح له الرسام أبداً لذا لن يلبث أن يمحوه بدائرة سوداء في المرحلة الثانية. ففي الصياغات الأولى - يقول أحمد الطرابلسي -
" لا يتردد الفنان في إطلاق العنان للتعبير عن مشاعره و انطباعاته و صوره الأشد غريزية و فجاجة و بدائية و مباشرة. إلا أنه في صياغات لاحقة لا يلبث أن يجابه كل حالة من هذه الحالات بنقيضها. و هو في حالة من ردّ الفعل و المراجعة الدائمة تجاه انطباعاته و انفعالاته و صوره. "
3ـ من بين الأجساد التي كانت ممددة أسفل الاسكـتش رقـم ( 15 ) تمّ اعتماد جسدين:
الأول:
امرأة ممددة بشكل متناظر مع جسد المحارب حيث وجهها للأعلى مستسلمةً - بسكينة - لموتٍ أقربَ للنوم . حتى ظهرتْ عندَ قمةِ رأسها زهرةٌ . ينسب الطرابلسي هذه الزهرة إلى يدِ المحاربِ " من قبضةِ المقاتلِ تشبُّ الزهرة الصغيرةُ العنيدةُ. يفاجئكَ حضورُها وسط هذا الركام
و الموت . لكنـّها التفصيل الصغير الذي يعيد تركيب المشهد كلـّه من جديد ، مانحاً إياه زخماً
و دينامية جديدين. فكأنها تسند الجدارية كلـّها و تشكلّ نقطةَ توازنِها السحريةَ ، و لكنـّه توازن هشّ مضطرب. "
في بداية الرسم ظهرت الوردة ملاصقة لرأس المرأة الميتة. لكنه بدءً من المرحلة الثانية ( وفقاً لاعتبارات شكليـّة و تعـبيريـّة ) تمّ تصغيرُ الرأسِ فابتعدتْ الوردةُ عنهُ قليلاً. و حينما قررّ إلغـاءَ الرأسِ كلـَّه بقيت الوردة وحيدة مما دفعه إلى منحها إلى يد المحارب ، و هذا ما دفع الطرابلسي لأن ينسبها لهذه اليد. أما قدما المرأة فقد ضاعتا وسط الخطوط الممثلة للمرأة المحترقة.
الثـانــي:
المحارب - يسميـّه الطرابلسي مصارع الثيران - و قد تمّ رسمُه بطريقة مباشرة و بدائية ، عارياً مكشوف العورة. و ثمة ذراعٌ لا يمكن أن تـنـتمي له تشريحياً ، رُفِعـَت للأعلى كمحور شاقولي ثانٍ ، و في الوقت الذي من المفترض فيه أن تمثل ذراع المحارب اليمنى ، فهي تبدو مثل دراسة تشريحية لذراع يسرى لتمثال مرفوعة للأعلى تحمل مشعلاً أو شيئاً آخـر. و هذا ما سيفعله في المرحلة الثانية. يقول أرنهيم: " إنّ هناك عدة عيوب في هذا الحل الذي حاوله بيكاسو في هذه الحالة - أي وضع ذراع المحارب الثابت المتجه لأعلى في منتصف اللوحة - فاتجاه الذراع يعمل على مضاعفة وظيفة الثور و كذلك العمود المركزي الذي يوجد على قمته مصباح الضوء الذي تحمله المرأة - و قد تمت الإشارة إليه في الرسم بواسطة خط رأسي - و هذه المضاعفـة لمراكز أو أبراج القوة ـ كما يقول أرنهيم لم تقم بتقوية التكوين ، و لكنها أضعفته. فقبضة اليد يمكنها بالكاد أن تجاري رأس الثور أو المصباح في دلالاتهما. إنها مجرّد قـوة كتلة من العظام و العضلات ، غير قادرة على الرؤية أو الكلام ، أو حتى ابتعاث الضوء . " في حين تمتدّ يده اليسرى بنصلة الخنجر لتلامس رأس المرأة القتيلة التي يظهر طائراً ميتاً بجوارها. و وفقاً لما سبق معرفته - يقول د. شاكر عبد الحميد - من الاسكتشات وخاصةً( 2 ) ، ( 6 ) فإنه اشارةً الى أنّ حتى روحها قد ماتت .
4_ أما المرأة التي ظهرت في الاسكتش ( 15 ) تحمل الطفل فقد تخلـّت عنه لصالح الأخرى التي استجاب لهاالثور فانطلقت وحيدة باتجاه مركز الحدث ، حافية القدمين - كما يقول الطرابلسى - مكشوفة العورة نصف عارية . وفي أحد أطوار تأليف الجدارية ، وضع بيكاسو في يدها قطعةً من ورق المراحيض ، تجسيماً لعنصر المباغتة ، بل دفعاً لحد الهزل والعبث ولتصبح هكذا" علامة استفهام حية"
المرحــلة الثانـيـة :
شكل ( 44 )
من جهة الرسم فان شيئاً لم يتغيّر بشكل جوهري عدا بعض الإضافات والتعديلات الجزئية ساعد عليها قيا م الفنان بما يمكن تسميته بالفرز اللوني لبعض مساحات اللوحة .
بين محور القنديل والمحور الشاقولي الثاني الموازي له من جهة اليسار ، قام الرسام بتظليل هذه النقطة من جسد الفرس . بحيث أعطى للشكل ثقلاً لونياً مركزيّاً .ثمّ ظلّـل رقبة الفرس ورأسها موضحاً تفصيلاتهما تأكيداً منه على مركزيّة الفرس في اللوحة. كما قام بتفعيل لغالبيّة القسم السفلي من اللوحة عن طريق تظليل لمساحات معيّنة وفقاً لمحاور وخطوط معيّنة. وهذه العمليّة يقصد بها _ عادةً_ إثارة معطيات ومفاتيح جديدة من أجل الارتقاء بالشكل .
إنّ أكثر هذه الخطوات لفتاً للنظر تلك الدائرة السوداء التي أزال بها طائر الجهة اليمنى ، وكأنّ الرسّام هنا يتعامل مع اللوحة بمنطق المعركة. فالدائرة السوداء ليست الاّ(قنبلة لونيّة) رماها الفنّان في أقصى اليمين ليرى ما ستحدثه من معطيات بصريّة وما سينجم عن وجود هذا الثقل اللوني
/ Tone / في هذه المنطقة .
من خلال قيام الرسّام بهذا الفرز اللّوني للمنطقة السفلى نجد أنّ ثمّة تغييرات حدثت . من جملتها جسد المرأة الميتة حيث ظهر لها قدمان وتنّورة. بينما تحوّل الطائر الميت إلى يد لها ، كما ظهرت يد أخرى فوق وجهها يحار المرء فيماذا كانت لها أو للمراة الهارعة . وهذه الأخيرة ستفيد كثيراً من هذه العمليّات بحيث انّ ثمّة خطّاً أفقيّاً يرسمه الفنّان بنهاية كعب المرأة المحترقة ، سيقود الفنّان الى خطوة هامّة بحيث سيمنح هذه القدم مع الساق القوي الى المرأة الهارعة ، وهذه ستمثّل تطوّراً وكشفاً سارّاً للفنان ، وما دفع الفنان إلى هذه الخطوة ضياع النصف السفلي للمرأة الهاربة حيث راح الرسّام يفتّش لها عن ساقين وهذا الصراع بين المرأتين على الحيّز / المكان / ستحسمه المرأة الهارعة لصالحها ، وستخلي لها الأخرى المكان لاحقاً .
يوضّح لنابيكاسو هذه العمليّة وتعقيداتها بلسانه قائلاً " عندما نبدأ في رسم لوحة ، كثيراً ما نقع على كشوفات فـتّانة . ولكن علينا أن نحترس منها . ونحطّم ما صنعناه . ونعيد صنعه مرّات عدّة . فالفنّان إذ يحطّم كلّ كشف برّاق لا يقضي عليه فعلاً وإنّما يطوّره ويركّزه ويستخلص زبدته . والذي يتمخّض في النهاية هو ثمرة الكشوفات المنبوذة . فما لم نفعل ذلك أصبحنا كمن يتملّق نفسه ، وانّي لأرفض التغرير بنفسي ...!!"
كما سيقوم بتحوير وجه الميتة ليصبح أكثر تجريداً وتعبيريّة .ولكن ماذا عن المحارب ؟ منذ بداية التخطيط بدا رسم المحارب يعاني من مشاكل عدّة (وهذا ما يؤكّده لجوء الفنّان إلى تغييره مرّات عدّة أثناء العمل ) لذلك يقوم الفنّان عن طريق المساحة السوداء التي شغل بها جسد الفرس بقطع هذه اليد لأنّها تسبّب مشكلة بعبورها - كما يقول د. شاكر عبد الحميد - منطقة ذات أهميّة حاسمة ( جسم الحصان ومركز الهجوم والتدمير ) وكي يستبعد بيكاسو هذا العبور تمّ فصل القبضة عن جسم المحارب ومن ثمّ تحميلها باقة من السنابل على خلفيّة لقرص الشمس (هل هو قرص عبّاد الشمس أم الشمس نفسها ؟ ) كلّ هذا بالإضافة إلى الدرجات السوداء التي وضعها في الأسفل حول جسد المحارب جعله في وضع مشتّت تماماً ، دفع الرسّام للبحث عن حل لهذه المشكلة .
المرحـلة الثـالثـة :
شكل ( 45 )
تمثّل المرحلتين الثالثة والرابعة أهم مرحلتبن في انجاز اللوحة على الإطلاق . ففي هاتين المرحلتين حدثت أهم التطورات في بناء اللوحة لذلك سنعمد إلى دراسة كلّ عنصر على حدا في هاتين المرحلتين :
- الفرس :
كنّا ذكرنا أنّ الكروكيّات من ( 23 ) إلى ( 61 ) أجراها الفنّان أثناء العمل باللّوحة . فإذا عدنا إلى الدراستين رقم ( 28 ) ، ( 29 ) شكل ( 46 ) و ( 47 ) نستطيع القول أنّهما ألهمتا الفنّان القيام بإجراء التغيير على رأس الفرس. فبطريقة لا يقدم عليها أحد آخر سوى بيكاسو يقوم بنزع الأنف والجبين من أسفل الرأس ( لأنّه كان مقلوباَ في المرحلة الثانية ) ووضعه في الأعلى . ثمّ نزع الأذنين كذلك ووضعها في منطقة علويّة لاتنتمي للرأس حتّى ، تاركاً أنيابها العلويّة الكبيرة هكذا في الفك السفلي ....!! كما وضع عينان دائريّتان اختار لهما مثلّثاً بين الوجه والأذنين . يقول
- جون برجر - "إنّ ما تتعرّض له شخصيّات اللّوحة (الغيرنيكا ) خلال عمليّة الرسم هو المعادل الخيالي ، لما تعرّضت له في لحمها وهكذا نتحسّس الألم بعيوننا ، وما الألم إلا احتجاج الجسد" طبعاً هذه العمليّة تعطينا فكرة بليغة عن طريقة بيكاسو في التفكير . اذ أعطى لنفسه مقداراً من الحرّية بحيث لم يعد ثمّة ما يردعه عن إجراء أي خطوة على مستوى الشكل . وقد قيل عنه أنّه الوحيد الذي يستطيع أن يدير ظهره للعالم.
وهكذا فمن خلال هذه العمليّة أخذت الفرس بمحاولة النهوض وهذه لها نتيجة هامّة حيث ستمهّد لخطوة كبيرة.
في خطوة جديدة يقوم الرسّام ببعض الكشط للمساحة السوداء في جسد الفرس ، وهنا يظهر جرح كبير في ظهر الفرس استفاد الرسّام في رسمه من خلال الخطوط الممثّلة لمرفق الذراع المرفوعة للمحارب .
_ المحارب :
كما ذكرنا فإنّ المحارب صار في وضع مشوّش جداً في المرحلة الثانية . وها هو بيكاسو يقوم بتعديل موقعه بشكل معاكس فيصبح رأسه من الجهة اليسرى منكبّاً على وجهه . يقول د .شاكر عبد الحميد "ربّما كان من غير المناسب جعل الثور يقف على _ بروفيل _ الوجه الجانبي للانسان ، وربّما ايضاً أنّ الفكرة المتعلّقة بالتواصل الضروري مع الثور كانت قد بدأت في الاتضاح لدى بيكاسو ، أو أنّ فكرة العزل أوالفصل العضوي البسيط للمجموعة عن بعضها البعض كانت وما زالت لها الغلبة والسيادة في اللّوحة " . كما يكشط المساحة السوداء التي غطّت جزءً كبيراً من رأسه وجذعه في المرحلة الثانية ليقوم ببعض التفصيلات. كما تحوّلت ساقه اليمنى الى يده اليمنى لتصبح اليد الممسكة بنصلة الخنجر هي اليسرى . وبالرغم من إجراء دراسة مستقلّة لها رقم (24) فانّه سيبقي عليها كما هي ولتبقى منتمية لجسد المحارب بطريقة ما . أمّا الذراع المرفوعة فقد تم بترها و إزالتها من المنطقة العلوية لسببين:
一- أنها تمثّل تكراراً للمحور الّذي يشكّله القنديل.
二- أنّها تمثّل رمزاً نضاليّاً خشي الفنّان أن يفسّر على أنّه إشارة للحزب الشيوعي الّذي ينتمي له من جهة ثانية ، وهذا ما يرفضه بيكاسو لأنّ غايته الشموليّة النضاليّة للّوحة ضدّ القهر. هذا فضلاً عن الرسم الضعيف لهذه اليد.
إن الغيرنيكا -كما يقول هيلتون – ذات مقاصد سياسية بالتأكيد ، لكن لا شيء هناك غير الوسائل الفنية . بيكاسو لم ينس أربعين عاماً من كونه فناناً جمالياً ومتباهياً وحاذقاً نتيجًة لغارة قصف. وأي نوع من التمعن في الصورة باعتبارها تعليقاً على أحداث راهنة سيغفل بالضرورة كل ما نعرفه عن بيكاسو كإنسان وفنان. عدا ذلك إن (الرمزية) لا تساعد على تقديم تفسير سياسي. و قد استطاعت غيرنيكا - كما يقول عبد العـظيم الضامن - أن تحقق توازناً دقيقاً بين صفتيها في العمل و وظيفتها في الإيحاء ، بما تريد أن تؤكده فنياً و سياسياً . و هذا ما تذهب إليه جيرترود شتاين أيضاً . وقد محيت القبضة المطبقة ، ولم تدخل الصورة . أما د.شاكر عبد الحميد فيقرأ هذا التعديل من زاوية تشكيلية على أن له جوانبه السلبية أيضاً فنصوع ( أو إضاءة ) المشهد العلوي الشديدة يقلل من ضوء المصباح الصغير . لذلك فهو يضعف بطريقة سيئة إسهام المرأة حاملة الضوء وهو أقوى تماماً من أن يكون متضمناً داخل المساحة الموجودة فوق مؤخرة الثور وأكثر من ذلك فإنه يصنع ( يكوِّن ) رمزاً إيجابياً يحتكر المنطقة التي لا بد من أن العدو قد هاجمها. وهكذا يخفي الرسام الحصان عن الأنظار الذي لا بد من أنه تعرض لنفس الهجوم. وهكذا تم تغيير وضعية المحارب – الكلام لشاكر عبد الحميد – واستبعاد يده مما ساعد كثيراً في إراحة الحشد الموجود بالمنطقة المركزية . والآن بالقرب من الثور والأم فإن رأس المحارب يقيم رابطة قوية بين المثلث المركزي والجناح الأيسر من اللوحة .
_المرأة الهارعة:
قام الرسام بما عزم عليه في المرحلة الثانية وهي ضم الرِّجل الكبيرة مع ساقها التي كانت تنتمي للمرأة المحترقة إلى المرأة الهارعة . وهذا استوجب ساقاً قوية يمنى ، ومن أجل هذه القدم ضحى الرسام بجسد المرأة الميتة غير نادم فهو قد حصل على شكل في غاية الروعة للمرأة الهارعة لا سيما و قد رسم لها يداً تتدلى. وأكمل خط الكتف فأضاف لها إليتان جعلتاها تتحول من وضعية جر نفسها إلى وضعية الاندفاع فبعد أن كانت تبدو تجر جسدها بصعوبة أصبحت تندفع بسرعة لكن ظهرها غدا شبه مكسور. وهكذا ذهب جسد المرأة الميتة وكذلك كُنِّس عود الزيتون الملقى عند قدم الفرس . و بقي رأس هذه المرأة لعلَّ الرسام ينظر في وضعه في وقت لاحق . بعدما وصل الرسام إلى هذه التعديلات لجأ إلى عملية تكتيكية من أجل المحافظة عليها ومن أجل إظهار عناصره الرئيسية وتوضيحها ، وهي إشغال الخلفية بالأسود / تعتيمها / وهكذا برزت أشكاله تماماً ، أما المرأة المحترقة بعدما خسرت قدمها اليسرى حلقت في الهواء وأعطت الانطباع الآن بأنها ألقت بنفسها من شرفة أو نافذة لكن الحريق انطفأ في البيت . وقد ترك الرسام المنطقة التي تعلو ظهر الثوردون تعتيم بعد أن أُلغيت الذراع مع السنابل كما تحول عباد الشمس إلى شكل أفقي سيصبح مصباحاً كهربائياً فيما بعد.
حين نظر الرسام إلى الصورة الفوتوغرافية للمرحلة الثانية لاحظ دون شك الفراغ الذي ساد المنطقة اليسرى / الزاوية العليا / من اللوحة ، فعمد إلى قسم المنطقة قسمين ليشغلها بصرياً حيث عتم ما حول المرأة الباكية . وحين وجد أن هذا لا يكفي رسم هلالاً ....!! وهذا الهلال ستكون له أهمية كبيرة جداً.
من خلال الدراسات
التي رسمها بيكاسو أثناء عمله باللوحة الأصلية ندرك أن شكل المرأة الباكية ظل يؤرقه . لذا يحاول من خلال الدراسات،
الوصول إلى بديل عن الشكل المرسوم ، إلا أن واحدة من هذه الدراسات لم تقنعه لذا أبقى عليها حتى النهاية.
يقول د.فاروق بسيوني ان بيكاسو هنا يستلهم ايقاع الحركة التعبيرية في تمثال ( برنيني )
هذا و بعد أن تم نوع من التمايز في الدرجات اللونية توضحت الأشكال أكثر ، لذلك صار الآن بمقدورنا أن نجري مقارنـــة بين المرأة حاملة القنديل ولوحة سلفادور دالي
( إغفاءة ) . علما ان اللوحتان موقعتان في نفس العام 1937
. ويشير د.فاروق بسيوني
الى ان بيكاسو حين رسمه للمرأة حاملة القنديل يستلهم وجه تمثال افروديت شكل
للنحات الاغريقي براكستيل ، وكذلك يستلهم بساطة التحوير في ذلك الوجه الاغريقي
، مازجا كليهما في توليفة شكلت ملامح العديد من شخوصه بعد ذلك ثم يعود د.بسيوني للقول بــأن بيكاسو استلهم حركة الذراع وشكل رأس المرأة في لوحة دولا كروا
و كذلك شكل رأس المرأة في رسم للفنان الفرنسي آنــجـر
حيث نجد أن الرأس في اللوحات الثلاثـة يأخذ شكلاً واحداً تـقـريبـاً يتميز في هيئته بالاندفاع من اليمين لليسار.
ما ينطبق على المرأة الباكية ينطبق على الثور ، فبيكاسو يترك جميع الأبواب مفتوحة والخيارات متعددة للوصول إلى أشكاله ، و لعل غزارة مخيلته وأفكاره هي التي تضعه أمام هذه الخيارات المتعددة . وهكذا فبرغم الدراستين
فإنه لن يُجري على الرأس سوى تعديلات بسيطة ليس لهاتين الدراستين علاقة بها في حين أن الشريط الأسود الذي يعبرمؤخرة الثور – كما يقول عبد الحميد – يعلن أن هذه المنطقة من اللوحة تشير إلى عنصر الإدانة لما حدث .
في هذه المرحلة حدث تغيير جذري في حركتي كل من الثـور و الفرس تحديداً يمكن أن يوصف بأنه عمل عبقري حيث كان بيكاسو مُلهَماً في تلك اللحظة ولا شك . لكن هذا لا ينفي حقيقة أن ثمة أربعة عوامل دفعت بالفنان لأن يقوم بهذا الإجراء الهام - الذي و لا شك - اعتبره الرسام نفسه فتحاً عظيماً.
أ ـ ظهور الهلال في الزاوية اليسرى ، مما أوحى للرسام أن يحرف جسد الثور للجهة المعاكسة. يقول أرنهايم: " إن أي فراغ هو دعوة للابتكار ، فالحيز الخالي عند الطرف الأيسر تم وضع هلال فيه و يبدو أن هنالك معنىً بسيطاً يرتبط بهذا الجسم العلوي الجديد . إنه يبدو كما لو كان يجيب ببساطة عن النداء بأن أحداً يجب أن يكون هناك . هل كانت الحاجة لهذا الذي ملأ الفراغ هي التي أوحت بتدوير الثـور . إن التقدم ملحوظ . فبحركة استراتيجية واحدة قام المصور بتعديل اتجاه الثور ، فالثور الآن يواجه المنظر و مع ذلك فإن رأسه بعيد عنه ، و المساحة الفارغة باليسار تم ملؤها بذيله المتحرك ، و الأم و الطفل تم تطويقهما و تدعيمهما بواسطة جذعه ، و تم استعادة الجذع الخلفي من جسم الحيوان من منطقة المركز ، و قد اعتبر أرناهيم هذا ابتكاراً عبقرياً." لكن فيرمجيه يذهب إلى النقيض من ذلك بقوله" إن حركة الإستدارة التي فـُرضت فرضـاً على الثـور قد زادت من عـدم ارتـباطـه و غرابة حضوره. إنه لا يشارك في الذي يجري حوله بل و يمثل هول المشهد الذي نراه ، و هكذا يمكن أن نعـتبره رمزاً ليلياً شريراً بالنسبة للرمز النهاري الغني بعطائه ، و المتمثل بحاملة المصباح. " لكنه يذهب إلى أبعـد من ذلك - حسب الضامن أيضاً - حين يرى فيه الثور الذي لا يدل على شيء ، و حتى يمكن القول في حدود معينه بأنه لا شيء ..... يمكنه أن يكون أي شيء ترغـب فيه تصورات المشاهد: الشر ، القوة الشرسة ، الخيـر ، فضيلة المقاومة ، أو مجرد ثـور في استطبل. غير أن فارقـاً كبيراً في لغـة كل من آرنهايم و فيرمجيه ، فالأول يقيّم هذه الخطوة من منظار تشكيلي بحت ، أما الثاني فينظر إليها بما تحمله من رموز و دلالات.
ب ـ ظهور الفراغ فوق ظهر الثور بعد مسح الذراع و السنابل.
ج ـ تشتت جسد الفرس و حالة الارتباك التي ظهرت بها هذه المنطقة من اللوحة.
د ـ الشكل اللامعقول لرأس الفرس الذي توصل إليه الرسام.
و هكذا يرسل الرسام جسد الثور إلى اليسار ليصبح على نقيض الشكل الذي ظهر به في أول تخطيط على اللوحة ، مما أوجد مساحة كبيرة دفعت الرسام ليرفع رأس الفرس عالياً إلى ما تحت المصباح الكهربائي بحركة مسرحية تماما ً. و هكذا تبدو الفرس و قد أفلتت من يد الرسام الذي ما فتئ منذ بداية الرسم يُعمِل في تشريحها و التمثيل بها ، مطلقة صهيلاً قوياً يذكر
. و قد ظهر ثقب آخر في بطن الفرس ورمح قصير مغروز في ظهرها ، وثمة عصاً مكسورة كأنها إحدى قدمي الفرس. يقول د.عبد الحميد: إنه أثناء العملية الابداعية فإن الثغرات و العقبات و المنافذ المادية أيضاً تتفاعل بطريقة مستمرة مع متطلبات المعنى . و أن العمل يثمر من خلال التقدم عبر هذه المستويات المختلفة للموقف المُشكَّل بطريقة متأنية . فالمعنى يتطلب ضرورة أن يرفع الحصان رأسه ( كل الذين تناولوا هذا الموضوع أطلقوا على فرس الغيرنيكا ـ الحصان ـ ) بحيث تحدث صرخة الاستغاثة
و المعاناة التي يطلقها عند نفس المستوى و الفخر أو الزهو الذي يكون عنده الثور محتفظاً بهدوئه و تماسكه و رأسه المراقب للأحداث . و لدرجة أن الاستغاثة توجه و تنتقل إلى ذلك البعيدالثاني الذي هو قريب في نفس الوقت ولم يكن الحصان ليستطيع أن يرفع رأسه ما لم تكن هناك مساحة تمكِّنه أن يضع رأسه فيها " .
نعود إلى المرأة المحترقة حيث يقوم بيكاسو بإلغاء يدها اليمنى و رسمها في الأسفل كما لا يجد ما يفعله بالدائرة السوداء فيقوم بدمجها وسط التعتيم الذي عمَّمه على كامل اللوحة تقريباً لكي يتعرف على ما أنجزه.
هناك ملاحظة صغيرة: ثمة خطان كانا يمثلان ما بين كتفي الثور قبل دورانه ، و بعد الدوران سيبقى هذان الخطان يشكلان مساحة بيضاء وسط العتمة و هذه المساحة ستصبح السكين االتي ستذبح الطائر فوق الطاولة . إن تنظيم المساحة ذاتياً قد لا يكون هو الهدف الأساسي للفنان لأن المساحة ـ كما يقول د.عبد الحميد ـ هي فقط وسيلة من أجل الغاية. و لكن أن نهمل المشكلات و الفرص الشكلية ، أو نتجاهلها باعتبارها أقل أهمية ، فإن هذا معناه أننا نتناسى أن الفنان يفكر من خلال الأشكال. قبل أن يترك بيكاسو هذه المرحلة يقوم بوضع قطعة من الكولاَّج collage على جسد المرأة الهاربة ليجرب فيما إذا كان سيعمد إلى زخرفة ثوبها أم لا.
يلاحظ في المرحلة الرابعة أن جميع الأشكال قد أخذت شكلها النهائي تقريباً ، عدا ثلاثة عناصر رئيسة هي: المحارب ،و المرأة المحترقة ، و رأس المرأة الميتة . لذلك سيتم التغيير على هذه العناصر بالإضافة إلى المساحات السوداء الكبيرة التي شغلت سطح اللوحة حيث صارت بحاجة للمعالجة . أضف إلى ذلك بعض التعـديلات البسيطة هنا و هناك.
بعدما أجرى الفنان دراسة منفصلة ليد المحارب اليمنى رقم ( 45 ) شكل ( 64 ) نقلها إلى اللوحة مع الذراع. أمـا رأس المرأة الميتة فقد بَرِم به الفنان . إذ لم يعد له مكاناً . و لن يكون وجود هذا الرأس مقطوعاً شيئاً لطيفاً فمسحه مع الوردة.
أما المرأة المحترقة فقد كادت تضيع وسط العتمة ، لذلك أعاد الفنان صياغتها من جديد فأصبحت بحال أحسن / غرافيكياً / و ذلك عن طريق إعطائها درجة فاتحة جداً كما رفعت يديها الاثنتين للأعلى ، فعملت _ مع النافذة و ألسنة اللهب _على إعادة التوازن لهذه المنطقة . و قد تم جعل شكل المرأة المحترقة /المتهاوية/ أكثر انسيابية "والهندسة الجديدة للأضواء جعلتها أكثر تناسباً مع الأسلوب الأكثـر شكلية للوحة، مما كان عليه حالها السابق الأكثر واقعية" .
في هذه المرحلة يقوم الفنان بمعالجة المساحات القاتمة ، عن طريق إشغالها بأشكال
و مساحات بين الأسود و الأبيض . فحتى هذه المرحلة لم تكن مسألة التدرج اللوني واضحة بشكل كاف. و هذا عن طريق عمل تمايز في الدرجات على جسد الثــور ، و إيجاد مساحة رمادية فوق المرأة حاملة القنديل ، و حول المرأة الهاربة بالإضافة إلى جسد المرأة المحترقة الذي تحول - فيما يبدو - إلى قطعة من الحطب.
من الملاحظ هنا نزع قطعة الكولاَّج collage عن جسد المرأة الهاربة.
بين المرحلتين الخامسة و السادسة لا نرى أي تطوير أو تغيير على مستوى الشكل . لكننا نستطيع القول أن الرسام قام بتصوير اللوحة بعدما وضع أربع قطع كولاَّج collage ليرى تأثيرها فيما إذا كان سيعتمدها أما لا ، واحدة فوق جسد المرأة الناحبة ، و اثنتان فوق المرأة الهاربة ، الأولى على جذعها و الثانية على شعرها . أما الأخيرة فمثلت جسد المرأة المحترقة ( لم يشر أي من الدارسين إلى مسألة الكولاج collage التي لجأ إليها بيكاسو. لكن د.شاكر عبد الحميد يشير إلى التعديلات البسيطة ، بينما ليس هناك ثمة تعديل في اللوحة ) .
لم تعجب الرسام أي من هذه الكولاجات فقام بنزعها جميعاً . لكنه سيستعيض عن ذلك بشغل جسد الفرس بنوع من التهشير ليعطي تنوعاً بصرياً و هو ما كان يسعى إليه من وراء الكولاَّج collage غير أن هذا العمل دفع مصطفى يحيى للقول " فنرى القتلى الأبرياء يتشبثون بالسكين التي ذبحوا بها ، و يطعنون حصان الإشاعات الصحفية الزائفة ، و النساء غاضبات في مقاومة شديدة ، و ذلك الثور الغاشم المسيطر على التكوين و الحصان الصاهل الصارخ"
و هذا التحليل مستغرب تماماً كما تحليل فيرمجيه حيث يصف الحصان" كريهاً سافلاً و هو يمثل بدون شك في نفسية الرسام إسبانية العنصرية." و قد انفرد فيه مصطفى يحيى دون غيره.
لقد أحيط مصباح الكهرباء باللون العاتم ، كما رسمت ( لمبة ) كهربائية داخله و ثمة تغيير طفيف طرأ على وجه الثور زاد من قوة التعبير . أما الفراغ العاتم بين رأس الفرس و الثور فقد شغله الرسام برسم طائر تذبحه سكين من جسده هو فوق طاولة خشبية . ففي هذا الركن المنزوي في مؤخرة اللوحة إلى اليسار ـ يقول الطرابلسي ـ تمسي الطاولة مذبحاً و الطائر ذبيحة و اللقطة صورة طقوسية . من الملاحظ أن موضوع المحارب ظل يسبب المتاعب للفنان حتى ما قبل الانتهاء من اللوحة . فرسم له العديد من الدراسات التي تميزت بالتعبير الصارخ إلى درجة الرعب في كل من الدراسات
و الضعف و البدائية في الدراستين
إلى أن يصل إلى الوجه المناسب تماماً في الدراسة
من خلال الدراسات التي تميزت بالتعـبير المفزع نتوقع بأن بيكاسو كان يضمر في نفسه أن يفصل الرأس . و ما أن يصل إلى الشكل المقنع حتى يقوم بذلك . حيث تتوضح قدم الفرس اليسرى فتتقدم للأمام و تفصل رأس المحارب عن جسده . و في حركة ينسف فيها كل الدراسات التي أجراها للرأس يقرر أن هذا الرأس لتمثال و ليس كما كان يحاول هو أن يجعله مفزعاً . و ثمة سهم عند مكان الفصل. و قد أدير الوجه للأعلى بشكل نهائي . إن هذا التغيير باتجاه الرأس يرتبط مباشرة بابراز المساحة ثلاثية الأبعاد ـ كما يقول د.شاكر عبد الحميد ـ في الجناح الأيسر من اللوحة . و قد خدمت الأرضية المستوية للوحة في حماية وجه المحارب من إمكانية تهشيم قدم الثور له أو إخفائها للتعبيرات البادية عليها . تمت دراسة شعر المرأة حاملة القنديل بخطوط متعرجة ، و بعد هذه المرحلة سوف لن يكون هناك أي تعديل باستثناء الخطوط / التقليمات على ثوب المرأة الباكية و توضيح الوردة التي صار لها مغزىً جديداً بعدما ارتبطت باليد المبتورة للتمثال.[/frame]
[frame="2 80"]مع ارق الاماني لكم
بالفائدة [/frame]