أميرةُ الإجابات !
( إزميليـَّةٌ على صفحةِ الماء )
د. نديم حسين
وجهُها ظلُّ الدُّخانِ على جِداري . يقَعُ غَربَ علامةِ السؤالِ النحيلةِ .. وهو - وجهُها - شمسٌ تكذِبُ أشعَّتَها على نهاري .. وساعةٌ يدويـَّةٌ تنظرُ دون أن ترى وقتي الذي صَمَت ، وتسألُني :
هل أنتَ هو ؟! قتيلُها المحارب ؟ والخاطئُ التـَّائِب ؟ والخائفُ المُناوِب ؟
لكَ خطوةٌ حافيةٌ وخائفة . ولك الغروبُ العظيمُ الذي ينامُ في فِراشِك . ومساؤُكَ الغُرابُ الذي ينعقُ تساؤلاتهِ الحائرة :
أما زلتَ تدَّعي أن موتَ التينِ ناضِجٌ ولذيذٌ ؟ وأنت الحِقبَةُ الشاحبة، وريحٌ تطوي شراعَها لتنام ؟! على تعبِك تحطُّ الحمائمُ . ومنكَ تقومُ الأزقَّةُ لتذهبَ في مَنامِ نائمةٍ ونائِم .. طفولتُكَ تلعبُ في ساحةِ الكَونِ الخلفيـَّةِ . وبيتُكَ ذاكرةٌ يسكنها الغياب . ومدينةٌ باكيةٌ تهفو لعابرِ السبيل ، وما من سبيل ! وإطارُ لَوحةٍ ، مربَّعٌ ومحايِدٌ وآسِرٌ . لشوارعك ذاكرة الخُطى ، وللإقامةِ ذاكرة ، تشهَدُ أنـَّكَ كُنتَها ، غَبَّ الحُلوقِ النـَّاكِرَة . ألهذا كلهِ يصحو الندى عَرَقًا على جلد الجدار وظلـِّهِ ؟ ويتطفَّلُ القمرُ الشَّقيُّ على سريرةِ سروةٍ تنامُ واقِفَة ؟ ألهذا تسقطُ الحروفُ عن أصابعِ خائفٍ وخائفة ؟ وتذرو ما تقول العاصفة ؟!
- تُحالُ أوراقُهُ كلُّها إلى مُفتي البلاد .. ويتدلَّى من علامةِ السؤالِ حتَّى الموت !!
نعم سيِّدَتي الكريمة ! أنا هُوَ !.
تمنحُني المساءاتُ وقارَ الهدوءِ النائمِ في غياهبِ البلاد . ونافذتي الضاحكة بخبثٍ كثيرٍ توبِّخُ سذاجَتي . وقنديلي يقولُ :
- ستبكي تلك النافذةُ عمـَّا قريبٍ ، وستبكي أختُها في المرآةِ ، وبعدَ بكاءِ النوافذِ يأتي " الربيعُ " !! ويأتي رجلٌ شرَّدتهُ الأزقةُ فيها ، وقبلَ النوافذِ يبكي " الخريفُ " !.
- نعم أنا هوَ !! أودِّعُ بحري ، أصيرُ المضيقَ ، وأتوقُ لسَفَرٍ كحجرٍ ثقيلٍ من كفِّ المنجنيقِ إلى أسواركِ .. وكقلبٍ ثقيلٍ أطيرُ إليكِ من ماءِ بَحري الغريق !.
- تُحالُ أوراقُهُ كلها إلى مُفتي البلادِ ... ويتدلـَّى !!
عيناكِ عميقتان كسِرَّينِ . من آخر الليلِ ترجعُ الدروبُ التائهة إليهما .. العُمقُ والغموضُ دافئانِ .. وخلفَ ظَهري تصمتُ الأشياءُ .. وتبكي كلَّ أشلائها الأشلاءُ .. نعم ، أنا هوَ ! خـَدٌّ يُطِلُّ من نافذةٍ باردةٍ على رعيةٍ ساخنةٍ من القُبـَل .. يطلُّ ساكتًا وشاحبًا وعاليًا كرأس سروةٍ تنام واقفة ، لتجاورَ الكواكبَ ، فإذا رأيتِ وردةً تبكي عليَّ قولي : هذي بلادي ! وإذا رأيتِ امرأةً تعلـِّقُ ما ابتـَلَّ من شموسِ عمرها على جنوب القلبِ ، قولي : هذي بلادي ! وإذا رأيتِ بذرةً تأتي مع الرياحِ لكي تمضي إلى رحم الوهادِ ، قولي : هذي بلادي !
- نعم ، أنا هو ! .. وتُحالُ أوراقي ....!
سيدتي ، هذي المدينةُ لكِ ولي ! .. عميقة كزرقة السماء .. صادقةٌ كلحظةِ الدعاء .. ولا تصدِّقي دموعَها إذا بكتْ لغيرِنا ! أو غازلتْ جحافلَ البَغاء ! .. فقلبُها في صَدرنا ، ودمعُها من عيننا ، وروحُها منذورَةٌ لأجملِ الأسماء .. وإنني كليمُها المَكلومُ ، عادلُها المظلومُ ، وكلُّ ما تبقَّى منها ها هنا ، قصيدتي ! من الجِّلدِ إلى الجلدِ قلتُ نيراني وما أطفأَتني .. صار قلبي ضريحَ لساني .. وصدري النازِفُ قِرابَ سيفٍ دمشقِيٍّ ، يعرفُ أن الأرضَ لا تُلقي قماشَها على بدَنِ الجبانِ ! .. وأنا .. أنا . ما دمتُ باقِيًا هنا . يُعيدُني الموتُ دائما إليها .. ويُعيدُني في عـِزِّ الحياة أدراجي إليها .. وهنا أَردى المهرِّجَ حُزنُها ودموعُهُ .. وهنا أحيتهُ دموعُها ، فعينُها سِراجُ جسَدهِ .. وكوَّة روحهِ ..
ظِلُّ الدخانِ على جداري وجهُها . واظلُّ دليلي على شمسٍ وقامةٍ وأرض ! وأنتِ يا أيتُها السائِلةُ الجميلةُ ، يا أجمَلَ السائِلاتِ ، تظلـِّينَ هنا ، أميرةً للإجاباتِ الصحيحةِ ، وسيِّدةً للحياة ! سيِّدةَ الحياةِ ! والمعلـَّقَةُ على علامةِ السؤالِ نِهاياتِ الوُلاةْ !..
- نعم ، أنا .. أنا . وتُحالُ أوراقي إليكِ فاكتُبيني .. واقرئيني .. واقتليني .. وادفِنيني بذرةً في معاصِمِ الحُماةْ !!..