الموضوع: عملة نادرة
عرض مشاركة واحدة
غير مقروء 23-08-2005, 04:03 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
محمد ذهني
أقلامي
 
إحصائية العضو







محمد ذهني غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى محمد ذهني

افتراضي

استيقظت في اليوم التالي على رنين تليفوني الخليوي . أتاني صوت لم أسمعه سوى مرة واحدة فقط:
- السلام عليكم. أنا هبة أخت هشام.
- مدام هبة كيف....؟
- أخذت رقم هاتفك من رانيا. أود أن أشكرك على أنك بالأمس لم تتكلمي عن زياراتي لهشام.
لم أهتم لشكرها، وإن ومض خاطر في عقلي.
- هل ما زلت ترينه ؟ هل تعرفين مكانه؟
- لا لم أره منذ عامين.
- حسناً.أين هو ؟
- لا أعلم. آخر مرة كان في البيت القديم.
- ولكن البقال قال....
- البقال رجل عجوز لا يكاد يذكر شيئاً.
- ولماذا لا تقابلينه الآن؟
- لا يوجد مكان محدد له فضلاً على أنني مراقبة.
- مراقبة؟ ممن؟
- تلك التي فتحت لكِ الباب. أحضرها زوجي لتراقب تحركاتي. لا أخرج ولا أدخل دون أن ترافقني.
قلت في خيبة أمل:
- أي أنك لا تعلمين مكانه؟
- لا ولكنني أعلم شخصاً ربما يدلك.
عاد الأمل يرفرف على صدري ثانية . سألتها :
- من؟
- صديق قديم له يدعى كريم. يمتلك عدة شركات الآن. ألا ترين إعلانات شركة لوجيكا في وسائل الإعلام؟
سألتها مداعبة:
- وهل يسمح لكِ زوجك بمشاهدة وسائل الإعلام؟
سمعت ضحكتها لأول مرة ثم قالت:
- عندي تلفاز قديم جداً في حجرة نومي. لا يسمح لي زوجي بفتحه إلا في صلاة الجمعة. ولكن أحياناً يذهب زوجي إلى حجرة الخادمة. يدخن الحشيش ثم يضاجعها فلا يشعر بما أفعل أو يفعل ابني.
عقدت الدهشة لساني فاستطردت:
- لا يدهشك كلامي. الخادمة في الحقيقة جارية تجدد شباب زوجي بدلاً من زوجته الأربعينية. أنا لا أغضب منه فمشاعري ماتت منذ زمن، وابني يكرهه ويحلم بمغادرة البيت، وعلى فكرة ابني يعتنق أفكار خاله بدون أن يعلم . صدقيني لو قلت لكِ أن أنا ورانيا نحسد هشام. رغم المال والحياة الناعمة والأسرة. إلا أننا نخسر كل يوم بينما هو الرابح دائماً. رغم فقره وفشله ،و مثاليته الفارغة.
*******
استقبلني كريم الشرقاوي في مكتبه . كان مشغولاً جداً لدرجة أن السكرتارية رفضت تحديد موعد لي. أنقذني المال مرة أخرى، أخبرتهم أنني أمتلك ثروة في بنوك بريطانيا وأنني أريد التعاون مع كريم الشرقاوي. حصلت على موعد بعد ثلاثة أيام، قيل لي أنه لدي عشر دقائق فقط معه. استقبلني في حفاوة ودعاني للجلوس على الأريكة رفضاً للرسميات. قال لي وهو يمعن النظر في ساقيّ.
- علمت أنك سيدة أعمال تنوين استثمار أموالك في مصر.
- يبدو أن الموظفين عندك لا يفقهون شيئاًً. بمجرد أنني ادعيت ذلك صدقوني وأعطوني موعداً.
ظهرت عليه الدهشة وسألني:
- إذن أنتِ لا تريدين مقابلتي من أجل العمل؟
- لا.
على عكس ما توقعت ظهرت عليه آيات السعادة . وسأل في خبث:
- إذن ما نوع تلك المقابلة.
- أريد أن أسألك عن صديق قديم اسمه هشام مصطفى.
تغلبت دهشته على خيبة أمله وقال لي:
- هشام؟ هل مازال حياً؟
دق قلبي بعنف. هل يعرف عنه ما لا يعرفه الآخرون؟
- لا تندهشي. أنا توقعت لهشام منذ عشرين عاماً أنه سيصبح مجذوباً في الشوارع هذا إن لم ينتحر .
- ولم توقعت له هذا؟
- لأنني أعلمه أكثر من أي أحد. كنا زملاء في الثانوية وأصدقاء حتى بعد التخرج من الكلية. اتجهت أنا للعمل واتجه هو إلى الفلسفة والسياسة والأدب. قلت له أنا الرابح فضحك مني استهزاءً بكلامي. وبعد سنة أو أكثر كان هو يعاني الفشل من جميع الوجوه، بينما أنا أتقدم في طريقي وكنت على وشك إعلان خطوبتي. التقينا في إحدى المرات وكان معنا بعض الأصدقاء، وكان أحدهم يحكي عن إحدى قصص هشام. قلت له يومها: " هل مازلت تصدِّق نفسك؟ يا بني أنت ستظل هكذا. سأكون أنا غنياً أنعم بالحياة بين أولادي وأنت مجذوباً في الشوارع. وربما تقابلنا ذات يوم وأنا أتصدق عليك بجنيه." ثم قلت له ناصحاً: " يا هشام اترك المثالية وعش الحياة كما هي. إنها حياة قذرة ويجب على من يريد أن يعيش فيها أن يكون ابن عاهرة. يجب أن تكون ابن عاهرة" حتى أنه سألني يومها في خبث:"وهل أنت ابن عاهرة؟" قلت له "طبعاً".
أخذ جسده السمين يهتز من شدة الضحك وابتسمت أنا أيضاً.
- لم يبق من الأصدقاء أحد. كلٌ في طريقه.
سألته في قلق:
- و هشام؟
نظر إليّ في دهشة وقال:
- لماذا تريدينه؟
ارتبكت قليلاً ثم قلت:
- معي له أمانة.
- حسناً أنا لم أره منذ سنة. قابلته صدفة في الشارع وأنا في سيارتي. أخبرني أنه يعمل في مطبعة ، وأنه أصبح يجلس على مقهى ريش . إنه يحب كثيراً أن يقلد الأدباء. وقتك انتهى يا حلوة.
**********
أشعر باقترابي منه. في المقهى قال لي النادل:
- لم يأت المقهى منذ أسبوع. ربما تجدينه عن الأستاذ هلال عبد الحي الناقد الأدبي لأن هشام كان دائماً يجلس معه ، حتى أنهما توقفا سوياً عن المجيء.
في منزل هلال عبد الحي جلست أمام عجوز في الثمانين . كانت على وجهه ابتسامة جميلة:
- أهلاً وسهلاً. حضرتك تكتبين القصة أم الرواية؟
أجبته في حرج:
- لا هذا ولا ذاك.
تضاءلت مساحة الابتسامة قليلاً وقال:
- ظننت أنك ...... . إنهم لا يأتون كثيراً الآن .
- في الحقيقة أنا جئت أسألك عن هشام مصطفى.
- هشام؟ لو أنك جئت منذ ساعتين لوجدته يجلس في مكانك.
تراقص قلبي من الفرحة. رغم أنني لم أجده إلا أنه يأتي هنا. ساعتان فقط فرقت بين ذهابه و مجيئي . سآتي إلى هنا كل يوم حتى أجده.
- هو الوحيد الذي يأتي إليّ. كل الصغار كبروا وأصبحوا أدباء ونقاد،وتركوني للوحدة. إلا هو .ربما لأنه لم ينجح . نصحته كثيراً أن يصادق الأدباء ويجاملهم، وأن يزور المجلات الأدبية ويتعرف على المحررين .لكنه رفض وقال لي فني يتحدث عني. في الحقيقة أنا لا تعجبني قصصه. ولكني لا أصارحه بكل الحقيقة. وأحياناً لا أقرأ القصص وأقول له جميلة ومتكاملة. لم أستطع أن أفقده . وها هو قد ذهب إلى الأبد.
ماتت الفرحة في قلبي عند كلمته الأخيرة.
- ذهب؟
- نعم ودعني وترك لي حقيبة وقال لي أن أعطيها لأول من يأتي إلى هنا ويسأل عنه.
- وكيف عرف أن هناك من سيسأل عنه.
- لم يعرف. فقط كان يأمل. وقال لي "إن أحسست بدنو الأجل أحرق الحقيبة بما فيها".
- هل تعني أنني أستطيع أن.....
- نعم الحقيبة لكِ. لو علم أن هناك من سيسأل عنه بعد ساعتين فقط لأعطاه هذا الأمل.
سألته وقد انصرف جل اهتمامي إلى ما في الحقيبة:
- هل لي أن أترك لك أرقام تليفوني؟ ربما أتى مرة أخرى. أعطه الأرقام وقل له هناك من يريدك أكثر من أي شيء.
هز كتفيه في لا مبالاة وقال:
- حسناً ولو أني أعتقد أنه لن يأتي.
كنت أأمل أن أجد في الحقيبة ما يدل على مكانه. ولكنني وجدت ما يزيد عن ألفي ورقة . اكتشفت أنها رواياته ومجموعاته القصصية. أول ما خطر في بالي أن أنشر له كل هذا بأمواله لعله يظهر مرة أخرى. رضيت بهذه الفكرة وأحسست بالأمل أن أجده. لكن في الحقيبة وجدت مظروف كبير. فتحته فوجدت صورة قديمة له. نفس السن الذي قابلته فيه. رائعاً في نظري. أردت أن أقبله ، أن أهمس له "أحبك". لكني تذكرت العجوز الجالس أمامي منصرفاً عني بمتابعة التلفاز. وجدت في الظرف ورقة أخرى فتحتها. صدمتني أول كلمة قرأتها فأكملت والدموع تتصاعد إلي عيني:

نعي
" قلت :فليكن الحب في الأرض لكن لم يكن. أصبح الحب ملكاً لمن يملكون الثمن. ورأى الرب ذلك غير حسن"
توفي إثر حادث انتحار أليم. غرقاً في النيل العظيم. المغضوب عليه بإذن الناس. هشام مصطفى سليمان. وهو ابن كل من(لا يوجد) وأخ كل من( لا يوجد) وخال كل من(لا يوجد) . وصديق كل من( لا يوجد). والذي عاش وحيداً كالأجرب، ومات وحيداً كالكلاب. فعليه ألف لعنة. وجعل الله مثواه مع الأحرار والشرفاء والأدباء.وحسن أولئك رفيقاً. ولو في الجحيم.
ملحوظة: " لا عزاء للبشرية"







التوقيع

امض أيها الشبح متلقياً الخلاء بخلاءٍ أشد. مستعذباً التحدي بلا عونٍ ولا هدف. مستشرقاً ضربات المجهول ومفاجآت الغيب. مستعذباً الأمل والسخرية وذكريات الأحلام الجميلة
 
رد مع اقتباس