[justify]
﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ﴾:
﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ﴾ فعلان من رحم، كغضبان وسكران، من غضب وسكر. وهو لفظ لم يستعمل في غير الله عزّ وجلّ، ولم يستثنى عبر التاريخ إلا مسيلمة الكذاب، وقد لقبوه بـ "رحمان اليمامة" لكفرهم. والخلاف بين النحويين حول بنائه وصرفه، ورجح أن يعامل معاملة الألفاظ التي جاءت على شاكلته.
وقيل: الرحمنُ ليس مشتقاً لأن العربَ لم تَعْرِفْه في قولهم: ﴿وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾ الفرقان 60، لكن رد على هذا بأنهم جَهِلوا الصفةَ دونَ الموصوفِ، ولذلك لم يقولوا: وَمَنْ الرحمن؟
و ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ﴾ عند الجمهور من الصفات الغالبة، على قولين:
1) هناك من قال: هو بدلٌ من اسمِ الله لا نعتٌ له، إذ هو علم بالغلَبة وإن كان مشتقاً من الرحمـة، لكنه ليس بمنزلة الرحيم ولا الراحـم، فجاء على بناء لا يكون في النعوت. وإن ما يـدل على علميته وروده غير تابع لاسم قبله، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ 5﴾ طه، وقال: ﴿الرَّحْمَٰنُ 1 عَلَّمَ الْقُرْآنَ 2﴾ الرحمن. وإذا ثبتت العلمية امتنع النعت، فتعين البدل.
2) إنه لو كان بدلاً لكان مبيَّناً لِما قبله، وما قبله - وهو اسم الجلالة - لا يفتقرُ إلى تبيين لأنه أعرفُ الأعلامِ، ألا تراهم قالوا: ﴿وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ﴾ الفرقان 60، ولم يقولوا: "وما اللهُ".
خصوصية اسم الرحمن:
- من العلماء من عد ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ﴾ اسم الله الأعظم لقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾ الإسراء 110. وبإحصاء عن ورود اسم ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ﴾ في القرآن الكريم، نلاحظ أنه:
1. ورد اسم ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ﴾ في ثمانية وأربعين موضعاً من القرآن الكريم،
2. لم يقترن هذا الاسم بأي من الأسماء الحسنى سوى ﴿الرَّحِيمِ﴾،
3. اقترن بـ ﴿الرَّحِيمِ﴾ في ستة مواضع، ورد فيها كلها متقدماً على ﴿الرَّحِيمِ﴾،
4. المواضع الست: منها ثنتان في الفاتحة، والأخريات واحدة في كل من: البقرة، والنمل، وفصلت، والحشر.
- اسم الرحمن من الأسماء الذاتية الخاصة بالله عز وجل، لم يسمَّ بها غيره؛ وهو يتضمن صفة الرحمة لله عز وجل، الرحمن الرفيق بمن أحبَّ أن يرحمه، والبعيد الشديد على من أحب أن يعنف عليه، المتصف بالرحمة العظيمة التي لا يماثلها رحمة أحد من خَلقه، فرحمته وسعت كل شيء، وبرحمته وُجدت المخلوقات، وبرحمته اندفعت عنها كل نقمة.
- الرحمة تبدأ في كيان الإنسان، ففي الأثر في الحض على صلة ذوي القربى أن "الرحم" مشتقة من اسم ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ﴾*، وتنتشر في الكون كله، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "جعل اللهُ الرحمةَ مائةَ جُزءٍ، فأمسك عنده تسعةً وتسعين جزءًا، وأنزل في الأرضِ جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزءِ تتراحمُ الخلقُ حتى ترفعَ الفرُس حافرَها عن ولدِها خشيةَ أن تُصيبَه"**. والمولى جل وعلا يخبرنا أن رحمته وسعت كل شيء: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ الملك 19، ورحمة الله تتولى الطائر في بسطه لجناحيه وفي ضمهما. هذه الرحمة التي تتولى سائر المخلوقات حتى أصغر الأحياء، وإذا انتهى الأجل كان الرحمن: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا 93﴾ مريم 93.
* قال اللهُ تبارَك وتعالى: أنا الرَّحمنُ خلَقْتُ الرَّحِمَ وشقَقْتُ لها اسمًا مِن اسمي فمَن وصَلها وصَلْتُه ومَن قطَعها بَتَتُّه
الراوي: عبد الرحمن بن عوف
المحدث :شعيب الأرناؤوط في تخريج صحيح ابن حبان (443)
حكم المحدث: صحيح.
** الراوي: : أبو هريرة
التخريج: أخرجه البخاري (6000) واللفظ له، ومسلم (2752).
إضاءة على قولهم: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾:
لعل من المناسب أن نعرج أولاً على: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ الفرقان 60، وقد جاء استغرابهم لأحد أمرين:
- لفظة الرحمـن لم تكن معروفة عند العرب. وهذا يفسر اسـتغرابهم من اللفظة، فقالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾. فكان سؤالهم باسم موصول لغير العاقل، كاستفهام استنكاري مغلف بالسخرية. ولعل صيغة هذا الاستفهام ترجعنا لقول فرعون لموسى ﷺ: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ الشعراء 23.
ولعل المشركين استحضروا في أذهانهم مسيلمة الكذاب الذي سُمي برحمن اليمامة، إذ أنهم لم يسمعوا باللفظة قبل تسميته بها، ولعله هو المقصود في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْقَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ الأنعام 93،
هنا ملمح آخر مهم يشير إلى إعجاز القرآن الكريم. هؤلاء المشركون لم يتركوا وسيلة للاعتراض على نبوة الرسول ﷺ. هم أنكروا لفظة لم تأت في معجمهم اللغوي، فما بالك بسائر القرآن الكريم، أكانوا تركوه لو وجدوا فيه هنة أو ضعفاً؟.
- بل كانت معروفة لديهم، وثمة شواهد من الشعر الجاهلي على سابق معرفتهم باللفظة. روي عن حاتم الطائي قوله:
كُلوا اليومَ مِن رزقِ الإلهِ وأيْسِرُوا ..... فإنَّ على الرحمنِ رِزقكُمُ غَدا
وقول امريء القيس بن حجر الكندي:
تِلْكَ السَّحَابُ إذَا الرّحْمَانُ أرْسَلَهَا ..... رَوّى بِهَا مِنْ مُحولِ الأرضِ أيْبَاسَا
تِلْك الموَازينُ والرّحْمَــان أنزلها ..... ربُّ البرِيّــةِ بَيْنَ النّــاس مِقيَاســــا
كذلك عرفوا اللفظ إذ تسمى به كذاب اليمامة به. ولعل المشركين ظنوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاءهم بالتعدد حين طولبوا بالسجود للرحمن: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ الفرقان 60، وكأنهم استنكروا أن يجيء بالوحدانية لله، ثم يأتي بما ظنوه إلهاً آخر اسمه الرحمن، فعبروا عن استيائهم مما ظنوه تبدل في عقيدة النبي فازدادوا نفوراً.
[/justify]