الثورة.../18
بين الانهيار والصعود من الشمال، كانت مدن الجنوب المدمرة تعود للحياة "قرى صغيرة" بذاكرة عظيمة.
قبل الانهيار خرج كاهن شاب عن تقاليد البيت الذكوري التوحيدي، قال إن المرأة ليست شرّا مطلقا وإن الزانية تُقبل توبتها وإن السلطة المدنية ليست معصومة عن الخطأ ولا حتى السلطة الدينية، ورفض أن يتحول المعبد الى بيت مال وتجارة وكتابة عقود بين الناس بدل العهود مع الاله الواحد، وأن يوضع فيه الذهب والفضة ويكون وقفا وحكرا على الذكور في العبادة والشعائر والطقوس والتوبة دون النساء.
كانت تلك انتفاضة على هرمية متكاملة لا يمكن اختراقها تقوم على قاعدة السلطة للشيوخ ولا مكان للشباب والكهانة للآباء والأجداد ولا مكان للأبناء والاحفاد، وما كان لهذا الكاهن الثائر أن يُذكر في قصص التاريخ حتى لولا انهيار مملكة التوحيد وتفكك السلطة في مدنها المحترقة، كانت المركز القوي وصارت الأطراف المهملة التي عادت اليها الذاكرة المغيبة والتاريخ الغائب تحت سيف تلك "الفئة الناجية" التي لم تنجو.
عادت عبادة المرأة الأم الى الظهور بقوة تسامحها ولين طقوسها وشعائرها في جغرافية الجنوب المرهقة بالكاد يتلمس الناس فيها طريقا للحياة، وعادت الى ظهور الهة قديمة واساطير باقية وخرافات عميقة، ولكن في بيئة لا تحتمل الصراع السماوي ولا الأرضي، صار المعبد الأول في المدينة العتيقة بيتا للجميع يتسع لكل الالهة وكل الانساب وكل اللهجات والتواريخ في تناغم حتمي مع قوانين استمرارية الحياة.
صار الكاهن التوحيدي الثائر الها جديدا للأم المقدسة القديمة، يظهر عندما يدعوه الشعب لنجدته ورفع الظلم عنه، فلا يتأخر ولا يتردد، عاد الى الحياة "كبش فداء" بصورة وصوت وجسد الانسان، يموت ولا يموت، لقد تحول في داخل بيت التوحيد الى خطر عظيم كامن، وصل بأسطورته الى مدن الشمال الجديدة مهاجرا بدوره من الجنوب بلغته القديمة، حيث تكرر طقس موته وحياته، ثائرا على هيكل صار أكثر توحدا وانغلاقا وعلى شرائع صارت أكثر دموية وعنفا وعلى نصوص صارت أكثر غموضا وقلقا وعلى كهنة صاروا أكثر عدائية متمسكون بشدة بالسلطة الزمنية.
8/7/2017
صافيتا/زياد هواش
.../300