المكان.../8
أخطر أسلحة شياطين الشرق وابجديتهم المتوحشة، نفي احاديتي الزمان والمكان.
لعنة المكان، تلك الاساطير التي قالت ان الأرض ملعونة يسكنها الشيطان، ويديرها الذئب الضاري الزمان، أرض فناء لا خير فيها بل زاد صرف للآخرة حيث يوجد المكان المطهر الأبدي ويتعطل الزمان الفاني...!
في تعطيل أحادية الزمان وشيطنتها، تسقط حقيقة الذاكرة والهوية، ويتم الفصل المُدمر بين الانسان والأرض التي يقف عليها ويغرق في تفاصيلها، تتعطل "قوة الملكية" الفردية الخلاقة والجماعية المقدسة، وحيوية الدفاع عنها في حاضرها وتوريثها والحفاظ على تاريخها ومستقبلها، وتتعطل إيجابية الجوار القريب والبعيد والاختلاف اللغوي والحضاري وتلقائية التواصل والتشارك والتكامل واللقاء.
نفي قداسة وخلود المكان والزمان نفي للتوحيد، وتكريس لأبجدية التوحش "الفناء والعدم" أو قداسة العنف وشريعة القتل وعبادة الفرد المُغتصب وهوية الجماعة المستذئبة وأخلاق القطيع المُنتظر.
من اساطير "جغرافية التوحيد" نُعيد قراءة "رحلة العقل" قبل تزييفها وتزويرها وطمس آثارها ونتائجها، تلك الاساطير المتشابهة في القصة الخرافية العامة والغنية بالتفاصيل الجغرافية الخاصة، لقبائل بدأت حتمية استقرارها ودوّنت تجربتها على شكل (ذاكرة جماعية ولغة) لشعوب جديدة ارتقت بعلومها ودياناتها البدائية الى المعرفة ووصلت الى التوحيد والتنزيه عن طريق انبيائها وحكمائها وعقلائها ثم انحدرت الى عبادة الفرد/الاله عن طريق شياطينها وحكامها ومجرميها...
"الماء" الذي خُلق منه كل شيء حيّ هو "اللغة" التي نقلت الانسان من الغابة والكهف الى المدينة والبيت.
لقد تحرر "الانسان الناطق" من عبادة التجسيد الأبكم المعقد والضخم والثابت، الى تجسيد عبادته في رمز مادي أصغر وأقل تعقيدا يمتلك قصته الواضحة واسماءه المميزة وشريعته الانسانية وسننه وقوانينه التي تنطبق على الجميع.
لقد احتاج "الانسان في المدينة" الى نظام اجتماعي _ ديني واحد لقبائل صارت شعبا، ليقيم سلطة مركزية قادرة على تنظيم الحياة وترتيبها، وعندما تم له ذلك دوّن تلك الرحلة في اساطير عكست بوضوح وكثافة ذلك الصراع/الارتقاء من الفردية الى الجماعية ومن الاختلاف الى التشابه والتكامل، بين الرعاة والمزارعين وبين المقاتلين والصناع وبين الرجال والنساء، وصولا الى وحدة الالهة والشريعة واللغة والأرض والتاريخ.
1/7/2017
صافيتا/زياد هواش
.../300