السؤال 146 : هل صحيح أن الحنابلة هم في الحقيقة من الحشوية ( مجسمة ومشبهة )، وليسوا من أهل السنة والجماعة كما هو حال زنادقة الصوفية، وهل الكرامية من الحشوية الحنابلة وكذلك الظاهرية في الأندلس ..
الجواب:
يقول الإمام التاج السبكي في "إتحاف المتقين" [ج6/ص: 2]: ( اعلم أن أهل السنة والجماعة ................ ثلاث طوائف:
الأولى: أهل الحديث ومعتمد مباديهم الأدلة السمعية، أعني الكتاب والسنة والإجماع ..
الثانية: أهل النظر العقلي والصناعة الفكرية، وهم الأشعرية والحنفية، وشيخ الأشعرية أبو الحسن الأشعري، وشيخ الحنفية أبو منصور الماتريدي ..
الثالثة: أهل الوجدان والكشف، وهم الصوفية، ومباديهم مبادئ أهل النظر والحديث في البداية، والكشف والإلهام في النهاية ) اهـ
ويقول الإمام السفاريني الحنبلي في "لوامع الأنوار"[1/ص: 73]: ( أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: الأثرية وإمامهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه، والأشعرية وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى، والماتريدية وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى ) اهـ
وقال في ذات الكتاب [ج1/ص: 76]: ( قال بعض العلماء: هم [ يعني الفرقة الناجية] أهل الحديث يعني الأثرية والأشعرية والماتريدية ) اهـ
إنما أعلام الحنابلة الحشوية أو مجسمة الحنابلة، فهم ابن حامد وهو رأسهم والقاضي الفراء الحنبلي "أبو يعلى"، وابن الزاغوني وابن الرميلي والدارمي السجزي وهو من سجستان وهو غير الدارمي السمرقندي صاحب السنن، وشهد بتجسيمهم شاهد من الأثرية الحنابلة الأصوليين وهو الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه "دفع شبهة التشبيه" [ج1/ص: 15]: ( رأيت من تكلم من أصحابنا في الأصول، بما لا يصلح وانتدب للتصنيف، وهم ثلاثة: ابن حامد وصاحبه القاضي وابن الزاغوني صنفوا كتبا شانوا بها المذهب، وقد رأيتهم نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات على مقتضى الحس، فسمعوا أن الله سبحانه وتعالى خلق آدم على صورته، فأثبتوا له صورة ووجها زائدا على الذات، وعينين وفما ولهوات وأضراسا ويدين وأصابع وكفا وخنصرا وإبهاما وصدرا وفخذا وساقين ورجلين، وقالوا ما سمعنا بذكر الرأس، وقالوا يجوز أن يمس ويمس، ويدني العبد من ذاته؛ وقال بعضهم ويتنفس، ثم أنهم يرضون العوام بقولهم، لا كما يعقل، وقد أخذوا بالظواهر في الأسماء والإضافات، فسموا الصفات تسمية مبتدعة، لا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله سبحانه وتعالى ) ..
وبناءاً على ما تقدم فالأثرية الحنابلة براء من مجسمة الحنابلة الحشوية، الذين خالفوا حنابلة الأصوليين والشافعية واغتالوا كثير من أعلام الشافعية، فشذوا عن السلف من الأثريين الحنابلة ..
فكلمة الحشوية هي تعبير آخر لكلمة الزنادقة، وسموا بهذا الاسم، لأنهم حشوا الحق بالباطل، فأبطلوا الحق وأظهروا الباطل على أنه هو الحق ..
والحشوية المتقدمين أو مجسمة الحنابلة أهم أوجه مخالفتهم لأهل السنة والجماعة أنهم كانوا يأخذون بظاهر النصوص النقلية السنية والقرآنية مع ابطال التأويل والتفرد بصحة النقل مع تحيد العقل في صحة متن الأثر المنقول، وحشو مؤلفاتهم بإسرائيليات على أنها آثار مرفوعة صحيحة نقلاً، وقد جسموا صفات الله الخبرية ذات الظاهر الحسي كصفة اليد والوجه والعين على أنها صفات حسية حقيقية وشبهوا مع تجسيمهم صفات الخالق الخبرية بالمخلوق ..
ولقد كانت الكرامية امتداد لمجسمة الحنابلة غالى صاحبها محمد بن كرام في إثبات الفوقية الحسية والمكانية للحق تعالى؛ وأكد على أن الله جسم، لكن ليس كالأجسام، وإنه مستقر على العرش ومماس له مماسة حسية، كما قال الكرامية بقيام الحوادث بذات الله، وجاءت بآراء ومعتقدات خالفت فيها الفرق الإسلامية جميعا وعلى رأسهم أهل السنة والجماعة [الأثرية والأشاعرة والماتريدية] ..
أما الظاهرية التابعين لابن حزم الظاهري الأندلسي فهم أغلب الظن ليسوا مجسمة أو إنما قدموا الأخذ بظاهر النصوص النقلية الشرعية والعقدية على ظاهر مدلولها دون تعمق اجتهادي مخافة الوقوع بالخطأ من باب الورع وزيادة في الحيطة الحذر من الوقوع بالضلال، فأمنوا بالصفات الخبرية على ماهي عليه نقلاً دون تجسيم أو تحريف أو تشبيه أو تعطيل أو تأويل أو تكييف، كما كان أئمة السلف يقولون ..
ويقول شيخ الإسلام الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى، في شرح حديث النزول: ( فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِره وَحَقِيقَته وَهُمْ الْمُشَبِّهَة تَعَالَى اللَّه عَنْ قَوْلهمْ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ صِحَّة الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ جُمْلَة وَهُمْ الْخَوَارِج وَالْمُعْتَزِلَة وَهُوَ مُكَابَرَة، وَالْعَجَب أَنَّهُمْ أَوَّلُوا مَا فِي الْقُرْآن مِنْ نَحْو ذَلِكَ وَأَنْكَرُوا مَا فِي الْحَدِيث إِمَّا جَهْلًا وَإِمَّا عِنَادًا؛ وَمِنْهُمْ مَنْ أَجْرَاهُ عَلَى مَا وَرَدَ مُؤْمِنًا بِهِ عَلَى طَرِيق الْإِجْمَال مُنَزِّهًا اللَّه تَعَالَى عَنْ الْكَيْفِيَّة وَالتَّشْبِيه وَهُمْ جُمْهُور السَّلَف، وَنَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْره عَنْ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَالسُّفْيَانَيْنِ وَالْحَمَّادَيْنِ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْث وَغَيْرهمْ؛ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْحَقُّ فَعَلَيْك اِتِّبَاعَ جُمْهُورِ السَّلَفِ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّله عَلَى وَجْه يَلِيق مُسْتَعْمَل فِي كَلام الْعَرَب؛ وَمِنْهُمْ مَنْ أَفْرَطَ فِي التَّأْوِيل حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُج إِلَى نَوْع مِنْ التَّحْرِيف؛ وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَلَ بَيْن مَا يَكُون تَأْوِيله قَرِيبًا مُسْتَعْمَلًا فِي كَلَام الْعَرَب وَبَيْن مَا يَكُون بَعِيدًا مَهْجُورًا فَأَوَّل فِي بَعْض وَفَوَّضَ فِي بَعْض، وَهُوَ مَنْقُول عَنْ مَالِك وَجَزَمَ بِهِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ اِبْن دَقِيق الْعِيد؛ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَأَسْلَمَهَا الايمَان بِلا كَيْف وَالسُّكُوت عَنْ الْمُرَاد إِلَّا أَنْ يَرِد ذَلِكَ عَنْ الصَّادِق فَيُصَار إِلَيْهِ، وَمِنْ الدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ اِتِّفَاقهمْ عَلَى أَنَّ التَّأْوِيل الْمُعَيَّن غَيْر وَاجِب، فَحِينَئِذٍ التَّفْوِيض أَسْلَم )؛ ورد في "فتح الباري" لابن حجر [ج3/ص: 30] ..
والأثريين الحنابلة كانوا مفوضة ..
ويقول الإمام ابن الحسن الشيباني: ( اتفق الفقهاء كلهم، من المشرق إلى المغرب، على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، في صفات الرب عز وجل، من غير تفسير، ولا وصف، ولا تشبيه، فمن فسر اليوم شيئا من ذلك فقد خرج عما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفارق الجماعة، فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا، بل أفتوا بما في الكتاب والسنة؛ ثم سكتوا )؛ ورد في "شرح اصول الاعتقاد" للالكائي [ج3/ص: 432]؛ وفي "ذم التأويل" لابن قدامة [ص: 14]؛ اهـ