السؤال 122 : كيف نجمع بين ما يعتقده امام الحنابلة اعني الإمام احمد وقول الإمام ابن تيمية عن خلافة علي بن أبي طالب، فقد ورد عن الإمام احمد قوله : من لم يثبت الإمامة لعلي فهو أضل من حمار .
وقال ابن تيمية : نحن نعلم ان عليا لما تولى كان كثير من الناس يختار ولاية معاوية وولاية غيرهما .
وقال : ان فيهم من كان يسكت عن علي فلا يربع به في الخلافة لان الأمة لم تجتمع عليه . وكان بالأندلس كثير من بني امية يقولون : لم يكن خليفة وانما الخليفة من اجتمع الناس عليه ولم يجتمعوا على علي ([283]) .
--------------
[283] . انظر منهاج السنة ج4 ص684 وج6 ص418 .
الجواب:
يقول الإمام أحمد: ( من لم يثبت الإمامة لعلي فهو أضلُّ من حمار )؛ (1) ..
وقال رحمه الله تعالى: ( من لم يربّع علي بن أبي طالب الخلافة فلا تكلّموه ولا تناكحوه )؛ (2) ..
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: ( سألت أبي عن قوم يقولون: إن عليا ليس بخليفة، قال: هذا قول سوء ردي )؛ (3) ..
الحقيقة أن الإمام الحافظ ابن تيمية الملقب بشيخ الإسلام اتهم بأنه من الناصبة لتحيزه للأمويين في مواضع عدة ..
والحقيقة أن ابن تيمية رحمه الله تعالى، كان له مدرسة خاصة متميزة لحد ما، عن المدرسة الحنبلية هي المدرسة التيمية، لها اجتهادات مذهبية فقهية مضافة على ما أصله عند الحنابلة، إضافة إلى اجتهادات في العقيدة فيها شبهة بعض التهم التجسيمية الحشوية عند أهل السنة والجماعة الأشاعرة والماتريدية، وحتى الحنابلة الأصوليين، وفي كل الأحوال ومن باب الإنصاف فالرجل اجتهد فإن أصاب كان له أجرين، وإن أخطأ كان له أجر الاجتهاد فقط، أما النوايا فيحاسب عليها الله، لأنه هو العليم بما في القلوب، وهو حال أكثر الأئمة من العلماء المعتبرين، فكل رد ورد عليه إلا النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، ولا نزكي على الله أحد ..
والإمام الحافظ ابن تيمية دون الإمام فقيه الحفاظ ابن حنبل رحمهما الله تعالى، بالفضل فقد أجمعت الأمة على عدالة إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، ومذهبه الفقهي من المذاهب الفقهية الأربعة المعتمدة، ومنهجه الأصولي الاعتقادي السني هو واحد من المناهج الاعتقادية الأربعة المتعمدة عند أهل السنة والجماعة:
يقول الحافظ السفاريني الحنبلي: ( أهل السنة والجماعة ثلاث فرق : الأثرية وإمامهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه؛ والأشعرية وإمامهم أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه؛ والماتريدية وإمامهم أبو منصور الماتريدي رضي الله عنه وأما فرق الضلال فكثيرة جدا )؛ (4) ..
ومنهاج ابن تيمية صحيح بلا شك بالتبعية للحنابلة والمحدثين، مختلف نوعاً ما بالأصالة بالتفرد وهذا طبيعي فهو يعتبر إمام مجدد ومجتهد، لأنه أحدث مدرسة اجتهادية تبعها جملة من العلماء المعتبرين جمعوا في صفاتهم صفة الحافظ والناقد المحدث، والمحقق المؤرخ والمتتبع المفسر، أمثال الإمام الذهبي، والإمام ابن كثير، والإمام ابن القيم، والإمام ابن مفلح وهم من العلماء الأعلام البارزين في الأمة ..
ولكن موضوعنا الآن هل كان الإمام ابن تيمية كان من الناصبة؟ ..
أولا ننظر في كلام الإمام ابن تيمية في كتابه "منهاج السنة" المدرج بالسؤال أعلاه، وهو:
قول الإمام ابن تيمية: ( نحن نعلم ان عليا لما تولى كان كثير من الناس يختار ولاية معاوية وولاية غيرهما )؛ (5) ..
وقوله: ( إن فيهم من كان يسكت عن علي فلا يربع به في الخلافة لان الأمة لم تجتمع عليه، وكان بالأندلس كثير من بني امية يقولون: لم يكن خليفة وانما الخليفة من اجتمع الناس عليه ولم يجتمعوا على علي )؛ (6) ..
هذا الكلام وفق التتبع التاريخي يحتمل كثير من الصحة!، بسبب مسألة تأخر القصاص لدم الخليفة الراشدي الثالث عثمان الأنور رضي الله، فركن لصف معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، أهل الشام وكثيرا من أهل مصر تبعا لأميرهم عمرو بن العاص رضي الله عنه، وكثير من أهلي مكة من قريش ..
هذا وفق التاريخ وهذا ثابت عند المؤرخين الحنابلة أمثال ابن الجوزي وابن جرير، والمؤرخين التيمية أمثال الذهبي وابن كثير ..
ولكن من باب تبرئة ساحة الإمام الغالب علي بن أبي طالب رضوان الله وسلامه عليه، فإن التأخر من باب تحري العدالة في معرفة القتلة، دون أخذ أحد بجريرة أحد، فقد كان الإمام الغالب علي كرم الله وجهه، من أقضى الصحابة بشهادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصحيح المسند المرفوع ..
وهو يعني أن قتلته رضي الله عنه، كان غيلة وبليل فلم يتم تحديد الشخوص التي قامت بهذا الفعل بشكل دقيق، لأن القتل كان غيلة، إضافة أن من دارة عليه دائرة الفتنة اعتصموا بأقوامهم في أرض العراق، لذلك كان لا بد من التفاوض من تلك العشائر لتسليم الجناة ومن أكبر الأدلة على ذلك نقله كرم الله وجهه الخلافة إلى الكوفة ليبقى قريبا من الحدث وتطوراته ويسرع القصاص ..
ولكن غضب كل من معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص على موت استاذهم وابن عمهم ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه، عطل الأناة والحكمة عندهم ..
ونعود لموضوعنا ونقول أن تأليف ابن تيمية لكتابه "منهاج السنة" كان ردة فعل ورد على كتاب "منهاج الكرامة" للحلي، والذي وجد فيه مغالاة في تشيع الإمام علي على حساب المغالاة أيضا في عداء من يعاديه الرافضة من الصحابة، فأراد أن يوازن الأمر ويعيده لنصابه فإن أخطأ فقد أخطئ باجتهاده بذلك ..
ونقد أمير النقاد الحافظ الكبير شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني له في "لسان الميزان" [ج6/ص: 319و320]، لابن تيمية، حيث نقد فيه رده لأحاديث ابن المطهر "الحلي" الواهية وهي الأكثر بشهادة إمام النقاد ابن حجر في ذات المصدر، والجياد؛ والنقد كان برد الجياد منها أيضا! ..
واستشهد الحافظ بنقده بنقد الإمام شمس الدين السبكي في كتابه "الاستيفاء" في ترجمة ابن المطهر الحلي، حيث قال: ( فوجدته كما قال السبكي في "الاستيفاء" لكن وجدته كثير التحامل إلى الغاية في رد الأحاديث التي يوردها ابن المطهر وان كان معظم ذلك من الموضوعات والواهيات لكنه رد في رده كثيرا من الأحاديث الجياد التي لم يستحضر حالة التصنيف مظانها لأنه كان لاتساعه في الحفظ يتكل على ما في صدره )؛ (7) ..
وقال أمير النقاد الحافظ ابن حجر في "الدرر الكامنة" في ترجمة الحلي: ( له كتاب بالإمامة رد عليه ابن تيمية بالكتاب المشهور: "الرد على الرافضة"، وقد أطنب فيه وأسهب وأجاد في الرد، إلا أنه تحامل في مواضع عديدة، ورد أحاديث موجودة، وإن كانت ضعيفة بأنها مختلقة )؛ (8) ..
والحافظ العسقلاني رحمه الله تعالى، كان من أقل مخالفي نهج ابن تيمية نقدا له ربما لأنه وكما يقال أخذ بعض علمه من تلميذه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى ..
ولكن نقاده من مخالفيه أمثال ابن حجر الهيتمي المكي في "الفتاوى الحديثة" [ج1/ص: 114]، والإمام الكوثري في "جلاء العينين" [ج1/ص: 81]، والإمام السبكي في "الاستيفاء" كما أسلفنا؛ وغيرهم من المعاصرين أمثال الحافظ الناقد الغماري وتابعه السقاف والحبشي والمالكي وغيرهم ..
إلا أنه ومن باب الإنصاف أنقل هذا القول لابن تيمية في المنهاج، فربما نجده لم يكن ناقد بقدر ما كان عارض للأراء وترك التحكيم للقارئ، وسمته بها الاعتدال: ( والنصوص الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم تقتضي أن ترك القتال كان خيرا للطائفتين وأن القعود عن القتال كان خيرا من القيام فيه وأن عليا مع كونه أولى بالحق من معاوية وأقرب إلى الحق عن معاوية لو ترك القتال لكان أفضل وأصلح وخيرا؛ وأهل السنة يترجمون على الجميع ويستغفرون لهم كما أمرهم الله تعالى بقوله: { والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبوقنا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين امنوا ربنا إنك رؤوف رحيم }؛ وأما الرافضي فإذا قدح في معاوية رضي الله عنه بأنه كان باغيا ظالما، قال له الناصبي وعلى أيضا كان باغيا ظالما لما قاتل المسلمين على إمارته وبدأهم بالقتال وصال عليهم وسفك دماء الأمة بغير فائدة لهم لا في دينهم ولا في دنياهم وكان السيف في خلافته مسلولا على أهل الملة مكفوفا عن الكفار )؛ (9) ..
نجده رجح الحق من ذي السبطين، ووصف من عادى معاوية بالرافضي، ومن عادى الإمام الغالب بالناصبي، وهذا يدل أنه كان يركن إلى أهل الإنصاف والاعتدال إل حد ما ..
والقائلون في الإمام علي كرم الله وجهه، طوائف طائفة تقدح فيه وفيمن قاتله جميعا وطائفة تقول فسق أحدهما لا بعينه كما يقول ذلك عمرو بن عبيد ..
ووفق رواية أمير النقاد وشيخ الإسلام الحافظ في "الدرر الكامنة" [ج1/ص: 155]: أنه وقع وأعني ابن تيمية رحمه الله، في حق الإمام علي بسبعة عشر خطأ، لكنه أقر بخطئه واعتذر عنه واستغفر الله، بشهادة الحافظ الكبير وشيخ النقاد العسقلاني في حقه، وهو ما يبرأه من تهمة النفاق ببغض الإمام علي ..
عن أَبَي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لِي, فَقَالَ رَبُّهُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ, فَغَفَرَ لَهُ, ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا آخَرَ, وَرُبَّمَا قَالَ: ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ, فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي, فَقَالَ رَبُّهُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، فَغَفَرَ لَهُ ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا آخَرَ وَرُبَّمَا قَالَ : ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ, فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي, فَقَالَ رَبُّهُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ فَقَالَ رَبُّهُ: غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ )؛ (10) ..
وعن ابن مسعود وأبو موسى الخدري رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ( التائبُ من الذنبِ كَمَن لا ذنبَ له )؛ (11) ..
وفي النهاية فالعالم يكتب ما له وما عليه وصاحب الهوى يكتب ما له فقط ..
وهذا هو الميزان العادل في نقد العلماء ..
وصدق شيخ الإمام الأكبر الشافعي "وكيع بن الجراح" رحمه الله تعالى، حين قال: ( أهل العلم يكتبون مالهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا مالهم )؛ (12) ..
-----------------
(1)ورد في "أئمة الفقه التسعة" للشرقاوي [ج1/ص: 208] ..
(2)ورد في "طبقات الحنابلة" للفراء [ج1/ص: 45] ..
(3)ورد في "السنة" للخلال [ج1/ص: 235/ر:659] ..
(4)ورد في "لوامع الأنوار" للسفاريني [ج1/ص: 73] ..
(5)ورد في "منهج السنة" [ج4/ص: 684] ..
(6)ورد في "منهاج السنة" لابن تيمية [ج6/ص: 418] ..
(7)ورد في "لسان الميزان" لابن حجر [ج7/ص: 319و320/ر:1144] ..
(8)ورد في "الدرر الكامنة" لابن حجر [ج2/ص: 71] ..
(9)ورد في "منهاج السنة" [ج4/ص: 389] ..
(10)رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج6/ص: 2725/ر:7068]، ومسلم في "صحيحة" [ج17/ص: 78/ر:6919]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج3/ص: 123/ر:9003]؛ بإسناد صحيح، على شرط الشيخين؛ بتحقيق الأرنئوط في "المسند" [ج2/ص: 405]؛ ورواه ابن حبان في "صحيحة" [ج2/ص: 288/ر:622]؛ ورواه الحاكم في "المستدرك" [ج4/ص: 270/ر:7608]، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين؛ وخلاصة حكمه: [متفق عليه] ..
(11)رواه ابن ماجه في "سننه" [ج3/ص: 517/ر:4250]، بإسناد حسن؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:3446]؛ وحسنه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:3386]، ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:6803]؛ ورواه النجم الغزي في "إتقان ما يحسن" [ج1/ص: 189]، وقال: رجاله ثقات؛ وحسنه العسقلاني في "فتح الباري" [ج13/ص: 480]، وحسنه الصعدي في "النوافح العطرة" [ج1/ص: 95]؛ والزرقاني في "مختصر المقاصد" [ج1/ص: 228]؛ والسفاريني في "شرح الشهاب" [ج1/ص: 361]؛ وحكمه: [حسن] ..
(12)رواه الدار قطني في "سننه" [ج1/ص: 26]، بإسناد صحيح ..
================