السؤال 121 : روى عن ام المؤمنين عائشة انها قالت : لم ينزل الله فينا شيئا من القرآن ([281]) .
كيف يجتمع هذا النص المروي عنها مع ما عرف بيننا بآية الغار التي نزلت في حق أبيها أبي بكر رضي الله عنه ؟
وهناك من اشار إلى ان الذي رافق الرسول صلى الله عليه وسلم وكان معه في الغار هو عبد الله بن بكر بن اريقط الذي كان دليلا للرسول صلى الله عليه وسلم في طريقه إلى يثرب . وإلا فلماذا لم يشر سيدنا ابو بكر إلى هذه المكرمة والفضيلة الكبرى حين تنازع المهاجرون مع الانصار حول الخلافة وانما استدلوا قائلين : نحن عشيرة رسول الله واوسط العرب انسابا وليست قبيلة من قبائل العرب الا ولقريش فيها ولادة([282]) .
----------------
[281] . صحيح البخاري ج6 ص42 .
[282] . انظر البداية والنهاية ج6 ص205 .
الجواب:
عن يوسف بن ماهك، قال: ( كانَ مَرْوَانُ على الحجازِ، استعمَلَهُ معاويةُ، فخطَبَ فجعلَ يذْكُرُ يزِيدَ بنَ معاويةَ لكي يُبَايَعَ لهُ بعدَ أبيهِ، فقالَ لهُ عبدُ الرحمنِ بنُ أبي بكرٍ شيئًا، فقالَ: خُذُوهُ، فدخَلَ بيتَ عائِشَةَ فلمْ يقْدِروا، فقالَ مَرْوَانُ: إنَّ هذا الذي أنزلَ اللهُ فيهِ : { وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي } . فقالتْ عائشةُ من وراءِ الحِجَابِ : (( ما أنزلَ اللهُ فينَا شيئًا من القرآنِ، إلَّا أنَّ اللهَ أنزلَ عُذْرِي )) )؛ (1) .. يقول إمام النقاد الحافظ ابن حجر العسقلاني: ( قَوْلُهُ فَقَالَتْ عَائِشَةُ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ فَقَالَتْ : ( كَذَبَ مَرْوَانُ قَوْلُهُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِينَا شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عُذْرِي )؛ أَيِ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ النُّورِ فِي قِصَّةِ أَهْلِ الْإِفْكِ وَبَرَاءَتِهَا مِمَّا رَمَوْهَا بِهِ وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، فَقَالَتْ عَائِشَة رضي الله عنها: ( كَذَبَ وَاللَّهِ مَا نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَاللَّهِ مَا أُنْزِلَتْ إِلَّا فِي فلَان بن فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ لَوْ شِئْتَ أَنْ أُسَمِّيَهُ لَسَمَّيْتُهُ وَلَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ أَبَا مَرْوَانَ وَمَرْوَانُ فِي صُلْبِهِ )؛ وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ مِينَاءَ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تُنْكِرُ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بكر وَقَالَت إِنَّمَا نزلت فِي فلَان بن فُلَانٍ سَمَّتْ رَجُلًا وَقَدْ شَغَبَ بَعْضُ الرَّافِضَةِ فَقَالَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ ثَانِيَ اثْنَيْنِ لَيْسَ هُوَ أَبَا بَكْرٍ وَلَيْسَ كَمَا فَهِمَ هَذَا الرَّافِضِيُّ بَلِ الْمُرَادُ بِقَوْلِ عَائِشَةَ فِينَا أَيْ فِي بَنِي أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ عُمُومِ النَّفْيِ وَإِلَّا فَالْمَقَامُ يُخَصَّصُ وَالْآيَاتُ الَّتِي فِي عُذْرِهَا فِي غَايَةِ الْمَدْحِ لَهَا وَالْمُرَادُ نَفْيُ إِنْزَالِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الذَّمُّ كَمَا فِي قِصَّةِ قَوْلِهِ وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ إِلَى آخِرِهِ وَالْعَجَبُ مِمَّا أَوْرَدَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق الْعَوْفِيّ عَن بن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: ( نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ )؛ وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الزَّجَّاجُ فَقَالَ الصَّحِيحُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْكَافِرِ الْعَاقِّ وَإِلَّا فَعَبْدُ الرَّحْمَنِ قَدْ أَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ وَصَارَ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ { أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْل } إِلَى آخِرِ الْآيَةِ فَلَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَأَجَابَ الْمَهْدَوِيُّ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْإِشَارَةَ بِأُولَئِكَ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ أَشَارَ إِلَيْهِمُ الْمَذْكُورُ بِقَوْلِهِ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَبْلَ إِسْلَامِهِ ثُمَّ يُسْلِمُ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدْ أَخْرَجَ بن أبي حَاتِم من طَرِيق بن جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ نَزَلَتْ فِي عَبْدِ الله بن أبي بكر الصّديق قَالَ بن جُرَيْجٍ وَقَالَ آخَرُونَ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قُلْتُ وَالْقَوْلُ فِي عَبْدِ اللَّهِ كَالْقَوْلِ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَإِنَّهُ أَيْضًا أَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ وَمِنْ طَرِيقِ أَسْبَاطَ عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ نَزَلَتْ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ لِأَبَوَيْهِ وَهُمَا أَبُو بَكْرٍ وَأُمُّ رُومَانَ وَكَانَا قَدْ أَسْلَمَا وَأَبَى هُوَ أَنْ يُسْلِمَ فَكَانَا يَأْمُرَانِهِ بِالْإِسْلَامِ فَكَانَ يَرُدُّ عَلَيْهِمَا وَيُكَذِّبُهُمَا وَيَقُولُ فَأَيْنَ فُلَانٌ وَأَيْنَ فُلَانٌ يَعْنِي مَشَايِخَ قُرَيْشٍ مِمَّنْ قَدْ مَاتَ فَأَسْلَمَ بَعْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ فَنَزَلَتْ تَوْبَتُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَلكُل دَرَجَات مِمَّا عمِلُوا قُلْتُ لَكِنَّ نَفْيَ عَائِشَةَ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَآلِ بَيْتِهِ أَصَحُّ إِسْنَادًا وَأَوْلَى بِالْقَبُولِ وَجَزَمَ مُقَاتِلٌ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَنَّ قَوْلَهُ أُولَئِكَ الَّذين حق عَلَيْهِم القَوْل نَزَلَتْ فِي ثَلَاثَةٍ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ وَاللَّهُ أعلم )؛ (2) ..
السيدة عائشة أم المؤمنين تقصد بقولها فينا أي أبناء العتيق والرفيق الصديق الأكبر؛ وليس أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ما قد يتوهم البعض أو الصديق الأكبر رضي الله عنه وأرضاه ..
يقول الله تعالى: { يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } [الأحزاب : 32]
ويقول عز من قائل: { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً } [الأحزاب : 6]
وقوله: { يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً } [الأحزاب : 30]
وقوله: { وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ } [التحريم : 3]
وهذه الآية نزلت في أم المؤمنين زينب بن جحش رضي الله عنها، التي زوجها الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: { وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً } [الأحزاب : 37]
وغيرها من الآيات ...
يقول الله تعالى: { ِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [التوبة : 40]
عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ رضي الله عنه، حدَّثه، قال: ( نظرتُ إلى أقدامِ المشركين على رؤوسِنا ونحن في الغارِ؛ فقلتُ : يا رسولَ اللهِ! لو أنَّ أحدَهم نظر إلى قدمَيه أبصَرَنا تحت قدمَيه؛ فقال: (( يا أبا بكرٍ! ما ظنُّك باثنَين اللهُ ثالثُهما )) )؛ (3) ..
قال السهيلي في الروض: ( ألا ترى كيف قال: لا تحزن ولم يقل لا تخف ؟ لأن حزنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم شغله عن خوفه على نفسه )؛ (4) ..
فالصديق لشدة محبته وتفانيه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، لم يكن يهتم لذاته بل كان حزين على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن تبعه بالحق إذا أصابه مكروه ..
وقد روى المحب الطبري: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد ذكر عنده أبو بكر فبكى وقال: ( وددت لو أن عملي كله من عمله يوما واحدا من أيامه وليلة من لياليه وأما الليلة فليلة سار مع رسول الله صلى الله عيه وسلم إلى الغار فلما انتهيا إليه قال والله لا تدخله حتى أدخل قبلك فإن كان فيه شيء أصابني دونك فدخله فكسحه ووجد في جوانبه ثقبا فشق إزاره وسد بها تلك الثقب وبقي منها اثنان فألقمهما رجله ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ادخل فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع رأسه في حجره فنام فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر فلم يتحرك مخافة أن يستنبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقطت دموعه على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( ما لك يا أبا بكر ))؛ قال لدغت فداك أبي وأمي فتفل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب ما يجده ثم انتقض عليه فكان سبب موته )؛ (5) ..
لما ذكر رجال على عهد عمر رضي الله عنه فكأنهم فضّـلوا عمر على أبي بكر رضي الله عنهما، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فقال : ( وَاللَّهِ لَلَيْلَةٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ خَيْرٌ مِنْ آلِ عُمَرَ، وَلَيَوْمٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ خَيْرٌ مِنْ آلِ عُمَرَ، لَقَدْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَنْطَلِقَ إِلَى الْغَارِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَجَعَلَ يَمْشِي سَاعَةً بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَسَاعَةً خَلْفَهُ حَتَّى فَطِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ: (( يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا لَكَ تَمْشِي سَاعَةً بَيْنَ يَدَيْ وَسَاعَةً خَلْفِي؟ ))؛ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَذَكُرُ الطَّلَبَ فَأَمْشِي خَلْفَكَ، ثُمَّ أَذَكَرُ الرَّصْدَ ، فَأَمْشِي بَيْنَ يَدَيْكَ ، فَقَالَ: (( يَا أَبَا بَكْرٍ ، لَوْ كَانَ شَيْءٌ أَحْبَبْتَ أَنْ يَكُونَ بِكَ دُونِي؟ ))؛ قَالَ: نَعَمْ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا كَانَتْ لِتَكُونَ مِنْ مُلِمَّةٍ إِلَّا أَنْ تَكُونَ بِي دُونَكَ ، فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الْغَارِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَكَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَتَّى أَسْتَبْرِئَ لَكَ الْغَارَ ، فَدَخَلَ وَاسْتَبْرَأَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي أَعْلَاهُ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَبْرِئِ الْحُجْرَةَ، فَقَالَ: مَكَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَتَّى أَسْتَبْرِئَ الْحُجْرَةَ، فَدَخَلَ وَاسْتَبْرَأَ، ثُمَّ قَالَ: انْزِلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَزَلَ )، فَقَالَ عُمَرُ: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِتِلْكَ اللَّيْلَةُ خَيْرٌ مِنْ آلِ عُمَرَ )؛ (6) ..
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: ( لَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْغَارِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي فَلأَدْخُلَ قَبْلَكَ، فَإِنْ كَانَتْ حَيَّةٌ أَوْ شَيْءٌ كَانَتْ لِي قَبْلَكَ، قَالَ: (( ادْخُلْ ))، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَجَعَلَ يَلْتَمِسُ بِيَدَيْهِ، فَكُلَّمَا رَأَى جُحْرًا جَاءَ بِثَوْبِهِ فَشَقَّهُ ثُمَّ أَلْقَمَهُ الْجُحْرَ، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ بِثَوْبِهِ أَجْمَعَ، قَالَ: فَبَقِيَ جُحْرٌ فَوَضَعَ عَقِبَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَدْخَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحَ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( فَأَيْنَ ثَوْبُكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ )), فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي صَنَعَ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ، فَقَالَ: (( اللَّهُمَّ اجْعَلْ أَبَا بَكْرٍ مَعِي فِي دَرَجَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: (( إِنَّ اللَّهَ قَدِ اسْتَجَابَ لَكَ )) )؛ (7) ..
وجاء مصداق هذا قوله تعالى: { ِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ } [التوبة : 40]
فجعل الله تعالى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وصديقه رضي الله عنه وأرضاه، واحد! .. لأنه اعتبر الاثنين واحد! ..
فهذه الآثار وغيرها في مجموعها تثبت أن من نزل به آية الغار هو أبو بكر الصديق بالتواتر ..
--------------------------
(1)رواه البخاري في "صحيحة" [ج4/ص: 1827/ر:4550]؛ وحكمه: [صحيح] ..
(2)ورد في "فتح الباري" لابن حجر العسقلاني [ج8/ص: 577] ..
(3)رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج4/ص: 1712/ر:4386]، مسلم في "صحيحة" [ج15/ص: 144/ر:6119]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 260/ر:3069]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:3069]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج1/ص: 8/ر:12]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج1/ص: 27]، وبإسناد صحيح، على شرط الشيخين؛ بتحقيق شعيب الأرنئوط [ج1/ص: 4]؛ ورواه ابن حبان في "صحيحة" [ج14/ص: 181/ر:6378]؛ ورواه البزار في "مسنده البحر الزخار" [ج1/ص: 96/ر:36]، بإسناد صحيح؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
(4)ورد في "الروض الأنف" للسهيلي [ج2/ص: 315]؛ وفي "سمط النجوم" للعصامي [ج1/ص: 147]؛ وفي "روح البيان" لحقي [ج5/ص: 54] ..
(5)ورد في "الرياض النضرة" للمحب الطبري [ج1/ص: 45]؛ وفي "الرحيق المختوم" للمباركفوري [ج1/ص: 131] ..
(6)رواه الحاكم في "المستدرك" [ج3/ص: 7/ر:4267]، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين؛ ووافقه الذهبي في "التلخيص" ؛ ورواه البيهقي في "دلائل النبوة" [ج2/ص: 338/ر:730]؛ رواه المتقي الهندي في "كنز العمال" [ح12/ص: 733/ر:35613]؛ وورد في "زاد المعاد" لابن القيم [ج3/ص: 45]؛ وفي "الكشف والبيان" للثعلبي [ج6/ص: 146]؛ وفي "أبو بكر الصديق" للطنطاوي [ج1/ص: 103]؛ وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
(7)رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" [ج4/ص: 150/ر:68]؛ ورواه ابن الجوزي في "المنتظم" [ج3/ص: 53/ر:227]؛ وفي "صفوة الصفوة" [ج1/ص: 240]؛ وورد في "سير النبلاء" للذهبي [ج11/ص: 278]؛ وورد في "الدر المنثور" للسيوطي [ج4/ص: 200]؛ وورد في "الرياض النضرة" للمحب الطبري [ج1/ص: 45]؛ وفي "سراج الملوك" للطرطوش [ج1/ص: 352] ..
================