السؤال 120 : عن عباد يقول سمعت عائشة تقول : مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وضعت رأسه على وسادة وقمت ألتدم([279]) مع النساء واضرب وجهي([280]) .
إذا صح هذا الحديث عن أم المؤمنين عائشة فلماذا ننتقد ما يقوم به بعض المسلمين في عزاء سبط الرسول صلى الله عليه وسلم الحسين بن علي أو في عزاء صهره علي بن ابي طالب رضي الله عنهما من الألتدام وضرب الوجوه والبكاء والنحيب .
----------------------
[279] . أي اضرب صدري .
[280] . مسند احمد ج6 ص274 . مسند ابي يعلى ج8 ص63 ، سبل الهدى والرشاد للشامي ج12 ص267
الجواب:
عن ابن اسحاق: حدثني يحيى بن عباد ابن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد قال: سمعت عائشة تقول: ( مات رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بينَ سَحْرِي ونَحْرِي وفي دَوْلَتِي لم أَظلمْ فيهِ أَحَدًا فمن سَفَهِي وحداثةِ سِنِّي أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قُبِضَ وهو في حِجْرِي ثم وضعتُ رأسَهُ على وسادةٍ وقمتُ أندبُ [ألتدم] مع النساءِ وأضربُ وجهي )؛ (1) ..
الحديث حسن الإسناد والحسن هو الصحيح اللين، أو ما شابه الصحيح، يؤخذ به كما يأخذ بالصحيح المسند إن لم يكن في الباب ما هو أصح منه مخالف له ..
وهو مبرر لأم المؤمنين لأنه خارج عن وعيها وإرادتها فقد مات حبها ورسولها وأبيها الذي كان أرحم بها من أبيها رحيم الأمة الصديق الأكبر رضي الله عنه، وأرضاه ..
وهي ليست أشد من الفاروق الأشهب عملاق الإسلام الذي خرج عن رجاحة عقله من هول فاجعة وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل هي فاجعة جميع الصحابة الكرام رضوان الله عليهم؛ وكانوا إذا ألم بهم مصاب هونوه على أنفسهم بتذكر مصابهم بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ..
فقد كانوا يقولون عند مصاب جلل: اذكروا مصابكم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم!، فيخف عليهم المصاب مهما عظم ..
ومن ناحية أخرى فإن القدوة المشرع لا يسن أو يشرع عنه فعل قام به دون إرادة واعية ..
ومن جانب آخر نجد السيدة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، استقبحت هذا الفعل منها وندمت عليه بقولها في نفس الأثر: ( فَمِنْ سَفَهِي وَحَدَاثَةِ سِنِّي )؛ اهـ
فقد مات عنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعمرها ثمانية عشر سنة، وهو ما يسمى بسن المراهقة! ..
ومع ذلك كانت رضي الله عنها آية من آيات النضج والعقل ..
فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها؛ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ( إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ )؛ (2) ..
ومن ناحية أخرى فإن لطم الخدود وشق الجيوب منهي عنه في السنة المرفوعة في الصحيحين والسنن باقي الكتب الستة الصحاح؛ عدى سنن أبي داود السجستاني ..
عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ )؛ (3) ..
ومن العجيب أن يستشهد الرافضة بفعل أم المؤمنين وقد قبحوها وقبحوا فعلها ومكانتها واتهموها بأشنع التهم! ..
فعن ابن مسعود وثوبان وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ( إذا ذُكرَ أصحابي فأمسِكوا، وإذا ذُكرَتِ النُّجومُ فأمسِكوا، وإذا ذُكرَ القدَرُ فأمسِكوا )؛ (4) ..
يقول الحافظ أبو زرعة الرازي: ( إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا مِن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعْلم أنه زِنديق )؛ (5) ..
وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ "ابن حنبل"، قَالَ : ( مَنْ شَتَمَ [ الصحابة] أَخَافُ عَلَيْهِ الْكُفْرَ مِثْلَ الرَّوَافِضِ )؛ ثُمَّ قَالَ: ( مَنْ شَتَمَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم،َ لا نَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ قَدْ مَرَقَ عَنِ الدِّينِ )؛ (6) ..
وعن عبد الله بن الإمام أحمد قال: ( سألت أبي عن الرجل شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: ما أراه على الإسلام )؛ (7) ..
روى الحافظ الخلال عن أبي بكر المروذي قال : سمعت أبا عبد الله [ابن حنبل] يقول، قال مالك: ( الذي يشتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ليس لهم سهم )؛ أو قال : ( نصيب في الإسلام )؛ (8) ..
وقال إمام دار الهجرة مالك: ( أهل الأهواء كلهم كفار وأسوأهم الروافض )؛ (9) ..
وقال الربيع بن سليمان: قَالَ الإمام الشافعي: ( من عاند السنة قصد الصحابة، ومن قصد الصحابة أبغض النَّبِيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ومن أبغض النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، كفر بالله العظيم )؛ (10) ..
وختاما قال الإمام الأعظم أبو حنيفة رضي الله عنه: ( أن من أنكر خلافة الصديق، رضي الله تبارك وتعالى عنه، فهو كافر، وكذلك من أنكر خلافة عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه )؛ (11) ..
ويقول إمام الحفاظ الأكبر ابن إسماعيل البخاري: ( ما أبالي صليت خلف الجهمي والرافضي، أم صليت خلف اليهود والنصارى، ولا يسلم عليهم ولا يعادون ولا يناكحون ولا يشهدون ولا تؤكل ذبائحهم )؛ (12) ..
--------------------------
(1)رواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج7/ص: 390/ر:25816]، بإسناد حسن؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج6/ص: 274]؛ ورواه أبو يعلى في "مسنده" [ج8/ص: 63/ر:4586]، بإسناد حسن؛ بتحقيق حسين سليم أسد؛ ورواه البيهقي في "دلائل النبوة" [ج8/ص: 319/ر:3151]؛ ورواه ابن السعدي في "الطبقات الكبرى" [ج2/ص: 262]؛ ورواه ابن جرير في "تاريخ الطبري" [ج2/ص: 441]؛ ورواه الألباني في "إرواء الغليل" [ج7/ص: 86]، بإسناد حسن؛ [إسناده متصل رجاله ثقات، إلا ابن إسحاق صدوق حسن الحديث]؛ وخلاصة حكمه: [حسن] ..
(2)ورواه الشيخين: البخاري في "صحيحة" [ج2/ص: 942/ر:2518]؛ ومسلم في "صحيحة" [ج17/ص: 103/ر:6951]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
(3)رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج1/ص: 435/ر:1232]؛ ومسلم في "صحيحة" [ج2/ص: 292/ر:281]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج3/ص: 324/ر:999]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:999]؛ ورواه النسائي في "سننه المجتبى" [ج4/ص: 319/ر:1861]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح النسائي" [ر:1861]؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج2/ص: 53/ر:1584]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:1288]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج1/ص: 638/ر:3650]، بإسناد صحيح، على شرط الشيخين؛ بتحقيق الأرنئوط في " المسند" [ج1/ص: 456]؛ ورواه ابن حبان في "صحيحة" [ج7/ص: 419/ر:3149]؛ وخلاصة حكمه: [متفق عليه] ..
(4)رواه أبو نعيم في "الحلية" [ج4/ص: 108/ر:5072]؛ ورواه الطبراني في "الكبير" [ج2/ص: 96/ر:1427]؛ ورواه السيوطي في "الجامع الصغير" [ج1/ص: 55/ر:546]، بإسناد حسن؛ وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:545]؛ وحكمه: [حسن] ..
(5)ورد في "الكفاية" للخطيب [ج1/ص: 49] ..
(6)ورد في "السنة" للخلال [ج2/ص: 557/ر:784] ..
(7)ورد في "السنة" للخلال [ج1/ص: 493] ..
(8)ورد في "السنة" للخلال [ج2/ص: 557/ر:785] ..
(9)ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج2/ص: 49] ..
(10)ورد في "طبقات الحنابلة" للفراء [ج1/ص: 13] ..
(11)ورد في "إمتاع الأسماع" للمقريزي [ج9/ص: 208] ..
(12)ورد في "خلق الأفعال" للبخاري [ج1/ص: 125] ..
=================