السؤال 116 : قال ابن عبد ربه : دخلت أم أوفى العبدية على عائشة بعد وقعة الجمل ، فقالت لها : يا أم المؤمنين!، ما تقولين في امرأة قتلت ابنا لها صغيرا؟ قالت: وجبت لها النار، قالت: فما تقولين في امرأة قتلت من أولادها الأكابر عشرين ألفا في صعيد واحد ؟ قالت: خذوا بيد عدوة الله!؛ ([266])
لِمَ أصبحت أم أوفى عدوة الله؟ وهل ذلك لمجرد الاصحار بالحقيقة؟ أم أنها كذبت على أم المؤمنين فاستحقت هذا الوصف؟ ولماذا لم تنكر أم المؤمنين ما نسب إليها من قتل أكابر أولادها أم أن هذه الحقيقة واضحة كوضوح الشمس ليس لأحد إنكارها ومن هنا اكتفت بطردها وإبعادها عنها لئلا تتمادى في الاصحار بالحقائق .
------------------
[266] . العقد الفريد في ذكره خاتمة وقعة الجمل ج4 ص305 ، وعيون الأخبار لابن قتيبة 1 / 202 .
الجواب:
ذكر إنّ أم أوفى العبديّة دخلت على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فقالت: يا أم المؤمنين ما تقولين في امرأة قتلت ابناً لها صغيراً؟
فقالت : ( قد استحقّت النار ) ..
قالت : إنّه أصغر ممّا تظنّين ..
فقالت : ( قد استوجبت النار ) ..
قالت : فما تقولين في امرأة قتلت من أبنائها الكبار اُلوفاً؟ تُعَرِّض بيوم الجمل ..
فقالت : ( خذوا بيد عدوة الله )؛ ورد بلفظ : ( فما تقولين في امرأة قتلت من أولادها الكبار عشرين ألفا؟ )؛ في "العقد الفريد" لابن عبد ربه [ج1/ص: 202]؛ وفي "ربيع الأبرار" للزمخشري [ج1/ص: 105]؛ وبالفظ أعلاه: في "ثمار القلوب" للثعلبي [ج1/ص: 256]؛ وفي "أعيان الشيعة" للأمين العاملي [ج3/ص: 457]؛ وفي "رياحين الشريعة" للمحلاتي [ج3/ص: 362]؛ اهـ
نلاحظ بلفظ المتن الذي فصلناه أعلاه أن كل من تداول هذا المتن من علماء الشيعة ..
واللفظ الثاني في العقد الفريد، ذكره أحد علماء المعتزلة والمعتزلة هم أحد زنادقة الكلام الذين تسببوا بفتنهم الكلامية بمقتل الآلاف أيضا ..
وابن عبد ربه لم يكن يأخذ من مصادر إسناد موثقة، وكان صاحب هوى وتشيع! ..
قال فيه الحافظ المفسر والمؤرخ ابن كثير: ( ويدل كثير من كلامه على تشيع فيه وميل إلى الحد من بني أمية وهذا عجيب منه لأنه أحد مواليهم وكان الأولى به أن يكون ممن يواليهم لا ممن يعاديهم )؛ ورد في "البداية والنهاية" لابن كثير [ج11/ص: 230] ..
وقال أيضا في موضع آخر: ( كان فيه تشيع شنيع ومغالاة في أهل البيت)؛ ورد في "البداية والنهاية" لابن كثير [ج10/ص: 433] ..
ومن المعروف أن ابن عبد ربه أورد في العقد أحاديث متفاوتة الصحة وواهية وأخرى موضوعة، دون تعليق أو إسناد فيما يخص المرفوع منها، والموقوف على الصحابة ..
وما نجده في رواية أم أوفى أنها لا سند لها!؛ ومتروك الأخذ بها، وليس لها أدنى وجود في كتب ومصنفات حفاظ ونقاد المحدثين! ..
كلنا يعرف أن أكثر أئمة أهل السنة والجماعة لم يكونوا ناصبة ..
وكتابه وأعني "العقد الفريد" كان قليل الانضباط العلمي، تغلب عليه الطرفة والفكاهة والدعابة، ذي طابع قصصي، ملئ بالنوادر والنكت، دون مراعاة عدم ذكر اللفظ البذيء!؛ مع مراعاة المسحة الأدبية، دون العلمية الدينية! ... انظر تحقيق الشيخ مشهور في "كتب حذر منها العلماء" [ج2/ص: 44] ..
ويعرف عنه ميله إلى التشيع بمعاداته لمعاوية وأبنه يزيد على وجه الخصوص! ..
وهذا يحط من عدالته بالنقل، ومما يحط من ضبطه:
كذبه على أمير المؤمنين ذي النورين رضي الله عنه ..
كذبه على الصحابي الجليل حسان بن ثابت رضي الله عنه ..
كذبه على ابن عمر رضي الله عنهما ..
كذبه على معاوية رضي الله عنه ..
هذا وقد شككنا أصولا بحدوث معركة أو واقعة الجمل بإجابة السؤال 56! ..
فلو أخذنا برواية قيس بن أبي حازم: لما أقبلت عائشة فنزلت بعض مياه بني عامر نبحت عليها الكلاب فقالت أي ماء هذا قالوا الحوأب قالت: ( ما أظنني إلا راجعة )؛ فقال لها بعض من كان معها بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح الله ذات بينهم فقالت إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لنا ذات يوم كيف : ( بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب )؛ اهـ
وهذا الأثر صححه خمسة من كبار الحفاظ والنقاد المحدثين وهم: ابن حبان في "صحيحة" [ج15/ص: 126]؛ والحاكم في "المستدرك" [ج3/ص: 129]؛ والذهبي في "السير" [ج2/ص: 177]؛ وابن حجر في "الفتح" [ج13/ص: 59]؛ وابن كثير في "البداية والنهاية" [ج6/ص: 217]؛ اهـ
فإذا ما تجاهلنا فحوى هذا الأثر الذي يبين عزم السيدة عائشة رضي الله عنها، على العودة من حيث أتت مع تبيان سبب العودة ورفعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ..
وقلنا أنه لظرف نيتها بالإصلاح وتهدئة الفتنة، وشدتها على نفسها كفقيهة تتكرك أي مظهر طيرة أو شؤم حتى ولو كان من لسان حق!؛ تابعت سيرها وعرفت تأثيرها الإيجابي كأم من أمهات المؤمنين لها مكانتها وقدرها عند كل مؤمن موحد ..
يقول الحافظ المؤرخ ابن كثير: ( بعث علي القعقاع رضي الله عنه رسولا إلى طلحة والزبير بالبصرة يدعوهما إلى الآلفة والجماعة، ويعظم عليهما الفرقة والاختلاف، فذهب القعقاع رضي الله عنه إلى البصرة فبدأ بعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها. فقال: أي أماه! ما أقدمك هذا البلد؟ فقالت: ( أي بني! الإصلاح بين الناس )، فسألها أن تبعث إلى طلحة والزبير رضي الله عنهما ليحضرا عندها، فحضرا فقال القعقاع رضي الله عنه: إني سألت أم المؤمنين ما أقدمها؟ فقالت إنما جئت للإصلاح بين الناس، فقالا: ونحن كذلك! )؛ (1) ..
وقال ابن كثير في هذا الأمر: ( فرجَعَ إلى [أي: القعقاع] علي فأخبرَه، فأعجبَه ذلك، وأشرفَ القومُ على الصُّلْح؛ كَرِه ذلك مَن كَرِهه، ورَضِيه مَن رَضِيه، وأَرْسَلتْ عائشة إلى علي تُعْلِمه أنَّها إنَّما جاءتْ للصلح، ففرِحَ هؤلاء )؛ ورد في "البداية والنهاية" لابن كثير [ج7/ص: 238] ..
ووفق التوثيق التاريخي بالمتابعة فمن المتعارف عليه، أنهم وصلوا بسبب حسن نوايا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وحكمة أمير المؤمنين ذو السبطين علي كرم الله وجهه؛ إلى الإصلاح، لولا غدر الغادرين من أتباع اليهودي المأفون ابن سبأ اللعين لعنه الله في الدارين، والذين حركوا الفتنة وكانت الواقعة وأججت الفتنة التي كادت أن تنطفئ!؛ واستشهد فيها كل من طلحة والزبير غيلة على يد أتباع ابن سبأ، لا غيرهم ..
قال أمير المؤمنين إمام الأئمة الغالب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، في استشهاد الزبير: ( إنَّ هذا السيف طالَ ما فرَّجَ الكربَ عن وجْه رسول الله صلَّى الله عليه آله وسلم )؛ (2) ..
وقال إمام الفقهاء الأكبر ورابع الخلفاء الراشدين كرم الله وجهه؛ في مقتل طلحة: ( رحمة الله عليك أبا محمد، يعزُّ علي أن أراك مُجدولًا تحتَ نجوم السماء، ثم قال: إلى الله أشكو عُجَري وبُجَري، والله لوَدِدْتُ أنِّي كنتُ مِتُّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة )؛ (3) ..
وهنا شكوى أمير المؤمنين علي عن عجزه عن منع اغتياله، وليس قتالا بحرب، بل غيلة أضلت أمر الطرفين، وحدث ما حدث إن كان بالأصل قد حدث! ..
نلاحظ هنا أولا أنه من المفترض أن يكون الصحابيين الجليلين طلحة والزبير، أعداء للإمام الأئمة وخليفة رسول الله سيدنا علي كرم الله وجهه؛ إلا أن قوله رضوان الله وسلامه عليه، يوحي بغير ذلك! ..
من ناحية أخرى هما قد بشرى بالجنة! ..
وبشارة الجنة من النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم حتمية موثقة ثابتة لا تبديل بها، فهي عهد من الله ولا يخلف الله عهده ..
عَنْ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: ذَهَبْتُ لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ [نفيع بن الحارث]، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ، قَالَ: ارْجِعْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ( إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ )؛ (4) ..
وهذا يعني أنه لم تكن هناك في هذه المعركة أو الواقعة فئة باغية؛ إلا قتلة عثمان وأعوانهم من أتباع اليماني اليهودي ابن سبأ؛ وهم البغاة الذين قتلاهم بالنار لا محالة على عظمة سوء فعلهم ..
وإن فرضنا صحة متن القصة موضع السؤال، فالمفهوم أن من تسبب بمقتل الآلاف هي أم الوفى ويبدو أنها من جواري أم المؤمنين وزرعت الفتنة في معركة الجمل ممثلة السيد العائشة رضي الله عنها أو مبعوثة عنها، وكأنها ندمت على فعلتها وعادت إلى أم المؤمنين، والله ورسوله أعلم ..
------------------
(1)ورد في "البداية والنهاية" لابن كثير [ج7/ص: 264و265] ..
(2)ورد في "البداية والنهاية" لابن كثير [ج7/ص: 261] ..
(3)ورد في "البداية والنهاية" لابن كثير [ج7/ص: 276] ..
(4)رواه الشيخان؛ البخاري في "صحيحة" [ج1/ص: 20/ر:31]، ورواه مسلم في "صحيحة" [ج18/ص: 219/ر:7181]؛ ورواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 504/ر:4268]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:4268]؛ وراوه النسائي في "سننه ‘المجتبى‘" [ج7/ص: 142/ر:4134]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح النسائي" [ر:4134]؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج3/ص: 402/ر:3964]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:3218]؛ وخلاصة حكمه: [متفق عليه] ..
====================