السؤال 115 : قال الذهبي : سمعت بكر بن سهل الدمياطي يقول: هجرت - أي بكرت - يوم الجمعة ، فقرأت . إلى العصر ثمان ختمات([265]) .
إذا كانت كل ختمه تستغرق على الأقل ثمان ساعات ففي اليوم الواحد كم ختمه للقرآن يمكن أن تتحقق من شخص واحد؟ فهل هذا غلوّ أم كذب أم إعجاز؟ ..
------------------
[265] . سير أعلام النبلاء - الذهبي - ج 13 - ص 427 .
الجواب:
نعم من الناحية العقلية هذا يستحيل حدوثه إلا إن كانت الختمة محصورة بسور معينة مخصصة ليوم الجمعة أو كانت الختمة مختزلة خاصة بالآيات المحكمات فقط أو محسورة بقلب القرآن وسنامه وأعني سورة ياسين وسورة البقرة ..
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ سَنَامًا، وَإِنَّ سَنَامَ الْقُرْآنِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ )؛ (1) ..
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( إن لكلِّ شيءٍ قلبًا وإن قلبَ القرآنِ يس، وَمَنْ قَرَأَ يس كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِقِرَاءَتِهَا قِرَاءَةَ القُرْآنِ عَشْرَ مَرَّاتٍ )؛ (2) ..
أو يقرأ سورة الإخلاص ثلاثة مرات وهي تعادل بذلك ختمه كاملة!؛ أي يقرأها أربعة وعشرين مرة فيعادل بذلك ثماني ختمات للقرآن ..
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وآله وسلَّمَ لأصحابه : ( (( أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟ )) قَالُوا: وَكَيْفَ يَقْرَأْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟! . قَالَ: (( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ )) )؛ (3) ..
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( احْشُدُوا فَإِنِّي سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ, فَحَشَدَ مَنْ حَشَدَ، ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَ بِـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ, ثُمَّ دَخَلَ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: إِنِّي أَرَى هَذَا خَبَرٌ جَاءَ مِنَ السَّمَاءِ, فَذَاكَ الَّذِي أَدْخَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ فَقَالَ: إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، أَلا وَإِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ )؛ (4) ..
ولكن أقول هناك مبالغات تستحيل على العقل الصريح، مثل ما قيل أن الخليفة العباسي كان يصلي في كل ليلة في قيام الليل ألف ركعة، فإذا فرضنا أن هذه الفترة قوامها ثمانية ساعات، وأن مقدار زمن الركعة الواحدة هو ثلاثة دقائق فإنه يحتاج للقيام بألف ركعة إلى خمسين ساعة أي يومين وساعتين!؛ ولكن الصحيح أنه كان يصلي مائة ركعة في الفرض والنافلة كما روى ابن جرير الطبري في تاريخه، ووثقه عنه ابن خلدون في مقدمته، وذلك باليوم والليلة ..
كما قيل أن الإمام أحمد كان يصلي من النوافل في اليوم ثلاثمائة ركعة، فإنه يحتاج إلى خمسة عشر ساعة، وصلاة الفرض مع السنن يحتاج إلى ساعتين، فإذا يبقى سبع ساعات لتدرسيه ودراسته وبحثه ومأكله ومشربه ونومه، وهذا لا يعقل من باب المحال أيضا ..
عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: قَالَتْ نَايِلَةُ بِنْتُ الْفُرَافِصَةِ: ( أَنْ تَقْتُلُوهُ، أَوْ تَدَعُوهُ، فَقَدْ كَانَ يُحْيِي اللَّيْلَ فِي رَكْعَةٍ يَجْمَعُ فِيهَا الْقُرْآنَ، يَعْنِي عُثْمَانَ )؛ (5) ..
نقول هذا الأثر صحيح إن كان المقصود منه سورة جامعة للقرآن وهي سورة البقرة، أما القرآن كامل فلا يمكن أن يكون، لأن فترة الليل في الثلث الأخير ثمانية ساعات وإذا كانت كل كلمتين منه تحتاج إلى ثانية مع بسملة واحدة لكل القرآن فإنه يحتاج إلى أحد عشرة ساعة، أي يصح هذا إن صلى بعد العشاء مباشرة وحتى صلاة الفجر دون توقف ..
وهو يعني أن لا ينام الليل نهائيا! ..
وقد روى الذهبي في السير: ( كان الشافعي يختم القرآن في رمضان ستين ختمة )؛ (6) ..
أي في كل يوم ختمتان ..
وقد روى هذه الرواية في شأن الشافعي سبعة رواة، عند الذهبي وأبي نعيم وابن عساكر والخطيب البغدادي وأوردها الإمام الغزالي في الإحياء ..
أقول هذا ممكن إن كان الشافعي في رمضان يعتزل الناس ويتفرغ لقراءة القرآن فقط دون غيره ويتابع القراءة في الصلوات المفروضة والنوافل بما فيها صلاة التراويح مفردا أو آماً ولا ينام في النهار إلا ساعتين من قيلوة النهار ..
لأن عدد كلمات القرآن هي: سبعة وسبعون ألف وأربعمائة وتسع وثلاثون كلمة، فيحتاج لقراءته إلى أحد عشر ساعة تقريبا دون توقف! ..
ولكن في رواية:
الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: ( كَانَ الشَّافِعِيُّ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ سِتِّينَ خَتْمَةً )، قُلْتُ: فِي صَلاةِ رَمَضَانَ؟ قَالَ: ( نَعَمْ )؛ (7) ..
قد يكون هذا صحيح إن كان الشافعي يواصل صلاته، دون توفق! ..
أو من السرعة بالقراءة أنه يقرأ في ثانية واحدة ثلاثة كلمات، وهذا ممكن عن الشافعي لأنه كان قوي الحفظ سريع الحاضرة بما يحفظ، وقد أتقن حفظ القرآن وهو ابن ثمانية وقيل سبعة سنين ..
وعن الربيع بن سليمان أنه قال: ( كان الشافعي يختم في كل ليلة ختمة، فإذا كان في شهر رمضان ختم في كل ليلة منها ختمة، وفي كل يوم ختمة فكان يختم في شهر رمضان ستين ختمة )؛(8) ..
هذا ممكن إن كان معدل الثانية ثلاثة كلمات لأن ذلك حينها يستغرق ساعة ونيف فتأخذ معه الختمتين أربعة عشرة ساعة، ويبقى له من النهار عشرة ساعات لنومه وأكله ومشربه، وباقي شأنه ..
والحقيقة أن هذه الرواية أقرب للواقع مع الإضاح له، فهو هنا يقوم بعد العشاء حتى الصباح ثم يواصل حتى يقيل في النهار ساعة على الأقل أو ساعتين على الأكثر ويواصل التلاوة بالصلاة أو من دونها ..
وهي سنة أخذها الشافعي من شيخ مشايخه الإمام الأعظم أبو حنيفة:
فقد روى النخعي، عن يحيى بن نصر، قال: ( كان أبو حنيفة ربما ختم القرآن في شهر رمضان ستين ختمة! )؛(9) ..
ولكن هنا إشارة أن هذا لا يحدث في كل أيام رمضان ..
فالمقبول المتعارف ختم القرآن بليلتين كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم!، قياسا على هذا الأثر:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلاثٍ فَلَمْ يَفْقَهْ )؛ وفي: رواية: ( لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ )؛(10) ..
وممكن أن يصل الأمر إلى همة أبو حنيفة والشافعي في رمضان بالشروط التي أسلفنا ذكرها ..
وهو لا يعني أنه كان لهم همة أكبر من همة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مطلقا إلا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ بأناة وتدبر تام، وكي لا يشق على أمته من بعده، وخص بهذه السنة الفقهاء والعلماء دون العباد، ومن باب الحس على تكرار قراءة القرآن ليثبت حفظه! ..
فقد روي عَنْ الصحابي الجليل أَبِي مُوسَى الأشعري رضي الله عنه، أنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : ( تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ قُلُوبِ الرِّجَالِ مِنَ الْإِبِلِ مِنْ عُقُلِهَا )؛ (11) ..
----------------
(1)رواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 145/ر:2878]؛ ورواه ابن حبان في "صحيحة" [ج3/ص: 59/ر:780]؛ ورواه الحاكم في "المستدر:" [ج2/ص: 285/ر:3207]، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ؛ ورواه الصنعاني في "مصنف عبد الرزاق" [ج3/ص: 376/ر:6019]؛ وحكمه: [حسن] ..
(2)رواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 149/ر:2887]، وقال: هذا حديث غريب؛ ورواه الدارمي في "سننه" [ج2/ص: 913/ر:3292]، وهو من أئمة الصحيح أيضا؛ ورواه الصنعاني في "مصنف عبد الرزاق" [ج3/ص: 372/ر:6009]، بسند عالي صحيح، بلفظ: ( إنَّ لكلِّ شيءٍ قلبًا وقلبُ القرآنِ يَس؛ من قرأها فإنها تعدل القرآن )؛ اهـ
(3)رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج4/ص: 1916/ر:4727]؛ ومسلم في "صحيحة" [ج6/ص: 335/ر:1883]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
(4)رواه مسلم في "صحيحة" [ج6/ص: 335/ر:1885]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 155/ر:2900]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2900]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج3/ص: 164/ر:9251]، بإسناد صحيح، على شرط مسلم؛ بتحقيق شعيب الأرنئوط في "المسند" [ج2/ص: 429]؛ وحكمه: [صحيح] ..
(5)رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" [ج1/ص: 403/ر:2]؛ ورواه الطبراني في "الكبير" [ج1/ص: 87/ر:130]؛ وقال الهيثمي في مجمع الزوائد [ج9/ص: 94]، في حكمه: رواه الطبراني، وإسناده حسن؛ وحسنه ابن كثير في "فضائل القرآن" [ج1/ص: 50]؛ وحكمه: [حسن] ..
(6)ورد في "شير الأعلام" للذهبي [ج10/ص: 36] ..
(7)ورد في "صفوة الصفوة" لابن الجوزي [ج2/ص: 255ر:220]؛ وفي "طبقات الشافعية" للسبكي [ج3/ص: 45]؛ وفي "حلية الأولياء" لأبو نعيم [ج4/ص: 107] ..
(8)ورد في "تاريخ دمشق" لابن عساكر [ج51/ص: 392] ..
(9)ورد في "تهذيب الكمال" للمزي [ج29/ص: 436]؛ وفي "الطبقات السنية" للتقي الغزي [ج1/ص: 32]؛ وفي "مغاني الأخبار" للعيني [ج5/ص: 161]؛ وفي "تاريخ بغداد" للخطيب [ج13/ص: 357] ..
(10) رواه أبو داود في "سننه" [ج1/ص: 443/ر:1394]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:1394]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 182/ر:2949]، وقال: هذا حديث حسن صحيح؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج1/ص: 508/ر:1347]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:1107]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج2/ص: 349/ر:6499]، بإسناد صحيح، على شرط الشيخين؛ بتحقيق الأرنئوط في "المسند" [ج8/ص: 9/ر:6810]؛ وحكمه: [صحيح] ..
(11)رواه البخاري في "صحيحة" [ج4/ص: 1921/ر:4746]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج5/ص: 563/ر:19186]، بإسناد صحيح، على شرط مسلم؛ بتحقيق الأرنئوط في "مسند أحمد" [ج1/ص: 417]، وتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج6/ص: 48]؛ وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:2956]؛ وحكمه: [صحيح] ..
=====================