نظرت إلي وقالت: سأصنع فوقك سحابة!
تعجبت ولم أفهم ماذا تقصد بالسحابة ولا كيف ستصنعها. مرت ثوان من الانتظار القلق، ارتجف فيها قلبي رجفة هي مزيج من الخوف والشغف. رجفة حب كانت لتكتمل لولا وجود الخوف الذي احتل في المزيج مكان الحرية والأمل، وجثم علي الرجفة البريئة صابغا إياها بصبغة الإرتباك المخجل. التقطت هي رائحة الخوف فلم تكمل عملها واختفت كجنية لا تنتمي لعالم البشر.
انتهت لحظات الارتباك مع رحيلها وعدت إلى روتين حياتي اليومي. لم أنتبه إلى وجود السحابة إلا بعد عدة أشهر! كانت دائما في السماء فوقي. في الشتاء وفي الصيف، تتحرك معي ولا تفارقني أبدا. وكيف انتبه لها وأنا أقضي يومي وليلتي دون أن انظر إلى السماء عادة؟ طوال الليل أعيش في بيت لا شرفة فيه ولا حديقة، وهو أقرب للسجن لولا وجود نافذة وحيدة لا تطل على شيء له أهمية وهي غالبا مغلقة. وفي النهار أكون في مكتبي حيث أعمل أو في وسائل المواصلات، ولا أنظر إلى السماء ربما لعدة أيام متواصلة.
بدأت ألاحظها في فصل الصيف، حيث تختفي السحب عادة وتسطع الشمس بقوة. اضطر أحيانا للمشي قليلا أو الانتظار خارج المنزل، ولكني لم اتعرض للشمس مباشرة أبدا طوال الصيف. هناك دائما غيمة في السماء عندما أكون موجودا في الطريق أو حتى في المنزل أراها فوقي من نافذتي الوحيدة. وعندها تذكرت الموقف الذي حدث لي معها وجملتها العجيبة. لقد صنعت السحابة فعلا كما قالت. لكنها رحلت قبل أن تقول أي شيء آخر. هل تصنع السحب فقط أم لها قدرات خارقة أخرى؟ وماذا ساستفيد من هذه السحابة غير الظل الذي تحميني به من الطلقات النارية للشمس في أيام قسوتها؟
قضيت الأيام الطويلة أتأمل السحابة في الصباح والمساء. يقضي الحالمون وقتهم في تأمل القمر أو النجوم، وأنا بصري معلق بالسحابة. شكلها يتغير كل فترة، وتنضم إليها قطع أخرى ثم تنفصل عنها حسب حالة الجو. ولكنها دائما موجودة. وعندما بدأ أقراني يكتبون رسائل الحب إلى القمر ويتغزلون في جمال النجوم، كنت أقدم أشعاري ورواياتي إلى السحابة. يميل أحد الشعراء نحوي هامسا بأن الغيوم هي عدوة الرومانسية لأنها تخفي كواكب السماء وصورتها الجميلة. لا أجد له ردا مقنعا، فهو لن يفهم أبدا.
لكم تمنيت أن أرى ما يرون في السماء. لم تعد عيناي تبصر إلا السحابة فهي ما يخصني وهي من صنع تلك الفتاة. وقد ربطتني السحابة بها فأصبحت أفكر فيها كلما نظرت إلى السماء. في بداية اكتشافي للأمر، كنت ابحث عنها كل يوم لأتأكد من وجودها .ولكن بعد أن تأكدت أنها لن تفارقني، أصبحت أنظر إليها أحيانا كل يومين أو ثلاثة. وبعد سنوات من التعلق بالسحابة، قررت أني لابد أن أجد صانعة السحابة مرة أخرى لأفهم.
كانت هذه مشكلة أخرى. إن المرء لا يذهب للبحث عن شخص لا يعرف عنه سوى أنه صانع للسحب. لن يصدقك أحد إن عرف القصة، ولو صدقك لن يستطيع أن يساعدك. عصرت عقلي محاولا تذكر أي معلومة عن صانعة السحابة، وبعد مجهود شاق استمر لسنوات أخرى، تذكرت أنها حين كانت تصنع السحابة أشارت بيديها إلى السماء. ولاحظت أن شكل السحابة يتغير ماعدا طرف واحد له شكل ثابت. هل هو الحبل السري الذي ولدت منه السحابة والذي يشير إلى اليدين اللتين انجبتاه؟ كان افتراضا عجيبا، ولكنه يستحق التجربة.
سرت إلى الشمال حتى تحرك الطرف إلى الجنوب، وإلى الشرق حتى تحرك إلى الغرب وهكذا كنت اقطع المسافات الطويلة ثم انظر إلى السحابة، وأغير اتجاهي حين يتغير اتجاه الطرف كأنه بوصلة في السماء. أحيانا أتوقف في وسط طريق صحراوي، اتظاهر بأني أشرب القهوة وأرتاح، لكني في الحقيقة أتابع بوصلة سحابتي. وربما أشارت علي البوصلة بالعودة وأنا في منتصف الطريق فيتعجب الناس من سفرياتي العجيبة غير المكتملة أحيانا وغير المفهومة دائما.
لو أن صانعة السحابة لا تتحرك لوجدتها في أيام قليلة. لكنها ليست شجرة أو جمادا. هي أيضا تتحرك وتسافر وربما استقرت في مكان لزيارة أو دراسة أو عمل. وأنا حول هذا الحي أو المدينة التي تعيش فيه، أدور كالمجنون يحركني طرف السحابة وشوقي إلي صاحبتها. وأكاد أصل إليها فعلا، حتى أني في مرتين وصلت إلى مكانين أقامت فيهما لفترة. ولكني وصلت متأخرا للأسف.
المرة الثالثة وجدتها! رأيتها ورأت سحابتها لأول مرة بعد سنوات كثيرة. كانت تنظر إلى سحابتها بشيء من الحنين إلى لحظات بعيدة من عمرها. وفي رأسي آلاف الأسئلة التي تحتاج حياة كاملة لقولها وسماع اجابتها. دون أي كلمة، أشارت مرة أخرى إلى سحابتها فبدأت السحابة تمطر. لم أفهم هل تكمل عملها في صنع السحابة بهذا المطر أم هي تفنيها لأنها لا فائدة منها الآن؟ رفعت عيني أتامل السحابة وهي تفرغ ما كان محجوزا فيها لسنوات. المطر أضاف آلافا من الأسئلة الجديدة إلى تلال الألغاز التي حيرتني. لكن قبل أن تنزل عيني عن السحابة الممطرة كانت صانعة السحاب قد اختفت مرة أخرى.
رحلت للمرة الأخيرة، فلم يعد هناك طرف للسحابة أتتبعه لأصل إليها. وظلت السحابة تمطر ليلة كاملة حتى انتهت وظهرت السماء في اليوم التالي صافية نقية، وفي الليل كان القمر واضحا لأول مرة والنجوم كانت تلمع بشدة، كأن مطر السحابة قد غسل سطح القمر ونظف السماء من أي غبار كوني يحجب لمعان النجوم أو الكواكب الأخرى. بدأت الأجرام السماوية تتحرك بشكل طبيعي وواضح.
أصبحت شخصا طبيعيا يعشق القمر وتعجبه النجوم. الفارق الوحيد بيني وبين الآخرين أن في بيتي آنية مملؤة بمياه من المطر جمعتها في ذلك اليوم. ولا اسمح لأحد بأن يستعملها أو يقترب منها. وأحيانا أجلس أمامها بالساعات اسألها ولا ترد علي. لم تعد تملك أي أجابة ولا حتى اشارة إلى مكان صانعة السحب.
ولأن عمري دار حولها، اسميتها الحبيبة. ولأن ظل السحابة كان رفيقي، اسميته الحب. ولأن الخوف هو من أفسد ارتجافة القلب في الأساس، طردته من قلبي ونذرت ما تبقى من قلبي للحرية.