من الواضح أن هذه المقالة أطول بكثير مما يمكن أن يقال في ندوة كمداخلة، وسبب طولها هو ما تضمنته من شرح و تفصيل، و لكنها لم تخرج في أفكارها الرئيسية عما قلته في الندوة.
ذهبتم بعيداً في التاريخ ، مئات السنين قبل الميلاد فالعصور الوسطى عند أوروبا فالقرن
الثالث عشر الميلادي ، كزمن من تاريخ أوروبا .
أي تاريخ هذا ؟! ألا يوجد في التاريخ إلا الأوروبيون ؟. إنكم تريدون أن توحوا أن غير
الأوروبيين لا وجود لهم ، و أن تاريخ أهل أوروبا هو تاريخ البشرية .
إنكم قفزتم عن العصر الإسلامي كله في التاريخ و كأن العصر الإسلامي بدأ و انتهى في مغارة ذات حيز من عدة أمتار مكعبة في جبال وعرة لم تعد تصلها أقدام البشر أو في ركن صغير في دغل صغير من أدغال غابة غير مكتشفة حتى الآن .
لقد قام في القرن السابع الميلادي دولة للمسلمين ، حطمت في حينها أقوى دولتين في
ذلك العالم ، دولتي الفرس و الروم ، فهل مثل هذه الدولة و هي التي كتبت تاريخ العالم لمدة
طويلة تكون خارج التاريخ ، و تتجاهل كل هذا التجاهل ، إلى الدرجة التي ترصد المعاني التي تبدون غيرتكم عليها في كل حقب التاريخ قبل هذه الدولة و في زمن وجود هذه الدولة حتى أنكم تجنيتم على الزمن نفسه ، فأين هذه القرون من عمر البشرية ؟ ، و ماذا وجد فيها ؟ و لماذا نظرتم إلى التاريخ باعتباره تاريخاً لأهل أوروبا متجاهلين هذه القرون بدءاً من القرن السابع الميلادي، متجاهلين الدولة التي قامت في هذا القرن ، في بلاد العرب يا من تدعون الإهتمام بالعرب، لماذا تطوون السجل الذي يؤرخ لهم في القرن السابع الميلادي ؟ ، هذا القرن الذي يبدو من أول نظرة لأي باحث ، لأي مؤرخ ، لأي ناظر أنه ليس قرناً أوروبياً، بل قرناً إسلامياً ،لقد استبدلتم يا هؤلاء أعينكم الطبيعية بعيون أوروبية ، لا ترى إلا ما هو أوروبي و تنكر رؤية وجود ما هو ليس أوروبياً
إن هذه الدولة كانت ملء عين التاريخ و ملء سمع الزمن و ملء عين الأرض و البحر
فلماذا لم ترصدوا هذه المعاني في هذه الحقبة الزمنية في الأرض و البحر ؟ و إليكم بعض ما
تحقق من اهتماماتكم في هذه الحقبة .
الإهتمام الأول :
لقد أبديتم عن اهتمامكم الأول ألا و هو:
تأثير الناس في اتخاذ القرار فتعالوا لندرس مدى تحقق هذا الإهتمام في هذه الدولة .
أ_ تاثير الناس في إقامة هذه الدولة :
لقد صمم مؤسس هذه الدولة أن تقوم بعد أن ينتهي من دور تثقيفي لمجموعة من الناس آمنوا معه بأساس هذه الدولة بالعقيدة الإسلامية ، مجموعة كافية قادرة على القيام بصراع فكري و كفاح سياسي و تهدف من ذلك أن يتفاعل المجتمع معها و يحمل ما تحمل من أفكار، فخاض مؤسس هذه الدولة هو و من آمن معه صراعاً كانوا يؤذون فيه أشد الأذى نتيجة تنزيلهم أفكارهم على الواقع ، و لم يعرف عنهم أنهم ضربوا أو آذوا أحداً بصفتهم الجماعية، وبعد أن تفاعل أهل المدينة مع هذا الهدف إلى درجة أنه لم يعد في تلك المدينة بيت إلا و فيه ذكر للمبدأ الجديد ، للإسلام .
أي أنه أصبح في المدينة رأي عام مبني على وعي عام على أفكار الإسلام. فطلب أمير الجماعة من أهل تلك المدينة أن ينتخبوا من بينهم من يمثلهم أمامه ليبايعوه على الحكم. أنظروا تصميم مؤسس الدولة أن يكون من يعطيه الحكم ممثلين للناس و بعد أن اعتنق أهل المدينة هذا المبدأ ، هجر الداعية لهذا المبدأ موطنه الأصلي إلى الموطن الذي اعتنق المبدأ، هجر موطنه إلى موطن المبدأ هجر أهله و عشيرته الذين لم يستجيبوا إلى المبدأ إلى الناس الذين استجابوا للمبدأ بل قال عن نفسه في موضع آخر أنه امرؤ من الأنصار ،لقد كان الداعية الأول في قرار تأسيسه لأول دولة تمثل مبدأه تبعاً للناس تبعاً لمدينتهم .
فهل هناك حركة في التاريخ صممت أن تقيم دولة بعد تقبل الناس و اقتناعهم الفكري واعتناقهم لمبدأ هذه الدولة ؟ ، هل هناك حركة في التاريخ مثل هذه الحركة ؟
ب_ اعتبار الناس في اتخاذ رئيس الدولة للقرار ، بل اتخاذه أهم قرارات الدولة .
قصة اتخاذ أهم قرار في تاريخ هذه الدولة : وهو قرار مواجهة العدو في معركة بدر .
تلك المعركة المصيرية في تاريخ تلك الدولة ، المعركة التي قال فيها القائد أنه لو هزمت
قواته في هذه المعركة لضاعت دولته و لضاع الإسلام ، مبدؤه .
إن رئيس الدولة هذه لم يتخذ القرار على خطورته ، و يبلغه لمعاونيه لكي يقودوا الناس إلى المعركة التي قررها القائد المؤسس زماناً و مكاناً ، كذلك لم يقم بتبليغهم قراره ، و هو الرسول ،على أنه أمر من الله بوصفه رسولاً ، مثل من سبقه من رؤساء الدول الذين كانوا يلجأون إلى كهنة المعابد الدجالين ، الذين كانوا بالاتفاق مع القادة السياسيين يدخلون داخل المعابد محاطين بطقوس سخيفة ، يخبرون الناس بعدها أنهم حصلوا على القرار من مصدره المقدس ، المغيب على الناس ، إنه رسول فعلاً ،و إن له اتصالاً حقيقياً مع السماء ،و مع ذلك فإنه بوصفه رئيساً للدولة ، لم يطلب من الناس أن يطيعوه على أنه مبلِّغ عن الله . بل جعل القرار قرارهم قائلاً لهم : " أشيروا علي أيها الناس _ و إنما يريد الأنصار _ و ذلك أنهم عدد الناس "
قد يقال إن المهاجرين من أهل بلدة رئيس الدولة ،وإن موقفهم "رسمي" ، لذلك فإن كلمة الناس كناس لا تنطبق عليهم ، إذا قيل هذا في المهاجرين فإنه لا يقال على أهل المدينة ، الأنصار . لذلك قال سعد بن معاذ و هو من الأنصار لرئيس الدولة " و الله لكأنك تريدنا يا رسول الله ، قال : أجل ".
هل عرف التاريخ رئيساً للدولة يصرّ على أن يكون قراره بناءً على مشورة الناس كناس
مثل رئيس الدولة هذا ؟
إن رئيس الدولة هذا هو الرجل المسلم أبو القاسم محمد بن عبد الله ، رسول الله ، عليه صلوات الله و سلامه ، و قد حكم هذه الدولة مدة أحد عشر عاماً من 621م _632م .
هل يجد الديموقراطيون في رحلتهم التاريخية التي يبحثون فيها عن كنزهم الثمين ،
و هو اعتبار الناس في اتخاذ القرار ، هل يجدون كنزهم في غير هذه الجزيرة ؟ إن الديموقراطيين لم يسجلوا هذه الجزيرة على خريطتهم التاريخية لقد أسقطوها من الوجود ، لأنها ليست أوروبية
العلماء يسجلون نجوماً مظلمة سوداء لا ترى في الكون الواسع تبعد ملايين السنين الضوئية ، و هؤلاء الديموقراطيون يسقطون من سجل الكرة الأرضية جزيرة تشع نوراً . بل إنه لا يوجد في تاريخ البشر مثل هذا الصفاء و الوضوح في اعتبار الناس في اتخاذ القرار ، يقول رئيس الدولة " أشيروا علي أيها الناس "
إن إسقاط هذه الدولة من خريطة رحلتهم الديموقراطية التاريخية هو أكبر جحود من قبلهم للحقيقة التاريخية ، مما يظهر أنهم غير مخلصين في بحثهم ، لأن الباحث المخلص يسلم للحقيقة حيث يجدها .
و مثلما جسد رئيس الدولة هذه ، اعتبار الناس في اتخاذ أخطر قرار في تاريخ الدولة
جعل قراراً خطيراً آخر بيد الناس ، و الدولة لا زالت في البدايات ، قراراً يتعلق بمكان
معركة خطيرة و الدولة لا زالت الأخطار تهدد وجودها نفسه مما يعطي الذرائع لرئيس الدولة و معاونيه الاحتجاج بالظروف الصعبة و غير العادية التي تمر بها دولته . و لكنه لم يتذرع بالظروف كي يصدر قراراً ، هو مقتنع به و كذلك هم كبار معاونيه و كبار القوم ( ماذا يهمّه بعد ذلك ؟ ) ألا يخرجوا من المدينة و أن يحاربوا الغزاة من داخل المدينة " وبدا أن كثرة المسلمين تميل إلى البروز لملاقاة العدو ، فدخل الرسول صلى الله عليه و سلم بيته و خرج متهيئاً للقتال " " و قال : قد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم إلا الخروج " ، قرار يخالفه فيه الناس ،و لهم رأي آخر بشأنه .
يقول رئيس الدولة ، وهو الرسول للناس " لقد دعوتكم فأبيتم " و يتخذ القرار نزولاً عند رأيهم مع أن له رأياً آخر ، كل علاقته به أنه يدعو له ، أين مثل هذا الرئيس في التاريخ الذي تراه أعين الديموقراطيين من زمن قبل الميلاد ، قفزاً عن قرون عدة و ليست دقائق أو ثوان وصولا إلى قرونهم الوسطى و ما بعدها ، هل يجدون مثل هذه الدولة ؟ .
يتبع