منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - وداعا...سانتا مريا ( الجزء الأول 2/1)
عرض مشاركة واحدة
قديم 21-08-2015, 05:49 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
ربيع عبد الرحمن
طاقم الإشراف
 
الصورة الرمزية ربيع عبد الرحمن
 

 

 
إحصائية العضو







ربيع عبد الرحمن غير متصل


افتراضي رد: وداعا...سانتا مريا ( الجزء الأول 2/1)

توقفت عند الإهداء كثيرا ، و لم أستغربه ، ورحت أقلب ما رأيت من سانت ماريا ، في سابق أيامي ، وقت أعطتيني بعض ملامح لها ، و الكثير من رحيل الضفاف أمام قارب أضلته الرياح ، و هجرته البحارة خوفا ورهبا ،إلا واحدا ظل مقيدا به في ترنحه وتهاديه ، إلي أن حطت به الزرقاء بين ضلوع فريسة ، تنقرها الأملاح و الأمواج ليل نهار ، كأنه شكل من أشكال العشق ؛فما التجزر إلا الانقطاع بذات المحبوب ، و هذه ابنة البحر وعشيقته ، تراود القوارب الضالة عن نفسها ، و تسرق جيوب التيه على عينيه ، غفلة أو إمعانا في الكيد !
يتماهى الضلال في شعاب الجزر ، و الماء حضن مهما علا و غلا في عنفوانه ، إلا أنه لا يعدو أن يكون رقرقة و بعض أنفاس ، تعيد للمغدور الرؤية ، وجلاء مكمن الخديعة ،وأين سكن السهم ، و متى كان الوقوع فريسة الرياح ؟
كما يتماهى ظل الجزر في عين لا ترى إلا الخوف و التردد بين الشعاب ، حتى يصبح التيه مكمنا ،و المكان صفحة لا تقطع ما سبق ، بما لحق ، كأن الاعتراف بالمكان أولى درجات الخروج من حبائله ، وسبر أغواره ذاكرة تسلك الطريق إلي عبور المحنة ،و التغلب عليها ..وهنا يكون التأقلم تحديدا ، و معايشة الواقع الجديد المفروض واجبة و لازمة ، لتأخذ الذاكرة خيوطها المرتبكة ، و يتحقق لها وحدة ما ،وحدة التواصل بين ما كان و ما هو كائن ، كشفا لما هو آت !
و عند ظهور بوادر الالتحام الأولى ، و تراجع مذاق الوجع ، يصبح الطائر جزءا من تلك البقعة ، كائنا يتذوق ما فيها ، من طيب و نتن ، لا يأنف ،و لا يفزع ، أو يستشعر قهرا ومللا .. هنا ينتقل المشهد إلي هناك ، إلي منبت الرحيل ، ومرفأ العودة !
و يكون الاجترار شذرات من المحنة ، وقطرات من الغيث الذي أذاب ما نال البدن و الروح و النفس من رهق ووجع و أشواق دفينة .. و رحلة العودة بما تعني ،وما تفعل في النفس ، و تعطي الروح حرية الارتحال ،و الذاكرة بقايا ما خلفت سير السابقين ،وما دونوه ، و أعطوه للانسانية من عصارات فكرهم و تجاربهم المريرة بداية الاوديسة ، وما قدمت لأوديسيوس من بطولة و مغامرة و مصاعب تنؤ بها العزائم وذوو الخوارق من المعصومين و غيرهم !
و لا يتوقف الراوي عند تلك ، و يتجاوزها في كلمات سريعة ، و عبارات ذات دلالة ، تعطي تكهنا ما بما كانت عليه الرحلة !
وهناك و أمام سانت ماريا يتهادى الهواء ،و يلبس ثوبا مخمليا ، له رحيق و رحابة .. وامرأة قديسة في عشقها ، و انتظارها الغائب الذي لن يأتي ،حتى و إن أتى جدثه أو رمسه على وجه الماء زائرا أملها ، وكاسرا له ، إلا أنها تغلق أبوابها على دفينها الذي يعرفه الجميع .. ولأنها فريدة في عشقها ، و فريدة في فساحتها التي زودها بها حدريوي ،دائما ما تكون حولها هالة ما ، مثل النار التي تجذب الفراشات ، أو كالنور الذي يسرق العيون و القلوب حين يقهر ظلمات الدهاليز المغلقة !
و من سانتا ماريا التي تظلل المشهد بروحها الألقة ، وخطواتها في ظلمات الحنين المبهمة نرى توقا يتراقص على نبضات العائد من التيه !
ما قرأت ليس قصة بالمعنى الذي أعرف ، بل هي رواية ،تحققت لها اللغة و البناء و الفساحة رئيسيا و أفقيا ، و القدرة على الكشف ، و حنكة جذب القارئ
وكان هذا جزؤها الأول
ومنه نلج الجزء الثاني الذي أرجو أن يكون على جمال وروعة الأول ، و يحقق ما ارتأيت من وجهة نظر حول النص !







 
رد مع اقتباس