السلام عليكم أستاذ فايز الشروف
قصيدة طويلة لا بد أن تنال حقها من النقد، وسأفعل بما يُتاح لي من قدرة، وإن كانت لدي معايير مرتفعة قليلا إلا أننا سننتفع سويا.
تقول:
غنيّتُ عمّانَ في شوقٍ و من طربِ
عمّانُ في البالَ، يوماً عنهُ لم تَغِبِ
بيت جميل ودخول سليم
أحببتُها، ان في بعض الهوى قدرٌ
ِ
هنا ساء الأمر قليلا، تقول أحببتها، ممتاز، ثم: إن في بعض الهوى قدر، غير ممتاز، لا بد أن الوزن حملك على كتابة هذا الحشو، فأنا أفهم أن الهوى قدر، ولكن أن في بعضه قدرا فهذا لا معنى له البتة، إضافة إلى أن الصواب قدرًا لا قدرٌ أستاذ فايز.
ثم تقول:
لا يُسألُ العاشقُ الولهانُ عن سببِ
وأنا أسأل هنا، هل يجوز تنكير كلمة سبب وإطلاقها إطلاقها هنا؟ ألا يُسأل العاشق الولهان عن سبب شيء مطلقا؟ أم أنك تقصد أن العاشق الولهان لا يُسأل عن سبب حبه إذ لا مكان للإجابة ولا فائدة منها هنا؛ فالسبب معروف، إذ الهوى قدر ؟ إذن فلتقل ذلك أستاذ فايز الشروف.
لو في تعافٍ و لو نلنا بها سقماً
أو لو بيسرٍ أتى أو كان من كرَبِ
أعتقد أن هذا البيت لا ينتمي إلى هذه القصيدة ؟
تقول: لو في تعاف، وهذا تعبير سيء لا أخفيك، ثم: ولو نلنا بها سقما: هل تقصد لو نلت بالحبيبة سقما؟ هذا مما لا يُتكهن به، فأنا ظننتك تتكلم عن الهوى في الشطر الذي يسبقه، ولا بد أن تعطف عليه لا على غيره حتى لا تُشتت القارئ.
ثم تقول: أو لو بيسر أتى أو كان من كرب، لا أعتقد أنه صائب تنقلك بين حروف الجر الكثيرة وأنت تقصد أحدها فحسب، أنت أردت أن تقول: لو في صحة ولو في مرض ولو في يسر ولو في عسر، على جهلي بما تعود عليه هذه اللو، إلا أنك قصدت ذلك، أليس هذا هو الأمر أستاذي فايز الشروف؟
إذن لا بد أن تحذف هذا البيت وتكتب شيئا آخر، ولا تنسَ أن تحذف أتى أيضا فهي زائدة ولا محل لها.
في كلِّ حالٍ، ففي صحوٍ و في مطرٍ
ليلاً نهاراً و في دَعَةٍ و في الصَّخَبِ
الأولى أن تقول في الصحو وفي المطر، بعد أن قلت قبلهما في كل حال، وألا تنكّر الصحو والمطر بعدها، أن تفعل معهما فعلك مع الصخب، ولكن لا بأس، ما وضع دَعَةٍ هنا؟
أعتقد أنها كسرت الوزن.
ثم أنت تريد أن تقول: في كل حال، في الصحو والمطر والليل والنهار، فاعتمدت المقابلة بين المفردات، ثم قلت في الدعة والصخب ولم تربط بينهما بالعلاقة ذاتها، وهذا موحش جدا أدبيا، فقد أضاع كل الجمال الذي كنت تحاول بناءه.
في القلبِ تحيا و في الوجدانِ مسكنُها
بل جارةُ السّعدِ في الأفراحِ و الغضبِ
جميل سليم، وإن كنت كررت المعنى في الشطر نفسه، فقلتَ: في القلب تحيا، وفي الوجدان مسكنها، والمعنى واحد، وممل.
وفي الشطر الآخر كررت الفرح والغضب الموجودين في بيتك السابق الذي تقول فيه: في الدعة وفي (الصخب)، باعتبار أن الوزن دائما يضطرك إلى أن تقول شيئا لا تعنيه.
دار النّشاما بها الأبوابُ مُشرعةٌ
للضّيفِ من كلِّ صوبٍ جاء أو حدَبِ
لا أدري إن كانت النشاما كلمة عربية، أو إن كان يصح أن تُطلق اليوم على العرب، ولكن ما أعلمه على وجه اليقين أن المعنى في البيت مكرر جدا ومَقول في الشعر العربي بكلمات أحسن من هذه، وهذا ما نقيس عليه أستاذ فايز.
لكنّها مانعٌ للمُبغضينَ لها
لوْ يدخلوها من التكريمِ و الرّحَبِ
لا أدري ما معنى هذا البيت، فاستخدام لو فيه مشتت وأظنه خاطئا، ولا أعلم هل هو مدح -وهو غرض القصيدة- وإن حاولنا أن نتوهم معناه توهما.
عنوانها الجدُّ في يومٍ بهِ عملٌ
بالعيدِ تلهو كما الأطفالُ في لعبِ
عنوانها الجد معنى قديم، وفي يوم به عمل حشو، والواو يجب أن تسبق الشطر التالي حتى تتم المقارنة بين الجد واللعب، لا تنسَ أستاذ فايز أن حروف الجر والعطف مهمة جدا في اللغة العربية ولها دور مهم في معانيها.
أما عن قولك: تلهو في لعب، فلا أدري هل يمكن أن تلهو في لعب، أجد أن تغرق في لعب مستساغة نوعا ما، فهل أردتها؟
أحلى عَروسٍ تَباهت في محاسنِها
تبقى و إن دارت الايّامُ في شَبَبِ
على تكرار المعنى كثيرا كما في الأبيات السابقة، الشبب لا يعني الشباب، وإنما يعني الثور المسن.
إكليلُها من خيوطِِ الفجرِ قد نُسِجت
بل ثوبُها من شُعاع الشمسِ كالقَصبِ
قد نسجت: حشو لا يخفى، ثوبها من شعاع الشمس: جميل وجميل، ولكن هل ثوب القصب من شعاع الشمس؟
أنت قلت أن ثوبها من شعاع الشمس، وهذا جميل كما اتفقنا، ولكن حين قلت لنا أن ثوب القصب من شعاع الشمس كذلك هل زدت شيئا على المعنى الذي تريد؟ وما شأننا إن كان القصب كشعاع الشمس أم كشعاع القمر ونحن نتكلم عن غيره؟
كانت كما الأيكُ في صحراءَ مقفرةٍ
جميلة هذه الصورة.
و الفيئُ يأوي له الحرّانُ من تعبِ
الحران يأوي إلى المكان من الحر لا من التعب، ذاك المسافر من يأوي إلى المكان من التعب، دعنا نكون دقيقين أستاذ فايز لأن الدقة أخت الجمال.
كالشَّـمسِ لو اشرقت يوماً به جمَدٌ
دفئُ الكوانينِ للبردانِ، و الحطبِ
أنت شبهتها بالشمس المشرقة في اليوم البارد، فلمَ تشبهها بعد ذلك بالكانون الذي هو أقل من الشمس؟
هذا ضعف في البناء على السوء في التركيب والغلط في استخدام لو.
في أُلفـةٍ عاش ناسٌ فيكِ من زمنٍٍ
فيهِ التّآخي من القربى أو النسبِ
القربى هم النسب والألفة هي التآخي، ومعنى البيت حائز على الأوسكار على التكرار.
في العلمِ أصبحتِ نبراساً على علمٍ
مع مقصِدٍ منهُ نهلُ الفنِّ و الأدبِ
أصبحت نبراسا، تمام، مع مقصد، كيف نبراسا مع مقصد؟ أتقصد أنها في العلم نبراسٌ (و)مقصدٌ يُنهل منه الفن والأدب؟ أنا لم أستطع فهم البيت.
ثم إن كان هذا ما تقصده، لم تقول أصبحت نبراسا؟ وهل هي حديثة إلى هذا الحد حتى تقول لها أصبحت؟ أليس المناسب أن تقول كنت وما زلت نبراسا؛ في معرض الفخر هذا؟
يا روضةً من سعى فيها أتى فرحاً
كالطَّيرِ يشدو على الأغصانِ في طربِ
سعى فيها وأتى فرحا، أم أنك تقصد سعى إليها فأتاها فرحا؟ ثم إن المعنى في الشطرين مكرر كثيرا.
يا باقةً من ورودٍ لونُها قُزَحٌ
فيها الرّياحينُ أشتاتاً من الطِّيَبِ
هل الطِّيَب جمع طِيب؟ وهل تعتقد أن عند العرب هذا الجمع؟
ثم إني أعرف قوسَ قزح، فما هو قزح ؟
فاحت شذىً مع رياحٍ تعبر الأُفُقا
فاستنشَقتْ منه دهماءٌ من العربِ
الأفقا عروضيا لا تصح، والبيت عبارة عن زيادة في الصورة السابقة غير الواضحة.
امُّ الجبالِ الَتي تعلو بها قممٌ
تسمو شُموخا بدا يعلو على السُّحبِ
التي هنا زائدة، ونبطية المعنى، وبدا كذلك الأمر، ووجودهما هكذا في البيتين عبارة عن إسراف لفظي مقيت. أم الجبال، تعلو بها قمم تسمو على السحب، أليس هذا أحسن؟ فلم الزيادة في اللفظ؟ وهل زادت في المعنى؟ فسما، وعلا المكررة كلها بمعنى واحد، والشموخ أيضا.
في كل حيٍّ وآثارٌ لها طللٌ
باتت شهوداً على الأزمانِ و الِحقَبِ
لم رفعت آثار هنا يا ترى؟ وهل الوصف هنا وفي البيت بعده يخدم غرض القصيدة، أم أنه مجرد وصف ساقط الغرض والصورة
كالأمسِ يروي حِكاياتٍ بها سيرٌ
لليومِ، جاءت من التّاريخِ و الكُتبِ
!
كم منكِ قومٌ و قد جاءؤا بمأثرة
دوماً كِرامٌ و فرسان لدى الطلبِ
كم منك قومًا لا قومٌ، وكراما وفرسانا لا كرام وفرسان، والبيت جميل ومكرر كثيرا معناه.
في ميزة كنت في البنيان مع مدنٍ
من جلمَدٍ أبيضٍ قد لُفَّ في رَتَبِ
سأتخطى هذا البيت لأنني لست مفلحا في حل الألغاز، واعذرني.
كفُسـيْفِسـاءٍ و قد صُفَّتْ بزخرفـةٍ
فيها جمالٌ و إتقـــانٌ من العَجبِ
إتقان من العجب، هذا كلام لا يدل على شيء، وهو عبارة عن وأد مشؤوم للمعنى بالقافية غير اللائقة به. والوزن مكسور.
او لوحـــةٍ فنُّهــا ابداعُ محترفٍ
قد زُيِّنتْ في إطارٍ كان من ذهبِ
لوحة فنها إبداع محترف، كلام غير ذي معنى أيضا، وكان زائدة في الشطر الذي يليه، فالإطار كان من ذهب، فماذا أصبح اليوم؟ هل أصبح من الخشب مثلا؟ أم أنه كان ولا يزال من الذهب؟
يا شارعاً فيكَ أحبابٌ و تذكرةٌ
يا حيُّ كم فيكَ من خِلٍّ و من قَرَبِ
الشارع والحي والأحباب والخل أشياء نعرفها، ونعرفها الآن أكثر لأنك ذكرتها جميعا -وهي بالمعنى نفسه- في بيت واحد، ثم دعني أتساءل: ما هو القَرَب؟
هل هو جمع قريب وذي قرابة، هل تعني أقرباء وأقارب؟ أم تعني شيئا آخر؟ لأن قَرَب غير موجودة بهذا المعنى.
عمّانُ إنِّي لحبٍّ فيكِ متَّهمٌ
عماّن ُ إنِّي بحبٍّ فيكِ لن أتُبِ
هذا البيت بحاجة إلى كثير من الإصلاح
الإنسان يتوب عن الشيء، والله يتوب عليه، ولا يتوب الإنسان بالشيء، أي لا يقال إني أتوب بحبك أو لا أتوب، وإنما يقال إني لن أتوب عن حبك.
ويقال إني متهم بحبك، ولا يقال إني متهم لحب فيك، ثم هل هي لَحِبٌّ بمعنى حبيب واللام هنا هي اللام المزحلقة؟ أم لِحُبٍّ واللام هنا لام الجر؟ إذا كانت الأولى فحقها الرفع لا الجر.
ثم إنك ذكرت عمان مرتين في هذا البيت، فكان حق البيت أن يكون جميلا خاليا من الأخطاء، لا أن يُختم بقولك لن أتب بجزم الفعل المنصوب بلن قبله.