السؤال 54 : هل صحيح ما يقال إن هناك أشخاصاً في صدر الإسلام حدثت لهم الرجعة بعد الموت مثل زيد بن خارجة ([118]) الذي توفي في عهد عثمان رضي الله عنه وعاد إلى الحياة وتكلم، وأيضا عشرات الأشخاص الآخرين أوردهم ابن أبي الدنيا المتوفي في سنة 281 هـ في كتابه وكما أن هناك بعض الصحابة والتابعين مثل أبي الطفيل ([119]) والأصبغ بن نباته ([120]) وغيرهم يعتقدون بالرجعة ، وعليه فلماذا نستنكر وجود هذه العقيدة (الرجعة) عند الشيعة ؟
ولماذا يعاب على رواة كبار أمثال جابر بن يزيد الجعفي الذي كان يحفظ آلاف الأحاديث لسبب أنه كان يعتقد بالرجعة فيقصى من الوثاقة ويجرَّح فيه كما وقد صرح بذلك مسلم في مقدمة صحيحة ([121]) .
--------------------
[118] . من عاش بعد الموت 20 الرقم 1 ـ اُسد الغابة 2 : 227 .
[119] . المعارف : 341 .
[120] . تهذيب الكمال 3 : 308 .
[121] . راجع صحيح مسلم ج1 المقدمة باب الكشف عن معايب رواة الحديث .
الجواب:
عن ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: ( مَنْ أَرَادَ الْعِلْمَ فَلْيُثَوِّرِ الْقُرْآنَ، فَإِنَّ فِيهِ عِلْمَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ )؛ (1) ..
وقد ذكر في القرآن عن حادثة عاد فيها ميت مقتول للحياة من بني إسرائيل زمن النبي موسى عليه السلام ليخبرهم عن قاتله وقيل كان المقتول صبي قتله أخية وهو في سورة البقرة في قصة البقرة في قوله تعالى: { فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [البقرة : 73] ..
انظر في "تفسير الطبري" لابن جرير [ج2/ص: 229 – 232/ر: 1305 – 1313] ؛ اهـ
وانظروا "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير [ج1/ص: 302] ؛ اهـ
وفي تفسير القرطبي:
قوله تعالى: { فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [البقرة : 73]؛ قوله تعالى: { فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا } قيل: باللسان؛ لأنه آلة الكلام . وقيل: بعجب الذنب، إذ فيه يركب خلق الإنسا،. وقيل: بالفخذ، وقيل: بعظم من عظامها، والمقطوع به عضو من أعضائها، فلما ضرب به حيي وأخبر بقاتله ثم عاد ميتا كما كان ..
مسألة: استدل مالك رحمه الله في رواية ابن وهب وابن القاسم على صحة القول بالقسامة بقول المقتول: دمي عند فلان، أو فلان قتلني . ومنعه الشافعي وجمهور العلماء ، قالوا: وهو الصحيح؛ لأن قول المقتول : دمي عند فلان ، أو فلان قتلني ، خبر يحتمل الصدق والكذب . ولا خلاف أن دم المدعى عليه معصوم ممنوع إباحته إلا بيقين ، ولا يقين مع الاحتمال ، فبطل اعتبار قول المقتول دمي عند فلان . وأما قتيل بني إسرائيل فكانت معجزة وأخبر تعالى أنه يحييه، وذلك يتضمن الإخبار بقاتله خبرا جزما لا يدخله احتمال، فافترقا . قال ابن العربي: المعجزة كانت في إحيائه ، فلما صار حيا كان كلامه كسائر كلام الناس كلهم في القبول والرد . وهذا فن دقيق من العلم لم يتفطن له إلا مالك ، وليس في القرآن أنه إذا أخبر وجب صدقه ، فلعله أمرهم بالقسامة معه واستبعد ذلك البخاري والشافعي وجماعة من العلماء فقالوا : كيف يقبل قوله في الدم وهو لا يقبل قوله في درهم .
وما دامت وردت هذه الحادثة في كتاب الله فمن الممكن أن تحدث ولكن بندرة ومنها قصة زيد بن خارجة، وكلامه بعد الموت !! .
أخرج الحافظ البيهقي، عن سعيد بن المسيب: ( أن زيد بن خارجة الأنصاري ثم من بني الحارث بن الخزرج، توفي زمن عثمان بن عفان فسجي بثوبه، ثم إنهم سمعوا جلجلة في صدره، ثم تكلم، ثم قال: أحمد أحمد في الكتاب الأول، صدق صدق أبو بكر الصديق، الضعيف في نفسه، القوي في أمر الله، في الكتاب الأول، صدق صدق عمر بن الخطاب القوي الأمين، في الكتاب الأول، صدق صدق عثمان بن عفان ، على منهاجهم، مضت أربع وبقيت ثنتان، أتت الفتن …… الحديث )؛ (2) ..
وما نبأ زيد بن خارجة رضي الله عنه في صحوة موته نبأ به النبي صلى الله عليه وآله وسلم دون مرحلة ذو النورين عثمان، فكان هذا جديد النبوءة:
عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وعَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَا: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اسْتَخْلَفْتَ عَلَيْنَا؟ قَالَ: ( إِنْ أَسْتَخْلِفْ عَلَيْكُمْ خَلِيفَةً فَتَعْصُوهُ يَنْزِلْ بِكُمُ الْعَذَابُ )، قَالُوا: لَوِ اسْتَخْلَفْتَ عَلَيْنَا أَبَا بَكْرٍ، قَالَ: ( إِنْ أَسْتَخْلِفْهُ عَلَيْكُمْ تَجِدُوهُ قَوِيًّا فِي أَمْرِ اللَّهِ ضَعِيفًا فِي جَسَدِهِ )، قَالُوا: لَوِ اسْتَخْلَفْتَ عَلَيْنَا عُمَرَ، قَالَ: ( إِنْ أَسْتَخْلِفْهُ عَلَيْكُمْ تَجِدُوهُ قَوِيًّا أَمِينًا لا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لائِمٍ )، قَالُوا: لَوِ اسْتَخْلَفْتَ عَلَيْنَا عَلِيًّا، قَالَ: ( إِنَّكُمْ لا تَفْعَلُوا، وَإِنْ تَفْعَلُوا تَجِدُوهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا يَسْلُكً بِكُمُ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ )؛ (3) ..
--------------------
(1) رواه الإمام أحمد في "الزهد" [ر:532]، والخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" [ر:123]، والهيثمي في "مجمع الزوائد" [ج7/ص: 168]، والبوصيري في "إتحاف المهرة" [ج1/ص: 190]، وحكمه: [صحيح] ..
(2) رواه البيهقي، عن الحاكم، عن أبي بكر بن إسحاق، عن موسى بن الحسن، عن القعنبي، فذكره، وقال: هذا إسناد صحيح وله شواهد ؛ ورد في "البداية و النهاية" لابن كثير [ج9/ص: 56] ؛اهـ
(3) ورواه البزار في "مسنده؛ البحر الزخار؛" [ج3/ص: 32/ر:783]، ورواه ابن عساكر في "تاريخ بغداد" [ر:19046]، ورواه الحاكم في "المستدرك" [ج3/ص: 74/ر:4435]، ورواه الطبراني في "الصغير" [ج1/ص: 396/ر:952] ..
====================