تصدير
صهوة :
يا صاحبي ... يا راكب لوح الهجير ، وصهوة الرحيل ، وليل المنيّة قاب قوسين أو أدنى من صهيل العويل ، وذئاب الحيّ في القفر يزرعون الماء في نهر ضليل ... يا صاحبي تمهّل فإنّني مقيم ... استأسد ضعفي فيّ ، وقلّة حيلتي ، وملّني دربي الذّليل ، وامتدّت رؤوس الأجداث في ذاكرة الطريق ، ونسلت جماجم الحيّ من بين أغصان أنياب انهمرت لتوّها من كهف قديم ، وبعض أيّامي على إجهادها ترتّل بعض آي من صحف القادمين ، لعلّ صبحهم يبزغ من شرق الكلام ، أو ينثره ضحى أحلام رميم ... تمهّل يا صاحبي ، فإنّني مقيم ... لعلّ النار الكامنة في السفح تقبّل وجنتي العلم الشاهق ، وتنفخ فينا أنامل النّخيل ... تمهّل يا صاحبي ، فإنّني مقيم ... فبقايا نور تلوح هناك ، على الضفّة الأخرى من الوجد كأطلال عطر على ثوب أميرة في الغابرين ، كأخاديد وجه أرض مشرعة الأمنيات للفاتحين ... تمهّل يا صحابي ... تمهّل ... وتهجّ معي على ضوء خصلات شعرها آيات الماء ، والفجر الأثير ، فلعلّ البحر يذهب حزنه ، ويتدثّر بفستان من العيون ، بعدما بعثره موجه العقيم ... فوزي الديماسي
الفصل الرابع
دخل منزله منتشيا بعد لقاء ورديّ مع صديقته الشاعرة على شاطئ البحر ، لكن النشوة قطعتها فوضى المكان التي استقبلته . تسمّر في المدخل من هول ما رأى ، برك من الدمّ تملأ الدّار، ورائحة الموت منتشرة في الفضاء ، استبدّ به الخوف ، وتملّكه الذعر ، يبدو أنّ أنياب حرب عبثت بالأثاث . لم يفهم بداية طبيعة المشهد ،بل ظنّ أنّه أخطأ العنوان ، تقدّم نحو الداخل بحذر ، فاحتضنته قاعة الجلوس بجثث مبثوثة على الأرض ، ورؤوس معلّقة على الأبواب ، والجدران ، انتشر الخوف في مفاصله ، وكاد يسقط أرضا من رؤية الرؤوس المقطوعة المعلّقة ، استمسك ببعض حياة ، وتوجّه نحو الغرف يفتحها واحدة تلو الأخرى بجنون ، نفس الديكور يحتلّّ ملامح الغرف ، رؤوس معلقّة، وبرك دم ، كلّ الجدران والأبواب ملطّخة بالفجيعة تلقي بردائها على الفضاء . أدركه الدّوار ، تقهقر خطوات ، وقد عبثت به رياح التوتّر ، أجهد عقيرته لكي تطلق صيحتها ، لكنّها خانته ، تحامل على غثيانه ، وكتم أنفاسه ، تقدّم خطوات نحو الجثث ، وبينما هو يتجوّل على أرض شوكيّة بين أكداس الجثث يسأل ملامحها ، إذ بصوت كما الأنين يقتحم عليه وجومه . توقّف عن السؤال، وأطلق ساقيه نحو مصدر الصّوت، دخل غرفة الاستحمام ، وجدها مطروحة أرضا ، وما بين فخذيها ينزف ، إنّها شخصيّة روايته ، تلعق دمها ،وتحاول تضميد جراحها ، يا لهول ما رأى ، لقد تركها نائمة بهدوء بين جنبات نصّه قبل مغادرته لبيته ، ولكن من فعل بها هذا ؟
ومن أخرجها من أوراقه ؟ ومن عبث بها ؟ ومن ألقى بها خرقة مغتصبة في بيت الاستحمام ؟ ازدحمت الأسئلة في رأسه ، وتطاولت أشواك السؤال في كلّ أقطار بدنه ، تقدّم نحوها ليتبيّن حقيقة الأمر ، توجّه إليها بوابل من الأسئلة ، لكنها أجابته من بئر غيبوبتها بسبابتها متوجّة إلى غرفة مكتبه ، ثمّ استسلمت لدمها النازف . تركها على حالتها تلك ، وأطلق العنان لرجليه ، والفضول . دخل غرفة المكتب حذرا ، فاستقبلته أمواج من الرؤوس ترفع على أكفّها الرّجل البرنزيّ ، ومن ورائه رجال البرنز الأقزام يدقّون طبول الفرح ، وينشدون أهازيج النّصر ، توغّل في غابة الرؤوس موجّها وجهه نحو الساحة ، حيث ترك في الرواية الرجل البرنزيّ يتخبّط في دمه ، وحول رقبته حبل الغضب، ومن حوله تحلّق جمهور الغاضبين ، والصحفيّة شخصية روايته على أجنحة الزغاريد ترفرف كفراشة الربيع ، حاول الوصول إلى المكان بمشقّة . فتيّار أمواج الرؤوس المبتهجة كان أقوى من أن يبلغ مبتغاه بيسر
شقّ جموع الصامتين بعد غضب ، والمبتسمين بعد تجهّم ، والهادئين بعد ثورة ، دفع أجسادهم تارة برفق ، وطورا بقوّة ، لعلّه يتبيّن أشياء لم يفقه كنهها من قبل ، بلغ الساحة بعد عسر ، فوجد شخصية روايته طريحة الأرض ، والرّجل البرنزيّ قد عاد إلى عليائه شامخ الوقفة بين أشجار الشارع ، تقدّم نحوها بعين دامعة ليلملم دمها وأشلاءها تحت مطر اللاّمبالاة ، تجوّل بعينيه في الوجوه المنبسطة كأرض خلاء ، لا جواب ، إلاّ عويل الريح يطرق باب هواجسه من حين إلى آخر . رفع الرّجل البرنزيّ يمناه ، فتقهقرت الجموع ، ثمّ ابتلعتها الأرض تاركة مكانها لقهقهاته ولأناشيد عياله .
جمع أوراقه وشخوصه المبعثرة على أرض الساحة ، ورماها في دهاليز محفظته ، وغادر أرض الرواية ، وطفق يطهّر غرفه من آثار الدم والرؤوس ، ثمّ أسرج خيبته ، ودفع بقوافل سقوطه نحو الشّارع ، بيمينه محفظته ، وبشماله محنته .