الفصل الثالث :
تمدّدت على بياض الورقة ، فتحت ذراعيها للآتي ، افترشت كثبان الحروف ، تدثّرت بأغاني الحصاد وأهازيج الغاضبين المتحلّقين حول الرجل البرنزيّ ، قلّبت ذاكرتها ، رسمت حقلا من السّنابل على جانبي سكينتها ، رتّبت بعبث الصّبيان تفاصيل صباحاتها في إنتظار قدوم خزّافها ، ليحبّر بقيّة سيرتها ، وسيرة الرجل البرنزيّ . قطرات الذكريات تطرق بلّور نفسها المعلّقة في أرجل الطيور المهاجرة . جلست في مهبّ قهقهات الرجل البرنزيّ تنتظر حبر صاحبها ، وصاحبها في غفلة من أنامله يعيش لحظة عشق مع صديقته الشاعرة على شاطئ البحر . اضطربت على موج الأهازيج ، ومن حين إلى آخر تبعث بعينيها هدهدا إلى أقاصي بياض الورقة ، لعلّ القلم في طريقه إليها ، ملّت الانتظار والتسمّر في ذات المشهد ، وشعورها بالنّصر يدفعها نحو تخوم الغد المنشود ، كرهت التوقّف عند سقوط الرجل البرنزيّ في الرواية ، أرهقها الانتظار . ابتعدت قليلا ، تخيّرت لها من الأماكن ظلّ شجرة سافرة تمنّي النّفس بقدوم صانعها ، وهو الذي تركها وراء ظهره تتخبّط في أوراقه ، موجّها وجهه شطر عشيقته الجديدة في مدائن الشعر والعشق ، بقيت متسمّرة في صوت النشيج ، وجبالها عهن مسفوك على قارعة الصمت ، ودربها نحو القبيلة مزركش بالشّوك ،
يمخر حلمها الجنين عباب الأسئلة . كلّما تذكّرت هجر صانعها وقلمه النافخ في سكناتها حياة بعد موت تضيع سفنها في بحر من الذئاب وتغادر العصافير خرير الفؤاد.
وبينما هي على لوح الإضطراب إذ بجثّة الرجل البرنزيّ تتمدّد ، وتتعدّد في فضاء الصفحات ، ويخرج منها رجال كثير على شاكلته لينتشروا في الساحة . تقهقر جمهور الغاضبين قليلا ، وعيونهم تتابع المشهد بحذر ، تحلّق رجال البرنز حول أبيهم المدّد ، كلّ ينفخ فيه من روحه ، تقدّم أحدهم وبيديه آنية من دم ،ليباركهم بدم الآنية كما يبارك الربّ عياله ، جاؤوه صفّا صفّا ، وهو كما الفراشة يتنقّل بينهم ، يبارك هذا ، وذاك ، يخصّب رؤوسهم بدم الآنية واحدا بعد الآخر ، ويلبسهم بياض الصّباح ، ولمّا أتمّ طقوسه أطلق أجنحتهم في سماء الورقة يوزّعون الورد والإبتسامات على جمهور الغاضبين ، وحملت أصنام البرنز المنتشرة في الرّحب الجثث المبثوثة في الطرقات لتدفنها في حفرة النسيان ، وتلملم بعد ذلك رعب الشّوارع ، ورقصات الرّصاص ، وبرك الدّم ، وتبعث في الغاضبين تباشير الصّفح . تقدّمت وجوه من الصفوف الخلفيّة من الجمهور نحو الرّجل البرنزيّ ، وقد استوى على عرشه من جديد ، مشت بملامحها المستبشرة نحو يمينه لتقبّلها ، وتبارك عرشه ، كما غنّت فئة أخرى جثّة الفجر .
عاد الشّارع إلى هدوئه ، وأينعت أشجار غير مثمرة على ضفّتيه ، غادر النّاس حناجرهم وأياديهم الملوّحة بعلامات النّصر ، تململت الصحفيّة بين كثبان الكلمات ، وانطلقت من حولها في برد الأوراق أصوات الهواتف تردّد في غفلة من العرش :
مخالب تداعب صمت الغرفة ...
صباح صحراويّ يقهقه بين أحضان شمعة متبرّجة ...
الضّوء يتدلّى ...
والغرفة هناك حيث الثعابين تلاعب عقارب الساعة الحائطيّة ...
أغصان المعنى شلّالات من خوف تطرق نافذة الغرفة ...
ريح متوحّشة ترتّب تفاصيل السّرير ...
لقمة معفّرة قرب مرجل الغياب تحتلّ نصف اللّوحة المعلّقة على صدر الليل ، وشجرة في الريح فريدة تولول في النّصف الآخر ...
فانوس الحكايات يلثم وجنتي الخزانة ...
طفلة من ماء تراقص دميتها من وراء بلّور النافذة الداكنة ، وأعمدة من دخان تضمّد جراح الستائر ...
قطط المدينة تمارس طقوس الحياة تحت الشرفة ، وألسنة همسها تلتهم حزمة الأسئلة المتوثّبة في ميدعة الطفلة الواقفة في فراغ الشّارع ...
استوى الفجر في دروب الرواية يناجي أبجديّات الشواطئ الراّكدة في أحشاء الذّكريات ...
تلك هي حكايات الليل ترويها المخالب في غفلة من الكوّة ...
حلّق في سماء الرّواية أمل من دخان ، ورفرفت فكرة يتيمة في سقف الغبار ، حطّت حمامة على حافة حماقة ، وتحرّكت العاجزة في غياب خزّافها نحو جحافل الغاضبين الناسلين من أرض الهجير نحو مدائن الأفق ، فراشات تشدّ الظلّ إلى عمود الماء ، ملامح ليل مشوّه تنام تحت جدار ، والقمر على عادته يتابع نمل الهواجس المنتشر على صخر الرواية بعين باردة . تقدّمت بخطى حذرة نحو جمهور المذهولين ، تدعوهم لمواصلة الرحلة ، وتطهير الأرض من ديدان المدينة ، وإلقاء الرجل البرنزيّ وعياله المنتشرين في الأرض كالوباء خارج صفحات النصّ ، ارتفعت ألسنة صياحها تبعث في الناس ماء الحياة ، لكن صوتها عاد إلى حنجرتها متكسّرا ، ألقت نظرة على الجموع ، فاستقبلها الصمت ، وكان الناس قد تفرّقوا نحلا يأكلون الخبز من حولها ، ويتقاتل بعضهم لبلوغ أيادي المخلوقات البرنزية الصغيرة الممتدّة بالخبز .مشت مكبّة على غدها وفي الفؤاد ظلّ ،وضلال ، وحيرة ، وسؤال ، وعلى الدرب أينعت رؤوس الليل الأليل ، والأنياب ، والزمن غياب في غياب ، وزورق الوقت كشجرة في مهبّ الذئاب ، فهي التي خضّبت أحلامها بمدائن من زبرجد ، ونخل ، وماء ، وشيّدت على شاطئ الأماني مسالك للعاشقين ، ونفخت في ترائب الفجر أجنحة من طين اللغات ، ورسمت على ثغر الوجود بالثلج خرائط للمشرّدين ، ورفعت القمر في عليّين ، وجعلت من القلب مرافئ لعرائس البحر ، وحكايا الأوّلين ، وزرعت في الكهوف نارالقرى ، ورتّلت في سكون الحيرة آيات من دفاتر القبائل ، ثمّ توجّهت نحو جيدها ، والنهد ، فخانتنها الجموع والذاكرة ، وضاع النهد في زحمة المخالب ، وابتلع السّراب قريحتها