السؤال 4 : هل صحيح أن بعض القيادات والأئمة والفقهاء والمحدثين من السلف ومعتمدي المذهب حسب كلام الزهري كانوا من أولاد الحرام وأولاد الزنا؟ قرأت ذلك في كتاب المحلى للإمام ابن حزم وجعلني أفكر طويلاً في مدى صحة هذا الكلام وعلى فرض الصحة هل يجب علينا إتباع هؤلاء؟ ..
يذكر صاحب المحلى كلامه هذا في مسألة صحة الصلاة خلف ولد الزنا ويقول : عن الزهري قال : كان أئمة من ذلك العمل، قال وكيع : يعني من الزنا . ( ورد في "المحلى" لابن حزم [ج4/ص: 213] )
وشعبة بعد سنتين وهرم بن حيان بعد أربع سنوات والإمام مالك بعد ثلاث سنوات والإمام الشافعي بعد أربع سنوات من موت آبائهم ولدوا!( الصفدي: ولد الضحاك لستة عشر شهراً وشعبة ولد لسنتين، وهرم بن حيان ولد لأربع سنيين ومالك بن أنس، حمل به أكثر من ثلاث سنين والشافعي حمل به أربع سنين . "الخزائن" للنراقي [ص: 217]، وفي "المعارف" لابن قتيبة [ص: 594]، "سير الأعلام" للذهبي [ج8/ص: 132] )
الجواب:
ما قصده ابن حزم في "المحلى"، هو إمام الصلاة وليس الأئمة، وليس أئمة العلماء، وفي الشرع يجوز الصلاة خلف البر والفاجر، فلا ضير بالصلاة خلف اللقيط أو ابن الزنا ..
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، قَالَ: ( صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ )؛ (1) ..
باطنية الفرس ذوي الانتماء الغير سني أو السني المقنع عندما عجزوا بأوج قوة الدول الإسلامية عن حرب السيف لجئوا لحرب القلم، فأدرجوا وحرفوا ودسوا ..
فكثير ممن زود بالأخبار لمن حبرها من الحفاظ المؤرخين العدول أمثال: الطبري والذهبي وابن كثير وابن الجوزي وابن هشام وابن حزم وغيرهم، لم يكونوا محبين لأعلام الإسلام بل كانوا مبغضين حاقدين فتظاهروا بالأمانة والصدق نفاقا لكسب ثقة الحفاظ المؤرخين وتمرير مأربهم دون أن يلحظ ذلك الكثير وخاصة مع تقادم هذه النقول؛ وتباعد إمكانية متابعتها وإمكانية تحقيق مصادرها الناقلة لهذه الأخبار، وكان ذلك في متون التاريخ أسهل من متون الآثار المرفوعة ثم الموقوفة ثم المقطوعة على التابعين لقلة الإخباريين للتأريخ مقرنة مع رواة الآثار ..
كما أن المسلمين العرب انشغلوا في الجهاد وإعلاء كلمة الحق عن العلم ومتابعاته، والرواية والدراية فكان كثير من الرواة من غير العرب ..
من ناحية أخرى يجب علينا ونحن مسلمين، أن نحمل النصوص الغير صريحة على محمل جيد وتأويل حسن؛ وأن يقول وكيع بن الجراح يعني من الزنا، فهذا لا يصح عن فقيه حافظ تقي بورع وكيع، وتأدبه وأخلاقه، فهو أستاذ ومربي لطليعة من أعلام العلماء في مقدمتهم: فقيه السنة الأكبر الشافعي الكبير رحمه الله تعالى ..
كما أكد ذلك القاضي البيهقي في "مناقب الشافعي" [ج2/ص: 314]؛ والإمام الفخر الرازي في كتابه "مناقب الإمام الشافعي" [ص: 44]؛ والقرشي الحنفي في "الجواهر المضية" [ج1/ص: 487]، وغيرهم ..
وهو الذي شكا له الإمام الشافعي سوء الحفظ بكثرة انشغاله في العلوم الشرعية النظرية على حساب العلوم والأوراد الآخروية الارتقائية ..
فأنشد معبرا، كما ورد في ديوان شعره الشهير، وقال: ( شَكَوْتُ إلَى وَكيعٍ سُوءَ حِفْظِي؛ فَأرْشَدَنِي إلَى تَرْكِ المعَاصي؛ وَأخْبَرَنِي بأَنَّ العِلْمَ نُورٌ؛ ونورُ الله لا يهدى لعاصي )؛ (2) ..
قال علي بن خشرم: شكوت إلى وكيع قلة الحفظ، فقال [وكيع] : ( استعن على الحفظ بقلة الذنوب )؛ (3) ..
والذنب هو كل تعلق نفسي في غير ما يرضي الله؛ وقد يكون تعلق في خير أي ذنب نوراني ولكن بدافع هوى النفس وليس مرضاة الله؛ أي أن تكون نيته خالصة لوجه الله وحده؛ فإنما الأعمال بالنيات؛ وعند السادة المتقين كل تعلق بغير الله أو يشغل عن الله هو ذنب ..
وروى الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي"؛ عن رزق الله بن موسى قال: ( مشيت خلف وكيع بن الجراح، وهو يريد مسجد الجامع، فسألته عن أحاديث؟ فقال لي: (( هون عليك، فإن كلام الناس من مائتي سنة، لا يلحق كلمة )) )؛ (4) ..
وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان الكوفي: ( سمعت وكيعا يقول: (( من استفهم وهو يفهم، فهو طرف من الرياء )) )؛ (5) ..
وقال وكيع: ( لا ينبل الرجل حتى يكتب عمن هو فوقه ومن هو مثله ومن هو دونه )؛ (6) ..
وقال: ( لا يكون الرجل عالما حتى يسمع ممن هو أسن منه، وممن هو مثله، وممن هو دونه )؛ (7) ..
فكيف لرجل بتقوى وورع ودقة معاملاته مع نفسه وغيره كما هو الفقيه المحدث "وكيع بن الجراح" أن يرتضي مريد له من أبناء الزنا!، أو يفضح أصل وحقيقة منشأ أئمة يقتدى بهم!؛ فمن شيم المؤمن الحق الستر والتماس العذر لمن يرجم بالباطل حسدا على ما اكتسبه بالحق ..
ويروي الإمام الشعراني في خاتمة "المنن الكبرى"، عن تاج الدين ابن عطاء الله السكندري، أن وصدق المتقين، حين قالوا ( لا يكمل عالم في مقام العلم حتى يبلى بأربع: شماتة الأعداء، وملامة الأصدقاء، وطعن الجهال، وحسد العلماء، فإن صبر جعله الله إماماً يقتدى به )؛ (8) ..
ويؤيد ذلك قول الله تعالى: ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) [السجدة : 24] ..
ومن ناحية أخرى نجد الأثر المشهور من غير سند؛ من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( أنا جد كل تقي وإن كان عبدا حبشي، وبريء من كل شقي وإن سيد قرشي )؛اهـ
وقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ )[الحجرات : 13] ..
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ خُطْبَةَ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: ( (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلا لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلا لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلا بِالتَّقْوَى، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ، أَلا هَلْ بَلَّغْتُ؟ )) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (( فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ )) )؛ (9) ..
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: ( أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ؟، قَالَ: (( أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ ))، قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ: (( فَأَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ، ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ، ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ، ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ ))، قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ: (( فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي؟ ))، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: (( فَخِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا )) )؛ (10) ..
فالمقياس للإمامة تقاس بالتقوى ودرجة العلم؛ لا بالأصل والفصل والنسب، نعم النسل الطيب والمربى الحسن له دور كبير، ولكن ليس له مقياس مع النتائج، المهم النتائج فكم من رجل أصيل أساء لأصله وحسبه ونسبه ..
فليس الفتى من قال كان أبي؛ إن الفتى من قال: ها أنا ذا ..
مع العلم أن هذا الأمر نادر وليس شائع عند الأئمة والقادة، وفق معلوماتي يكاد يكون معدوم، وإن كان المقصود المماليك أو الإنكشارية فهؤلاء تم تربيتهم على أساس تربوي ديني غطا على أصلهم إن كانوا لقطاء أو سبي حرب ..
فمن المماليك ظهر سيف الدين السلطان قطز، والظاهر بيبرس الذين أنهوا الزحف المغولي، ومن انكشارية آل عثمان التركمانيين، كان الجيش الذي فتحت به القسطنطينية ..
عن بشر الغنوي رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ( لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ، وَلَنِعْمَ الأَمِيرُ أَمِيرُهَا، وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ )؛ (11) ..
وأختم بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( المتقون سادة والفقهاء قادة ومجالستهم زيادة )؛ (12) ..
يتبع ..
---------------------
الهوامش:
(1) رواه أبو داود في "سننه" [ج1/ص: 218/ر:594]، بلفظ: ( والصَّلاةُ واجبةٌ عليكم خلفَ كلِّ مسلمٍ برًّا كانَ أو فاجِرًا وإن عمِلَ الكبائرَ )؛ وسكت عنه إقرارا بصلاحه؛ ورواه البيهقي في "سننه الكبرى" [ج5/ص: 323/ر:6932]؛ ورواه الدارقطني في "سننه" [ج2/ص: 57/ر:10]؛ ورواه المتقي الهندي في "كنز العمال" [ج6/ص: 84/ر:14815]؛ ورواه العجلوني في "كشف الخفاء" [ج2/ص: 29/ر:1611]؛ حسنه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:3653]؛ وقال ابن الهمام في "شرح القدير" [ج1/ص: 361]، بحكمه: يرتقي إلى درجة الحسن عند المحققين ..
(2) ورد في "الجوهر النفيس" للشافعي [ص: 54] ..
(3) ورد في "شعب الإيمان" للبيهقي [ج1/ص: 2/ر:288]؛ وفي "تهذيب الكمال" للمزي [ج8/ص: 733] ..
(4) ورد في "الجامع" للخطيب [ج2/ص: 303] ..
(5) ورد في "الجامع" للخطيب [ج1/ص: 131] ..
(6) ورد في "الباعث الحثيث" لابن كثير [ص: 158]؛ وفي "تدريب الراوي" للسيوطي [ج2/ص: 147]؛ وفي "سير الأعلام" للذهبي [ج7/ ص: 44]؛ وفي "الآداب الشرعية" لابن مفلح [ج2/ص: 119] ..
(7) ورد في "الجامع" للخطيب [ج2/ص: 274] ..
(8) ورد في "طبقات الشاذلية" للفاسي [ص: 42]؛اهـ
(9) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" [ج4/ص: 289/ر:5137]، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" [ج3/ص: 269]: رجاله رجال الصحيح؛ وصححه الألباني في "شرح الطحاوية" [ر:361]، وفي "غاية المرام" [ر:313]، وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
(10) رواه البخاري في "صحيحة" [ج4/ص: 1729/ر:4412]، وفي "الأدب المفرد" [ج1/ص: 57/ر:129]، بإسناد صحيح، بتحقيق الألباني في "صحيح الأدب" [ر:96]، وخلاصة حكمة: [صحيح] ..
(11) رواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج5/ص: 441/ر:18478]، وصححه الحاكم في "المستدرك" [ج4/ص: 468/ر:8300]، على شرط الشيخين، ورواه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:7227]، وقال: صحيح؛ وقال المنذري في "مجمع الزوائد" [ج6/221]: رجاله ثقات؛ وحكمه: [صحيح]؛ اهـ
(12) رواه الهيثمي في "مجمع الزوائد" [ج1/ص: 130]، وقال: رجاله موثقون ..