اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالستارالنعيمي
القبض على شاعر
يا ليتني كنتُ رُبى*أحوي كِناسا وظِبا
والعيشَ حرّا مُطلقا* بين جناني جَلِبا
يرتعُ في ربعي الهوى*من ناهدات وصِبا
تُبذلُ أثماري ونه- ري مِن فُراتيهِ جَبى
فازرقّتِ المياهُ في*شطآنهِا بين زُبى
الغصنُ غضٌّ ناعم *يميلُ من هبّ صَبا
بين هدوء ناعس*قد اُغمدتْ فيه ظُبا
البلبلُ الغرّيد في* أنغامه عزفُ صَبا
والشمألُ الفيحاء هبّ- تْ من أفانين كِبا
*******
بين ثنيّاتي بنا—تُ الدرس نصّبنَ الخِبا
أطلقن شِعري في الفضا*والناي شوقا نحّبا
هلا سمعتَ الشعر يا* من رأسهُ رأس الدَبى!
يا قاضيا يمنعنا *من سخطهِ أومن غبا
لا تمنعنْ حبا إذا *حلّ زمانا أصعبا
إن بات ذا الحبّ عفي- فا في غناه أطربا
قلبك في تهويلهِ*لمّا يصدّقْ محُببا
*******
قالت سعاد:جئت لي؟ *لا يا سعاد؛بل إبا
قالت؛لِم التصريح باس- م مَن كرهتُ مِن صِبا
(إبا) أحبّتْ شاعرا *منسجما مع الظِبا
إن لم تصدّق فاسأل ال – بناتِ من ذات الخِبا
لما سألتهنّ صا--- حن؛أمسِكوهُ مُذنبا
جُنّتْ به جنّ بها* في الحبّ ثم أجنبا
يا أضعف الجنسين في * هجرٍ ألستَ الأكأبا
ألست من يبكي النوى*في شعره مستعذبا
لمّا استويتَ شاعرا*هجرتَ أختنا إبا
|
السلام عليكم
تأبى نفسي أن أمر مراراً على قصائد أخي وأستاذي الشاعر القدير عبد الستار النعيمي دون أن أترك تعقيباً يدلّ على عنايتي بشعرٍ مميزٍ يثير الاهتمام كما يثير الأسئلة .
في قصيدته هذه يصوّر شاعرنا مشهداً ظريفاً تحبكه الصبايا للقبض على شاعرٍ هجر أختهن "إبا" .
تعليقاتي سأعلّقها،وأسئلتي سأسألها. ولن أعبأ بإزعاج الشاعر ما دام لم يمنعني بعد من الدخول إلى فناء نصوصه ؟
القصيدة مكوّنة من مقاطع ثلاثة ، في المقطع الأول أمنية الشاعر أن يكون كالروابي من الأرض لتحفل نفسه بما تحفل به نفوس الروابي :
يا ليتني كنتُ رُبى*أحوي كِناسا وظِبا
فالكناس مأوى الظباء بين الشجر، ولو كان الشاعر "رُبى" لحوى تلك الظباء في كناسها .
والعيشَ حرّا مُطلقا* بين جناني جَلِبا
ولو كان الشاعر "رُبى" لعاشت الكائنات بين جناته حريتها المطلقة ، إذ لا قيود ولا شروط- على ما يبدو - يمكن أن تحدّ من حرية من يعيش هناك. ولفظة "جَلِبا" تعبّر تماما عن الصخب الذي يؤكد حالة الازدحام التي تعج بالحياة في تلك الربى .
يرتعُ في ربعي الهوى*من ناهدات وصِبا
ولعل من وصفهن الشاعر بالناهدات والصبا ( الصبايا) أعز من يرتع في "ربع الهوى " حيث الربى التي هي الشاعر نفسه في عالم الأمنيات .
تُبذلُ أثماري ونه- ري مِن فُراتيهِ جَبى
وهنالك الشاعر/الربى يبذل ثماره ،فثماره مبذولة كرَما ودون ثمن مادام يمتلك نهرا ًمزدوجاً (فراتين.. أهما دجلة والفرات ؟) فكيف لا تُبذل ثماره ؟
فازرقّتِ المياهُ في*شطآنهِا بين زُبى
فبين التلال مياه مزرقّة تنساب على شطآنها
الغصنُ غضٌّ ناعم *يميلُ من هبّ صَبا
وهناك نسائم الصَبا التي تهبَ على الأغصان الناعمة الغضة التي تتمايل في إثرها .
بين هدوء ناعس*قد اُغمدتْ فيه ظُبا
وهناك الهدوء الذي يصفه الشاعر بأنه الهدوء الناعس.. ( الناعس ) الذي ينعكس على من يشعر بالاسترخاء هناك نعاساً وطمأنينة ..توصيف شاعري ثمين .
البلبلُ الغرّيد في* أنغامه عزفُ صَبا
حيث يعزف البلبل أغانيه من مقام (الصبا)
والشمألُ الفيحاء هبّ- تْ من أفانين كِبا
وحيث تهب ريح الشمال على أغصان (نبات الكِبَاء) لتحمل عنه عطر البخور قبل أن تصل إلى ربى الشاعر.
بعد توصيفه ذلك الجمال الخلاب يوجّه الشاعر في المقطع الثاني عدسات التصوير إلى الفتيات (الطالبات) اللاتي نصبن أخبيتهن (خيامهن ) بين ثنيات الربى
بين ثنيّاتي بنا—تُ الدرس نصّبنَ الخِبا
والأجمل أنهن يغنين ويلحنَّ شعر الشاعر في أغاني شوقٍ صدّاحةٍ وصل صوتها للسماء فيما رافقها من بحّة صوت الناي الكئيب المنتحب .
أطلقن شِعري في الفضا*والناي شوقا نحّبا
فهلاّ سمعت الشعر كيف يغنّى يا من تتجاهل هذا الشعر ؟ (يا من رأسه رأس الدبى ) فالدبى :النحل . فما شأن القاضي المانع للحب ؟ وما وجه الشبه بين رأس القاضي ورأس النحل ؟ أهو صغر الحجم ؟ أم هو الغباء ؟
هلا سمعتَ الشعر يا* من رأسهُ رأس الدَبى!
يا قاضيا يمنعنا *من سخطهِ أومن غبا
لا تمنعنْ حبا إذا *حلّ زمانا أصعبا
إن بات ذا الحبّ عفي- فا في غناه أطربا
قلبك في تهويلهِ*لمّا يصدّقْ محُببا
وجود القاضي الساخط الذي يمنع الحب العفيف لسخط أو لغباء به.( مع تشبيه رأسه برأس الدبى ) يشكّل لغزاً في هذا السيناريو الشعري المحبوك قصصياً . من أين ظهر القاضي في تلك الربى ؟ وما االفكرة التي يمثلها القاضي هنا ؟ ننتظر جواباً من الشاعر، إن لم ينكر علينا حق التساؤل بحجة أننا من غير ذوي الاختصاص.
في المقطع الثالث يفاجئنا الشاعر بالمصيدة التي أعدتها له الفتيات إذ تستدرجه سعاد ليقر بأنه جاء ليقابل " إبا"
قالت سعاد:جئت لي؟ *لا يا سعاد؛بل إبا
قالت؛لِم التصريح باس- م مَن كرهتُ مِن صِبا
ولعل(كرهتُ)تكون أفضل بحركة التاء المفتوحة (كرهتَ) ، إذا كان ثمة هجرٌ مبنيٌ على ادعاء الكره من قِبَل الشاعر لإبا .
(إبا) أحبّتْ شاعرا *منسجما مع الظِبا
فمن هو ذاك الشاعر المنسجم مع الظبا ؟ إنه تمهيد من سعاد الذكية التي تحاول إثارة فضول الشاعر ليحقق في الأمر ، ويبدو أن علامات الاستنكار التي علت وجه شاعرنا دفعت سعاد لترشده إلى الطريقة التي يصل بها إلى اليقين من هذه الإشاعة .
إن لم تصدّق فاسأل ال – بناتِ من ذات الخِبا
وكان ذلك ما أرادت سعاد ..
لما سألتهنّ صا--- حن؛أمسِكوهُ مُذنبا
جُنّتْ به جنّ بها* في الحبّ ثم أجنبا
يا أضعف الجنسين في * هجرٍ ألستَ الأكأبا
ألست من يبكي النوى*في شعره مستعذبا
لمّا استويتَ شاعرا*هجرتَ أختنا إبا
وهكذا وقع الشاعر العاشق المكابر في فخ الفتيات اللواتي عرفن كيف يستدرجنه للقبض عليه .
لكن ما بال لفظة (صاحَنْ )؟ أليس الأفصح لها أن تكون (صِحْنَ)؟
عموماً، القصيدة متكاملة في موقفها الفني بين متطلبات القصة الشعرية من الحبكة الفنية وأحداثها وحوار شخوصها الموظف المتنامي مع تنامي الحبكة .ومتطلبات الشعر الجميل من الإيقاع والخيال والصور الشعرية.
تحيتي