اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالحكيم ياسين
أخي في الماء والطين
وفي أسرار تكويني
أخي في نزف ذاكرتي
وفي رسمي وتلويني
وفي لغتي وفي همّي
وفي مليون مليون
----
لماذا لاترى رأيي
وتسمع رجع تلحيني
وتحفظ كلّ أشعاري
وتغرق في دواويني
وتلزم دائماً صفّي
وتنصرمطلقاً ديني
وتلغي شخصك الفاني
وتحقن للبقا جيني؟
---
فأقوى إن توحّدنا
وأحكم كالسلاطين
وذا في الأرض يجعلني
أمكّن كلّ تمكين
فإن ضاقت فورّثني
وهاجر أنت للصين
ودع لي بيتك الخاوي
وغرس الجوز والتين
وأرسل كي أسيّجها
ملايين السكاكين
وسوراً أنت تعرفه
أحيط به بساتيني
-----
فإن أنا متّ ياعمري
فعد فوراً لتأبيني
وبالغ في الثناء عليّ
إذا ماقمت ترثيني
وأخرس كلّ مجترئ
أنانيّاً يسمّيني
فلن يرضيك لي ذمّ
ومن بالغمز يؤذيني
فأنت أخي ومن كأخي
من الإيذاء يحميني ؟
وروحي أنت ياروحي
وعيني أنت ياعيني
-------------
مع تحيّات:عبدالحكيم ياسين
|
السلام عليكم
بمفردات بسيطة هي أقرب لقاموس فلسفة السخرية، وإيقاع سلس هو أقرب لوقع حديث منغّم غير مقصود ، يغوص الأستاذ عبد الحكيم ياسين في قرار النفس البشرية ، فيسلط ضوءاً شفيفاً خفيفاً على فطرتين ينزع إليهما الإنسان إن لم يصقله الضمير ويهذبه الإيمان " الطمع والأنانية"فبالأنانية يُلغى الآخر الذي هو أخ في الإنسانية ، ولا تمثل مخاطبته بلفظ "أخي " إلا المفارقة العجيبة بين كفتي ميزان النفس المنحرف، كيف يلغى من جانبٍ وينادى من جانب آخر
أخي في الماء والطين
وفي أسرار تكويني
أخي في نزف ذاكرتي
وفي رسمي وتلويني
وفي لغتي وفي همّي
وفي مليون مليون
وبالأنانية التي هي ناموس داخلي في النفس أطالب - كبشر- أخي أن يلغي نفسه في سبيل إعلاء نفسي
لماذا لاترى رأيي
وتسمع رجع تلحيني
وتحفظ كلّ أشعاري
وتغرق في دواويني
وتلزم دائماً صفّي
وتنصرمطلقاً ديني
وتلغي شخصك الفاني
وتحقن للبقا جيني؟
إن هذه المعادلة الأنانية التي لا يمكن موازنتها أبداً مع حاجة النفس لتمثل الأخوّة ستبقى معضلة الإنسان في عدم توازنه بين نفسه ولا نفسه .ومنها تنبثق المعضلة الثانية التي تشتق منها حينما يقود حب التملك والتسلط إلى سلوك الطمع الذي يغتصب ما للآخر من حقوق مع إلزامه بتأدية كل واجباته حيال المغتصب
فإن أنا متّ ياعمري
فعد فوراً لتأبيني
وبالغ في الثناء عليّ
إذا ماقمت ترثيني
وأخرس كلّ مجترئ
أنانيّاً يسمّيني
فلن يرضيك لي ذمّ
ومن بالغمز يؤذيني
فأنت أخي ومن كأخي
من الإيذاء يحميني ؟
وروحي أنت ياروحي
وعيني أنت ياعيني
القصيدة من حيث الفكرة تميزت بعمق الملاحظة وذكاء المعالجة ، غير أنها فنياً أسهبت في السردية لتوحي بأنها تنتمي إلى المحاولات الأولى في كتابة الشعر . فإن كانت كذلك فعلينا أن نبدي إعجابنا مع التصفيق الحار للشاعر على هذه الانسيابية وهذه المعالجة الذكية البسيطة والعميقة في آن معاً للفطرة البشرية .
وقد لفتت انتباهي من تلك السخرية لهجة التهكم الناجحة التي استخدمها الشاعر في قوله
فإن ضاقت فورّثني
وهاجر أنت للصين
فهاجر أنت" للصين " يلمّح فيها الشاعر من طرف خفي إلى المبالغة التي تناسب في التعبير عن عدم الاهتمام بالآخر الذي لن يضيرنا ابتعاده عنا ولو إلى الصين لعدم اكتراثنا بوجوده أصلاً ، فهنا برود المشاعر الذي يخبّئ خلفه الأنانية وعدم القدرة على التواصل الإنساني إلا بالنفاق .
مع التقدير والتحية