(11)
" ....وأعلمُ أنكِ وانت تقرأين كلماتي الان تتمزقين شوقًا للصراخ في وجهي بأنك تكرهين عنادي ولكن كيفَ لي ان يَمر عيدك دونَ ان ارسل امنياتي لك وللسماء؟
أتمنى هذه السنة ان تكبري فعلًا!
وان تغرقي فيّ اكثر لدرجة لن يستطيعَ انقاذك فيها أحد.
سام."
غدًا يُصادف يوم ميلادي يا غالية، ولولا مُعايدتك المُستعجلة لما تذكرت ولما عدتُ في بريدي الوارد الى ذكريات اعيادي الماضية التي كانت معه. كم كُنت اسخر من ضعف الإناثِ امام العاطفة والذكريات، وها انا الان اسقطُ على ابوابِها مستأذنة الدخول بمشاعري اليها مُجددًا وكأن سحرًا قد حل بي ولا حول لي امامها ولا قوة.
كُنتِ تعرفينَ بأن اعياد الميلادِ تُسبب لي من الكآبة ما تفعل وكنتِ ولا زلتِ تتعمدين على ارسالِ معايدتك لي قبل يوم ميلادي بيومٍ واحد لأستطيعَ ان اشعرَ بما تُرسلينه دون تأثيرات نفسيتي العقيمة. لكنه كان يرفضُ ان يفعل مثلك.
كان يُردد دائمًا بأنني أخلِقُ لنفسي الحواجز بسبب خوفي من ان أعيشَ الحاضر وأغامر، وأن تأويلاتي الكثيرة للامور تُجرد اللحظة من كل معنى. وراهن بحُبي له أنه يستطيعُ اخراجي من تلك القوقعة وبأنه سيكون لي العينَ الوردية لارى العالم من خلاله ما دام حيًا.
لا اخافُ من العُمر يا غالية، ولكن الايام تمر بسرعة مُخيفة وأخشى انني اقل كفاءة من أن أجاريها الركض والسباق.
الايامُ تمرُ بسرعة، وها انا اوشك على ان ابلغ من العمر اربع وعشرون ربيعًا وأحلامي لا تزالُ على قيد الانتظار. وهو الذي وعدني بتحقيقها معي واحدًا تلو الاخر استطاعَ ان يُنسيني اياها ليُصبح هو الهدف الاسمى والمستحيل.
أتعلمين؟ راجعتُ رسائله واحدة تلو الاخرى، ومع أنني اذكر كل حرفٍ فيها وكل علامة توقف – كان أكثر رجولةً وحزمًا من أن يستعمل أي من علامات الترقيم المُترددة كالفاصلة مثلًا – الا ان قراءتي هذه المرة كانت كأنها الاولى.
اؤمن يا غالية بأن البدايات والنهايات هي أكثر ما يتركُ أثرًا، لذا كنتُ اجتهدُ بأن اجعل بدايات رسائلي له ونهاياتها تُحفَرُ بكل مثالية في عقله. لكنه لم يكن يُبالي بخواتم الامورِ، كان يُلقي في رسالته ما يريدُ اخباري به ودون تمهيداتٍ للنهاية يُذللها باسمه فقط.
كانت رسائله مقتضبة وواثقة وصاخبة جدًا، كل كلمة فيها تُحدث في داخلي جلبة أعجزُ عن السيطرة عليها.
في كُلِ ليلةِ ميلادٍ لي أحرص على اغلاق هاتفي قبل ان يدقَ منتصف الليل لئلا أُحاط ببحرٍ من التبريكاتِ والمعايدات من معارفٍ وزملاء لا تتخطى علاقتنا الابتسامة والتحية، وأنا كل ما اريده أن اكون وحيدة وأن أقض مضجع الليل بمشاهدة F.R.I.E.N.D.S لأمنع نفسي عن التفكير والخوضِ في معركةٍ مع البكاء لكي أستطيعَ في الغدِ ان استجمع قوايّ المسرحيّة وارتدي وجهي المُبتسم وأجامل الناس وأتشكر لُطف مواقعهم الاجتماعية التي ذكرتهم بأنني قطعتُ شوطًا اخر حول الشمس.
في مثل هذا اليومِ في العام الماضي كُنت قد بدأت أحضر طقوسي الاحتفالية ابكر من كل عام؛ بطانيّة دافئة امام الموقد وكوب كبير من القهوة الساخنة وبعضُ الاشرطة المسجلّة عليها حلقاتي المُفضلة من ذاتِ البرنامج الذي يرافقني في ليلتي هذه كل سنة، ومحبرة واوراق في حال ضربت القراراتُ اطنابها وأنا ثملةُ المكابرة، لئلا انساها حينَ استيقظَ صباحًا.
لكن هذه المرة قررتُ اغلاق هاتفي مُبكرًا، فلم يكن بي طاقة لمشاجرات سام الروتينية ومعايرته لي بأنني طفلة وعليّ ان انفُض سخافاتي عني وأكبر. وقررتُ ايضًا ان ابدأ مارثون المشاهدة باكرًا لئلا التفت للساعة حين ينتصفُ الليل، لكن هذه المرة تزامن انتصافه مع دقاتٍ سريعة على الباب. نظرتُ لساعة الحائط التي لا تنفك تُذكرني بأن الوقت يمضي أسرع مما ينبغي ولم ادري ما انا بفاعلة. بقيتُ لا ابرحُ مكاني، ونظراتي تتراكضُ بين الساعة والباب الذي لا ينفك يُطرق، بضعُ ثوانٍ شعرتُ وكأنها دهر. لا أدري كيف استعدتُ بضعًا من اوردتي الدموية لأتمكن من الحديث:
- Who is it?
- It's your fairy, open up
امتلأتُ غضبًا وسعادة في آنٍ واحد وأسرعتُ لافتح له الباب وكأنه لم يكن هنالك "احتفالٌ سنوي" ينتظر.
- سامي! ما الذي اتى بك بهذه الساعة؟! كيف تدقُ الباب بهذه الطريقة؟! انا استغربُ احيانًا كيف تُفكر! انت....
- كُل عامٍ وانتِ لي يا وجعي.
استطاع، ككل مرة، أن يُطفأ اشتعالي بكلماتٍ قليلة مُنتقاة.
- أغلقتِ هاتفك باكرًا هذه المرة. الا تُريدين ان تُنهي عامًا وتبدأي اخر دون ان تكبري –طبعًا – على صوتي؟
ابتسمتُ، ولم أنطق بكلمة واحدة. فاكمل حديثه...
- أين الـ manners يا امل؟ ألن تدعينني للدخول؟
- كلا.
- حسنًا، سأدخل اذًا دون دعوة. غالية ليست هُنا اليسَ كذلك؟
دخل، وأغلقَ الباب خلفه كأنه صاحب المكان وبدأ باعادة ترتيب الصالة كما يشاء. اغلقَ التلفاز واعادَ الاشرطة المتناثرة لمكانها ثم فرشَ البطانية كالبساطِ امام الموقد وأشارَ لي أن اتي لأجلس امامه فأطعتُ صامتة مُبتسمة. وما ان جلستُ حتى اخرجَ من حقيبته ثلاثة وعشرون قصاصة ورقٍ وعددًا من الشموع.
- هذه القهوة لي. انتِ بت تستهلكين الكثير من الكافئيين. لا اريدُ لهذه العينين أن تذبل.
- كان من الحري بك ان لا تُجبرني على ادمانها منذ البداية.
- يا نكديّة! هذه اول صفة سنتخلص منها.
- سَــ.. ماذا؟
- الم نقل بأننا علينا التخلص من قيودك واحدًا تلو الاخر لكي تصلي لأمل المثالية؟
- الا زلتَ تذكر؟
- انا لا انسى احاديثنا. مضى على اتفاقنا ذاك اكثر من سنة ولم نحقق منه الا القليل. لذلك علينا الان أن نُضاعف العمل لئلا تَهربي من نطاق قدرتي على اللحاق بك.
لم افهم في البداية ماذا يُريدني أن افعل. سحبَ اول ورقة من القصاصاتِ التي احضرها وكتب عليها بخطٍ عريض (نكـــديـــــــة). ثم أشعلَ احدى الشموعِ وبدأ باحراق الورقة.
- هيا، تبقى لدينا اثنا وعشرون صفة او عائق او ذكرى لنتخلص منها حتى تتحرري!
وقضينا الليلة ما بينَ ضحكٍ على الصفاتِ التي يُريدني ان أتخلص منها لأصبح "مطيعة"، ودموعٍ حارة كلما سجلتُ ذكرى على القصاصة قبل أن احرقها.
مرت تلك الليلة دونَ ان اشعر بالوقتِ يخزُ في احلامي كل ثانية كما يفعل كل سنة.
مرت الليلة وأنا سعيدة.
حين همّ ليُغادر ناولني هدية مُغلفة وأخبرني ان أفتحها فقط حين اراه استقل عربته وابتعد عن البناية. وهكذا فعلت.
بقيتُ اتوسدُ النافذة اراقبه حتى ابتلعته الطريق. فتحتُ المُغلّف؛ love locket يحمل تاريخ لقاءنا الاول - لم يفارق عُنقي منذ تلك اللحظة - وكتاب P.S I Love You
. فتحتُ اول صفحة من الكتاب لأجده قد تركَ لي اهداءً بخطه النزق...
" لأن ثمانية وعشرون حرفًا تعجزُ على اشعالِ صلاةِ شُكرٍ واحدة في مساحاتك...
كُل عامٍ وأنتِ طفلتي المُدللة.
سام.
26.01.2012 "
استطاعَ سام في تلك الليلة ان يكسر كل الحواجز فيما بيننا وأن يدخل اعماقي ويستقر فيها. استطاعَ ان يلمسَ كُل نقاطِ ضعفي وأن يبثَ فيها القوة.
استطاعَ سامَ يا غالية في تلك الليلة أن يحتل كُل خلية في جسدي وروحي.
ويا له من احتلالٍ.