عرض مشاركة واحدة
غير مقروء 25-10-2014, 03:53 AM   رقم المشاركة : 22
معلومات العضو
عُلا وَتد
أقلامي
 
إحصائية العضو







عُلا وَتد غير متصل


افتراضي رد: وَلي فيها ذِكريات،! || رواية

(10)


مرّ على انتهاءِ الفصل الدراسيّ يومان. يومانِ من الشقاء والفراغِ القاتلِ. الفراغُ الذي ينهشُ دواخلي ويرفضُ أن يمتلأ!
لا أدري كيف استطاعَ سام ان يمتلكني بهذا الشكل وأن يتحكم بي بهذه الطريقة العنيفة. فكُلما هممتُ لأن افعل شيء - أي شيء- اراهُ ممتثلًا امامي بتلكِ النظرة العميقة فلا اعد استطيعُ الحراك.
كنتُ اظن بأنني الان سأكون قد تمكنت من التخلص منه، لكنني كلما قاربتُ على الشفاءِ وجد لنفسه طريقًا ليعود فيَنتشرَ في داخلي من جديدٍ.
وحدهُ القادر على اشعالي في لحظة ووحده العالم على أي زرٍ عليه ان يضغط لأرقد كطفلةٍ تاهت عنها دُميتها فوجدتها بعد عناءٍ من البكاء.

كنتُ دائمًا بعد كل مشاجرة بيننا أنهي الحديثَ بأن مخزون حبي له قد شارف على الانتهاء ليُقابلني بضحكةِ الواثق من حُسنِ امتلاكه لي وليخبرني بأنني مهما فعلت لن استطيعَ انتزاعه من بينَ أضلعي. وكم أخشى يا غالية من ثقته وصوابه.

أتذكرينَ حينَ ارغمتُكِ على قراءةِ فوضى الحواسِ؟ كنتُ قد انهيتُ قراءته بعد ان أهداني اياهُ سام بثلاثةِ ايام وجئتُ اليكِ مُحمرةَ العينينِ بعد ليلٍ طويلٍ من السهر والبكاء، لم يُهدني يومًا كتابًا ولم يرسل لي يومًا مقالًا لأقرأه دون هدفٍ مخبوء وراءه ولم أدري ما الذي قصده من هذا الكتابِ بالذات لكنني كنت متيقنة بأنه يتحدثُ عنا.
بقي الكتابُ مركونًا على طرفِ مكتبتك لا تحركينه الا لفضِّ الغبار عنه لمدة شهرين تقريبًا، ولا أدري ما الذي جعلك تتخلين عن كبرياءك بمعاندتي وبأنك ترفضين أن تكوني جزءًا في علاقةٍ نهايتها تراجيديّة وتقرأينه. انقطعتِ عني يومينِ كاملينِ ثم فككتِ المقاطعة برسالة الكترونية تحملُ اكثرُ جمل الرواية المًا:

“سـ تتعلمين كيف تتخلين كل مرة عن شيء منك ..
كيف تتركين كل مرة أحداً .. أو مبدأ .. أو حلماً .. !
نحن نأتي الحياة كـ من ينقل أثاثه و أشياءه ..
محملين بـ المباديء .. مثقلين بـ الأحلام ..
محوطين بـ الأهل و الأصدقاء ..
ثم كلما تقدم بنا السفر ..
فقدنا شيئاً .. و تركنا خلفنا أحداً ..
لـ يبقى لنا في النهاية ما نعتقده الأهم .. !
و الذي أصبح كذلك .. لـ أنه تسلق سلم الأهميات ..
بعدما فقدنا ما كان منه أهم .. !!”

لم تقو رجليّ على الحراكِ بعد قراءتي لرسالتك من فرطِ السعادة. كان هدفك اخباري بأنه عليّ ان اضعَ نفسي في اعلى سلم الاوليات وأن أُدرجَ ما تبقى في اسفل القائمة، فاذا ما اضطررتُ ان اتركَ خلفي شيئًا مهما كان قيمًا سيبقى بحوزتي دائمًا الأهم.
وأردفتِ كعادتك بأن تأثيرَ سام على هذا السلم خطيرٌ جدًا، وبأن عشوائيتي تجاه نفسي خللٌ في مُخطط الكون نتيجته دمارٌ شامل لا محالة.
لكن سعادتي باختيارك هذا الجزء من الكتابِ بالذاتِ كانت أكبر من أن يكسرها ذمّكِ المتكرر لسام.

ما لم اخبركِ به انذاك يا غالية بأنه عندما اهداني سام الكتاب كان قد وضعَ في داخله قصاصةً صغيرةَ تحملُ هذا الاقتباسَ وأضاف عليه
" لقد أجبرتني الحياةُ على التخلي عن الكثيرِ، وقد انتزعت هي بدورها مني الكثير ايضًا، لكنها لم تقو على ان تُخلصني من "أملي" ومهما حاوَلت – وحتى ولو فقدتُكِ – ستكونينَ دائمًا الأهم"

هاتفني سام تلك الليلة وطلبَ مني ان اقابله في الحديقة المقابلة لشقتي ورفضَ ان يدخل هو رغم محاولاتي العديدة باغرائه بكوبِ القهوة الساخن الذي يحب ان أصنعه له، فعلمتُ حينها بأن هنالك خطبٌ ما. ارتديتُ معطفي الاسود واخذتُ بطانية دافئة ونزلتُ مسرعة لملاقاته. وجدته منتظرًا على غير عادة، فأنا التي كانت دائمًا تنتظر.
جلستُ بجانبه وأثنيتُ على دقةِ موعده هذه المرة لكنه لم يقابل تهكمي بجوابٍ ساخرٍ كعادته، بل وضعَ يدي بين يديه الباردتين وابتسم.

- ما بكَ يا سامي؟

- انا متعبٌ يا امل. لم أعد استطيع احتمال هدايا القدرِ الثقيلة أكثر.

- لو لم يكن القدر عالمٌ بمدى صلب عودك لما هداكَ اياها. الم تقل لي دائمًا بأنك لا تُكسر وبأنه لا شيء يقف أمامك؟ اين ذهبت هذه الثقة؟ اين ذهب ايمانك؟

- عن أي ايمان تتكلمين؟ انا لم اعد اؤمن بشيء!

- الا تؤمن بي؟

- انتِ اليقينُ الوحيد الذي اراهُ الان.

- اذًا فلتعلم بأنني سأكون معك ولأجلك وسأعيدُ تجميعك اذا ما تناثرت. ليسَ هنالك شيءٌ اقوى من الميثاق الذي يربطني بك وان كنت فعلًا تؤمن بي سنواجه الهدايا معًا. أشركني فقط يا سامي!

- أنتِ تعلمينَ عني كل شيء. ماذا احبُ وماذا اكره، برامجي المفضلة، عاداتي الصغيرة، برنامجي اليومي، قطع ملابسي حتى... لكنك دائمًا ما كنتِ تشتكينَ من شيء واحد. أتذكرين ما هو؟

- أنك ترفضُ ادخالي لاطار عائلتك.

- وأنتِ تظنين طبعًا بأنني اريدُ ان ابقيكِ بعيدة عن عائلتي لئلا تُصبح علاقتنا "حقيقية" في عيون المجتمع.

- well ...

- انتِ اليقينُ الوحيد الذي اؤمن به يا امل، لأنني فقدتُ ايماني بالعائلة. ابقيتُك كل هذه المدة بعيدة عن اخبارهم وعن أي معلومة عنهم ليس للتنصل من علاقتنا متى شئت، بل لاحافظ عليكِ من الهروب، لابقيكِ بجانبي، لئلا اخسرك!

- تخسرني؟ من اجل ماذا؟

صمتَ طويلًا محاولًا منعَ هروبِ دمعة من عينيه. ثم قال:

- سيتمُ غدًا الافراجَ عن اخي بعدَ ان كانَ سجينًا لانه قتلَ احدهم وهو تحتَ تأثيرِ المُخدر. بدأ ادمانه على المخدراتِ قبل اربع سنواتٍ بعد موتِ والدتي بفترةٍ وجيزة. والدي مُقعد اثر حادثِ عملٍ اوشك ان يودي بحياته والذي بسببه اصبحَ اخي المعيل الاساسي للعائلة. تركَ تعليمه الجامعي لكي استطيعَ انا ان اكمله ولكي نجدَ ما نأكله في اخر النهار. كانَ قاسيًا غليظَ القلبِ يا امل، وكان ينظرُ الي كلما دخلتُ عليه وكأنني من سرق منه مستقبله. بيدَ ان علاقته بوالدتي كانت مُختلفة تمامًا. كان يُحبها كثيرًا، ويعاملها كأنه لم يُخلق على وجه الارضِ امرأةٌ بعدها. كان دخولها عليه كأنما حلّت عليه السكينة، فان كان يصرخ بي – صمت. وان كان غاضبًا – هدأ. تأثيرها عليه كان اسرًا يا امل، وموتها كذلك اسره في تابوتٍ من الحزن والكآبة. ومنذ تلك اللحظة لم يعد للحياة فيه من اثر.

- لماذا لم تخبرني ذلك قبل الان؟

- خفت من العيون.

- خفت مني انا؟

- خاصة منك!

- سامي، أتظنُ بأنني احببتك لأني حسبتك ولي عهدٍ في مملكة ما؟ او لأنني رتبتُ لنفسي معك حياة رغيدة؟

- كلا. ولكن...

- احببتكَ لأنك تَرأبُ ثغرات روحي بقلبك...
لأنك تَمنحُ لاحلامي الصغيرة مساحة لتكبر...
لأنك تنفخُ في هشاشتي قوّة، وتقابل عاطفتي بكل عقلانيّة.
احببتكَ لأنك رممتني من الداخل!
ولانك تفهمُ صمتي وتشعر بي...
ولأنك رأيتني حينما لم أكن مرئية.
انتَ كل عالمي يا سامي، دعني اكن لكَ كذلك!

- لا قدرةَ لي على تحمل نقاءك يا امل.

- هراء! انت الرجل الذي لا يُكسر... انتَ رَجُلي الذي لا يُكسر!

اقتربَ مني ببطء وسحبَ خيطًا من طرف معطفي وأحاطَ به بُنصر يدي اليمنى ثم نادى باعلى صوته:

- انتِ اسمي وسمائي وعائلتي وبيتي ومكاني وحلالي ساعة الحشر!

ثم احتضنني بقوة كادت أن تتفتت منها أضلعي حُبًا ودفئًا.
كانتَ هذه المرة الاولى التي ارى فيها دموعه تنهمرُ من مقلتيه يا غالية، والمرة الاولى الذي يخترقُ فيها قوانيننا ويحتضنني.

اخبريني بالله عليكِ..

كيفَ لي أن اشفى منه؟ وهو الذي جعلَ من قلبي عنانًا يعجزُ عنه كل الرجال.






التوقيع

Some look for happiness
Others create it
 
رد مع اقتباس