عرض مشاركة واحدة
غير مقروء 28-09-2014, 02:47 PM   رقم المشاركة : 20
معلومات العضو
عُلا وَتد
أقلامي
 
إحصائية العضو







عُلا وَتد غير متصل


افتراضي رد: وَلي فيها ذِكريات،! || رواية

(8)

القَهوة لا تُشرب على عجل،
القهوة اخت الوقت تُحتسى على مهل!
القهوة صوت المذاق،
صوت الرائحة،
القهوة تَأمُل وتغلغل في النَفسِ وفي الذكريات!"

في النَفسِ وفي الذكرياتِ يا غالية!
وآهٍ كم أخطأتُ انا وكم صَدقَ دَرويش.

حينَ دخلتُ الفصل الاول كُنتُ لا ازالُ احتفظِ من الطفولةِ ببعض البراءة، وببعض الافكارِ الخرافيّة وبِحبي المُفرطِ لكل التفاصيل الصغيرة التي تُضفي للصورة الاكبر بعض الرونق والكَمال.
عندَ اجتماعنا بعدَ المحاضراتِ او في فُرص الزمن المسروقة من وقتِ الدراسة كُنتِ انتِ اول من يَطلب القهوة – وبدونِ سُكر – ثم يَعقبكُ كل من يرافقنا الا انا، وكنتِ في كُلِ مرة تُلحين عليّ بتجربتها بادعاءِ انني دونها لن استطيعَ اجتياز الفصل الاول فكم بالحري اربعُ سنواتٍ، ودائمًا كان نصيبُ الحاحكِ الرفض.

الى ان آل بنا القدرُ لتلكِ اللحظة؛

كُنا نجلسُ وحدنا في رُكننا المعتاد بعيدًا عن عيون العابرين، كنتِ تَحتسينَ قهوتك بهدوءٍ غَريب، وكأن حدسك الباطني يعلمُ بأننا نعيشُ لحظةً مفصليّة وبأنني في غُضونِ دقائق قليلة سأفتحُ أبوابَ الجحيمِ على مصراعيها.

- اتعلمين يا غالية، أجدُ بأن حُبي العميق للكتب البيوغرافية وللرسائل التي تُنشر بعد موتِ كاتبها و لليوميات الشخصية غير مُبرَر.

- لماذا؟

- لأنني أؤمن بشدة أن اللحظات الشخصية يجبُ الا تُنشر على الملأ، سعادة حملت او المًا، فبهذا تفقدُ قيمتها. جمالُ لحظاتنا بأننا عشناها بكل حضورٍ وبكل قوة، وبأنها مُلكٌ لنا وحدنا نستطيعُ الرجوع اليها بمرافئ الذاكرة دونَ التفكير بأي عواقبٍ اجتماعية. ويجبُ أن نصونَ نحنُ بدورنا هذه الخصوصيّة.

- ولماذا تقرأينها اذًا؟ ام انكِ ايمانك لا يُصدّقُ بالفعل؟
اقتحمَ صوتهُ بنبرةٍ تكادُ تخترقُ الاثير من شدة غروره، للمرة الثانية، الحديثَ دون أي مُقدمة.

" أنتَ!"

قُلتها بصوتٍ يرتجف يحاولُ اخفاءَ اهتزاز قَلبي بينَ اضلعي الذي يخشى عليّ من استفزازٍ مُتكرر.

- اجابةٌ خاطئة يا... أمل، اليسَ كذلك؟

- بلى، ولم أتوسّم في سؤالك أي مِفتاحٍ لمحادثة وديّة لأبادلك الاجابة.

- فنُ الحكِمة يا امل يَكمنُ في معرفتك متى تُجيب ومتى تتجاهل. وأظنُ بأنه اختلطت عليكِ الامورُ قليلًا، هذا موضعٍ رائع لتُدافعي عن اهتماماتك امام نفسكِ اولًا وامامَ اصدقاءك. انتهزيه.

- هاه! وتقتبس جيمس ايضًا؟ اليست نظرياته خرافة لا تمتُ لواقعنا بصلة؟ أم ان ارائك تتغير وفق ما يدعمُ موقفك؟

- ابدًا، لكنني احاول التحدثُ معك بلغتك.

- لا تزالُ تحتاجُ من الضوءِ سنوات كثيرة.

- ما زلتِ تتهربين من الاجابة.

- اقرأها لانني ابحثُ عن ذاتي فيها.

- وهل تحتاجين لحياةِ الاخرينَ لفّكِ شيفرة خاصتك؟

- بل احتاجُ لجرأتهم في التفكير والكتابة والاعتراف والمحاولة.

- مشكلتكِ بسيطة، بدلًا من التلصص على حياةِ الاخرين والسمو بنفسكِ العزيزة فوقَ نكساتهم عليكِ أن تُحرريها من قيودها واحد تلو الاخر.

- فكُ القيودِ ليسَ بالسهولة التي تُصورها كلماتك.

- ابدأي بأصغرها حتى ترضخَ لكِ الكبيرة. الم تَقولي بأنكِ تحتاجينَ للجرأة في المحاولة؟

- بلا. ولكن...

- قاموس حديثك يحتاجُ بعضًا من الحزم! القيدُ الاول، عليكِ ان تتخلصي من استعمال الكلماتِ المُترددة.

تنهدتِ تنيهدةً طويلة وانسحبتِ من حديثٍ لم يُبادلكِ فيه الطرفانِ بشيء مُتحججة بأن قهوتك تحتاجُ للتسخينِ من جديد.

أردَف...
- لمَ لم تأخذ صديقتُك كوبك أيضًا؟ الم تبردُ قهوتك؟

- انا لا اشربُ القهوة.

- كم عُمرك؟

- انتَ مُستفز!

- وانتِ سريعةُ الاشتعال. لم لا تشربينَ القهوة؟

- لانها الخطُ الفاصل ما بينَ الطفولةِ والكِبر، ولا اريدُ ان أكبر بعد.

- بل انتِ تخافينَ النضوج وتحمل المسؤولية كاملة.

- المسؤولية عن ماذا؟

- عن أي شيء، عن كل شيء! تجدينَ لكل هفواتِك سترًا وغطاء تحتمينَ تحته، فانتِ لم تَكبُري بعد.

- يا لشدةِ خطأك! انا لا اخشى المسؤولية، فلي منها حُصة الاسد منذ نعومة اظافري. لكنني لا أريدُ ان أكونُ في سِجّل المُجتمعِ "كبيرة" فأفقدُ في ظل هذا المُسمى مُتعة الحب الطفولي لهذا العالم.

- تستطيعينِ أن تحظي بفوائدِ الطرفين. القهوة توقِظُ الواقع في داخلك لئلا ترتطم فيه احلامك الوردية، عليكِ فقط ايجادُ المكانِ المناسب والزمان.

- رُبما.

- الان!

- لاحِقًا.

- الم تقولي بأنكِ تحتاجين للجرأةِ في المحاولة؟

- انتَ مُستفز!

- وانتِ سريعةُ الاشتعال.

احضرَ لي فنجان قهوةٍ سوداء ساخنة، وقد ختَمَ عليها بخطٍ أحمر عريض الرقم واحد، واسمه، سام!
امسكَ يدي، ثُمَ أحكمَ إغلاقها حولَ الفنجان دونَ أن يُدرك بأنه في تلكَ اللحظة بالذات هي أضعفُ من أن تمسكَ أي شيء.
وغادرَ مُبتسمًا.

لا أعرفُ كيفَ خُضتُ في حديثٍ كهذا مع شخصٍ لا أعرفُ عنه شيئًا، حتى اسمه.
كنتُ بحاجة ان القي اللومَ على أحدٍ حتى اتمكن من لملمة شُتاتي. نظرتُ اليكِ بعينٍ تشتعلُ من الغضب وصرختُ بأن صمتك وحياديتك هي السبب. ثُمَ ارتشفتُ قليلًا من القهوةِ لأول مرة.

كُنتِ تُدركين حينها بأنني استندُ عليكِ ليسَ إلا، وبأنني اغوصُ في دوامة كلماته التي حلّت بي كاللعنة، وبأنني دخلتُ في غيبوبة عشقٍ لا محالة.
اقتربتِ مني واحتضنتني بشدة.
أخبرتني بأن سام مَفعوله كإسمه وبأنه عليّ ان أحذرَ من أن أُدمن قَهوته فينهش دواخلي بهدوءٍ تعجزينَ عن مُجاراته.

لم أفهم حينها ماذا قصدتِ، لكنني اعلمُ اليومَ يا غالية بأن اعتيادي على مرارِ تلكَ القهوةِ كان خَيارًا أحمق وليسَ مُتعة، وبأنَ اللذة التي كُنتُ أرتشفها كُل صباحٍ باتت مُنشط لألمٍ لا سبيلَ للفطامِ منه.

ليتَ بوسعّنا تجريد الامورِ من رمزيّتها ومنحها هوية جديدة تَليقُ بقلوبنا كُلما تُكسَر!






التوقيع

Some look for happiness
Others create it
 
رد مع اقتباس